- المواطنون: "الحكومة اعتادت الضحك علينا.. والرقابة خارج الخدمة"

- أمير الكومي: فقدان الثقة بين المسئولين والمستهلك سبب ضياع الحقوق

- محمود عامر: التجار والبائعون لا يلتزمون بمواد القوانين.. المتضاربة

- د. سعاد الديب: التعديلات الجديدة على التشريعات الرقابية مجرد أوهام

 

تحقيق- إيمان إسماعيل:

قراران متعاقبان، فصلتهما أيام قلائل، فاجأتنا بهما وزارة التجارة والصناعة، دون إبداء مبررات قوية وتفاصيل واضحة لأي منهما، وأول هذين القرارين كان تأجيل إحالة مشروع جهاز سلامة الغذاء إلى عرضه على مجلس الشعب، وثانيهما تمثَّل في تعديل بعض البنود في قانون حماية المستهلك وإحالته إلى مجلس الوزراء؛ حيث أعلنت وزارة التجارة والصناعة بالتعاون مع جهاز حماية المستهلك الحكومي في نهاية شهر ديسمبر الماضي إدخال تعديلات جديدة على بندين فقط في قانون حماية المستهلك، بعد مرور نحو ٣ سنوات على تطبيقه، وتلك التعديلات الجديدة تمنح الجهاز سلطة حظر تداول أي منتج مدون عليه بيان مضلل للمستهلكين، وإخضاع النشاط العقاري للرقابة عبر منح الجهاز سلطة منع الإعلانات المضللة في هذا المجال.

 

ولم يحالف "جهاز سلامة الغذاء" الحظ في أن يدخل ضمن تلك التعديلات، على الرغم من أن ذلك الجهاز، والذي دام في مناقشة بنوده ومدى صلاحيتها أكثر من 4 سنوات مضت، وتعالت المطالبات بضرورة إجراء ضغوط على الحكومة لإحالة ذلك المشروع المتعلق بإنشاء هيئة لسلامة الغذاء إلى مجلسَي الشورى والشعب؛ حيث كان سيوحد 16 جهازًا رقابيًّا في كيان واحد، يتولى الرقابة على الغذاء في جميع مراحل تداوله؛ سواء كان منتجًا محليًّا أو مستوردًا، فضلاً عن الرقابة على المنشآت وغيرها من المسئوليات بما يكفل الحفاظ على صحة وسلامة المواطن، خاصةً مع امتلاء الأسواق بأطنان من المواد الغذائية التي تُصنع في مصانع "بير السلم".

 

والمفارقة هنا في أن الحكومة، على الرغم من تسويفها في إنشاء الجهاز؛ هي من أعلنت أن حجم تجارة السلع الغذائية في مصر غير الخاضعة لرقابة الدولة بلغ 160 مليار جنيه من إجمالي 200 مليار من حجم التجارة الكلية للسلع، وأن الدولة تنفق ٢٤ مليون دولار سنويًّا؛ أي 19% من موازنتها، على أمراض ذات علاقة بالطعام؛ في الوقت الذي يتواجد فيه 120 تشريعًا ما بين قوانين وقرارات وزارية ومراسيم ملكية، تحكم منظومة الغذاء في مصر، فضلاً عن وجود 7 وزارات، و15 جهةً رقابية مسئولة عن ملف الأغذية في مصر؛ لكنها لم تستطع إحكام منظومة الغذاء في مصر ووقف قطار التدهور بها؛ ما يجعل التشبث بمشروع سلامة الغذاء أمرًا ملحًّا.

 

فكيف يرى المصريون هذا التخبط الحكومي، وإلى أي مدى يرون تأثرهم بعدم وجود مشروع مثل "جهاز سلامة الغذاء"؟، ولكن هل كان من المؤمل في هذا الجهاز أن يكون فعالاً مع وجود العديد من الأجهزة الرقابية على الغذاء ولا تفعل شيئًا؟

 

أسئلة عديدة طرحها (إخوان أون لاين) على المواطنين والخبراء.

جهاز مجهول

المواطنون أبدوا أغلبهم عدم علمهم بما يسمى "جهاز وقوانين حماية المستهلك"، فضلاً عن عدم استشعار من يعرفونها بأي دور يُذكر لها في الواقع، ورأوا أن تلك الجهات الحكومية مضيعة للأوقات، وليس لها جدوى، وأن أي شيء حكومي ليس به خير.

 

تقول فريدة عبد الغني (موظفة- 45 عامًا): "أعلم أن هناك ما يُسمى جهاز حماية المستهلك، ولكني لم أفكر مطلقًا في التعامل معه؛ لأن متابعة صلاحية المنتجات والخدمات من اختصاص ذلك الجهاز، وهو لا يقوم بها مطلقًا بدليل وجود المنتجات منتهية الصلاحية بكافة منافذ البيع والمحلات، وليس هناك رادع لهم، فهم مقصرون ونائمون وينتظرون شكاوى المقهورين، وحتى إذا تقدَّمنا بشكوى فأنا على يقين بعدم الالتفات إليها؛ لأن هذا دأب الحكومة دائمًا".

 

يتساءل محمود فوزي (35 عامًا): "إذا كانت الحكومة تستورد أغذية فاسدة وقمحًا فاسدًا؛ هل ننتظر منها أن تحارب الفساد اللي هي أصلاً سبب وجوده؟!".

 

وتقول داليا محمد (مهندسة ديكور) إنها تتعرض كثيرًا لخداع التجار خلال شراء منتجات غير مطابقة للمواصفات أو منتجات تالفة، ولا يقبلون استبدالها بأخرى جديدة، على الرغم من وجود فاتورة الشراء معها، أما عن تعاملها مع جهاز حماية المستهلك في تلك الحالة؛ فتقول: إنها على يقين بأنه لن يأتي لها بحقها، وأنهم سيماطلون في بحث الحالات ويستغرقون سنين، وفي النهاية لن تأخذ حقها، وستكون دفعت مبالغ طائلة في تقديم الشكوى وكافة الطلبات التي يطلبها الجهاز حتى يثبت أحقية الشكوى.

 

وبنفس الطريقة يعلق حامد محمد (محاسب) فيقول إنه عندما ترحل الحكومة التي لا تعمل إلا لتحقيق مصالحها الشخصية، فسيكون لإبداء آراء المواطنين في أي تعديل أو قرار جديد تتخذه نتيجة واعتبار، أما غير ذلك فلا للتعديلات معنى ولا لآرائهم فائدة.

 

لا جديد في الحماية

ويجمع الخبراء والمتخصصون على أن التعديلات التي أعدتها وزارة التجارة والصناعة في قانون حماية المستهلك، وإحالتها إلى مجلس الوزراء لإقرارها، في نهاية شهر ديسمبر الماضي، وعدم إدخالها لقانون "سلامة الغذاء" ضمن تلك التعديلات، لا تتعدى كونها "طلاسم حكومية" وتصريحات وتعديلات صورية لا تلامس أو تؤثر على أرض الواقع، ولن تحمي أو تضمن أيًّا من حقوق المستهلكين.

 

يقول المستشار أمير الكومي رئيس مجلس إدارة جمعية حماية المستهلك المصرية: إن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم إدراك المواطنين لأهمية ثقافة حماية المستهلك؛ سواء الجهات الحكومية أو الجمعيات الأهلية، فهو مغيب تمامًا ونادرًا ما يقوم مواطن بالإبلاغ عن مشكلة ما، ولكن الكومي أشرك الحكومة في المسئولية؛ نتيجة فقدان الثقة بينها وبين المواطنين.

 

ويضيف أن الجزء الذي طرأ عليه التعديلات والخاص بمراقبة نشاط الإعلانات كان موجودًا من قبل في قانون حماية المستهلك إلا أنه كان غير مفعل تمامًا، ولم يكن له قرارات ملزمة لتفعيله، مشيرًا إلى أن التعديل لن يضيف جديدًا إذا ما لم يتم وضع خطة في كيفية تفعيل القوانين بشكل جيد ووضع آلية معينة لتطبيقه.

 

ويقول إنهم كجمعيات أهلية لحماية المستهلك، طالبوا بأن تكون غرامة الإعلانات المضللة نصف مليون جنيه، إلا أن وزارة التجارة والصناعة لم تستجب لذلك، وأقرتها في التعديلات الجديدة بقيمة 100 ألف جنيه فقط، فهي بذلك لن تكون رادعة بالمرة لشركات الإعلانات المضللة وكأن شيئًا لم يكن.

 

ويضيف المستشار الكومي أنهم كجمعيات أهلية بدءوا في البحث عن بدائل لحماية المستهلك بعيدًا عن الأجهزة الحكومية وقيودها، والتي منها قيامهم في الوقت الحالي بإنشاء قاعدة بيانات تحت مسمى "blow book " لتصنيف المنتجات على ثلاث مستويات A, B, C  (عالي الجودة، ضعيف الجودة، رديء)، وسيتم توزيعه على المواطنين حتى يستدلوا به قبل شراء أي منتج.

 

بنود متضاربة!

 الصورة غير متاحة

 محمود عامر

ويعلِّق النائب محمود محمد عامر عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة حقوق الإنسان أنه أيًّا كانت التعديلات التي تطرحها وزارة التجارة على قانون حماية المستهلك فهي لن تأتي بأي نتيجة تُذكر؛ لأنها لا تعالج المشكلة من جذورها إنما تعالج القشور فقط.

 

ويضرب على ذلك مثلاً بالبند رقم (5) في قانون حماية المستهلك، والذي ينص على "أن يكون لدى المستهلك فاتورة ضريبية من الجهة التي قام بالشِّراء منها؛ حتى تشمله حماية جهاز حماية المستهلك، إذا ما وُجد أيُّ ضرر في المنتج"، فيوضح قائلاً: "أنه على الرغم من أن غالبية التجار والبائعين لا يلتزمون بذلك البند إلا أن الوزارة في نفس الوقت لا تسن عقوبات رادعة على أي جهة تبيع دون فاتورة شراء"، مشيرًا إلى أن هذا التعارض يجعل تطبيق أي تعديلات وحصول المستهلكين على حقوقهم بالشيء المستحيل على أرض الواقع في ظل سياسات الحكومة تلك.

 

ويضيف النائب أن أغلب التعديلات المقترحة في شأن قانون حماية المستهلك، وأغلب بنود القانون تركز فقط على السلع المعمرة، ولا تضع في حُسبانها الأغذية والمنتجات سريعة التلف، ملمحًا أنه على الرغم من أن سعرها زهيد، واحتمالية تسببها في أضرار وأمراض لدى المواطنين أكبر إلا أن الحكومة تتعَّمد إغفالها، وهو الذي يتضح في قيامها بتأجيل مناقشة مشروع "جهاز سلامة الغذاء"، وهو ما يعني مزيدًا من الأمراض، ومزيدًا من الأضرار لدى المستهلكين.

 

شكليات

وتقول الدكتورة سعاد الديب رئيس الجمعية الإعلامية لحماية المستهلك أن البند رقم (23) من قانون حماية المستهلك ينص على أنه من حق الجمعيات التي تنشأ لحماية المستهلك طبقًا لقانون الجمعيات الأهلية أن يكون لها عدةُّ اختصاصات؛ منها: إبلاغ الأجهزة المعنية بما يقع من مخالفات في حق المستهلك، وتقديم معلومات إلى الجهات الحكومية المختصة عن المشاكل المتعلقة بحقوق ومصالح المستهلكين وتقديم مقترحات لعلاجها، وتلقي شكاوى المستهلكين والتحقق منها والعمل على إزالة أسبابها، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لحماية حقوقهم ومصالحهم.

 

واستبعدت أن تقوم الجمعيات بهذا الدور في ظل حدوث أي تعديل بتلك البنود، موضحة أن تلك التعديلات لم تتم بناء على أسس موضوعية من تفريغ للمشكلات التي تواجه المواطنين أو سماع شكاويهم؛ مما يجعل الغموض يشوب تلك القرارات، ويجعلها من المستحيل أن تصُبَّ في مصلحة المستهلك.

 

وتؤكد أن كافة تلك التعديلات التي تقيمها الوزارة ما هي إلا تعديلات شكلية لن يوجد لها أثر على أرض الواقع؛ لأن المشكلة الأكبر في آلية تطبيق بنود القانون النظري، والتي لم تنتبه إليها رؤية الوزارة بالمناقشة.

 

حبر على ورق!

ويتفق في الرأي مع سابقيه الدكتور محمد فتحي النوواي الأمين العام لجمعية حماية المستهلك بالمنوفية قائلاً: إن تلك التعديلات هي تطور متأخر، وإيهام وخداع للمواطنين أن كل شيء تحت السيطرة بسن مزيد من القوانين، مؤكدًا أن المشكلة الأساسية تكمن في الآلية التي سيطبَق بها القانون، والكيفية التي سيتم تفعيله بها، خاصةً في ظل وجود العديد من القوانين، والكم الهائل من القرارات، ولكنها مجرد كلام على الورق لا جدوى منه.

 الصورة غير متاحة

أزمات طاحنة تعصف بالشعب المصري والحكومة نسيت الفقراء

 

ويوضح أن هناك ضرورةً ملحةً لزيادة الآليات المتاحة لحماية المستهلكين من الإعلانات المضللة التي تَضُر بحقوق المستهلكين وتستنفد مواردهم المالية؛ لدفعهم لشراء سلع لا تلبي رغباتهم، إلى جانب أن هذه الإعلانات تُخل بقواعد المنافسة العادلة بين المتعاملين في السوق، مضيفًا أن اقتراح وزارة التجارة بإخضاع نشاط الإعلانات للرقابة لا يكفل حقوق المواطنين لعدم توضيح الآلية التي سيتم تنفيذ ذلك التعديل بها.

 

ويشدد د. النوواي على ضرورة توفير الحكومة بعض الإجراءات لإعادة تأهيل منظومة حماية المستهلك من جديد، من خلال إعداد كوادر تستطيع أن تصل إلى كافة المواطنين على اختلاف مستوياتهم الفكرية، وتقنعهم بثقافة حماية حقوقهم وكيفية ضمانها، بالإضافة إلى إعدادها لدوارات تثقيفية تعمل على توعية المواطنين بحقوقهم وكيفية استرجاعها إذا ما فُقدت.

 

فساد الغذاء

ويُعلق الدكتور أشرف عبد العزيز استشاري التغذية بكلية الاقتصاد المنزلي جامعة حلوان قائلاً: إنه ليس لديه أيُّ مبرر واضح لاتجاه الحكومة لعدم إحالة قانون سلامة الغذاء إلى مجلس الشعب، في ظل ازدياد معدلات فساد الأطعمة المتناولة، مشددًا على ضرورة السرعة في تشديد وإحكام الرقابة على الأغذية، وليس تأجيل مناقشة القوانين الخاصة بها.

 

ويطالب د. عبد العزيز الحكومة إذا ما اتجهت إلى تأجيل مناقشة ذلك القانون دون إبداء أسباب، وأن عليها توفير حلول بديلة للمواطنين حتى لا يغرقوا في بحر فساد الأطعمة أكثر من ذلك؛ مما سينذر بكارثة على كافة الأصعدة وازدياد حالات التسمم بين المواطنين أكثر.