في صبيحة أحد أيام الأسبوع الماضي إذا بالهاتف يدق ليخبرني الأخ العزيز أ. د. حامد عبد الماجد القويسي بنبأ رحيل الفقيه والمؤرخ الأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب في الدوحة بقطر يوم الأربعاء 6 يناير 2010م العشرين من المحرم 1431هـ.

 

استرجعتُ وترحمتُ ودعوتُ الله تعالى لأستاذي وأخي الزاهد الباحث المحقق المهموم بالتاريخ والحضارة الإسلامية عبد العظيم الديب.

 

لا أتذكر على وجه الدقة متى رأيته للمرة الأولى، ولعلها كانت في السبعينيات؛ حيث كان يتوافد على معسكراتنا الجامعية أخوة كرام ندعوهم للمحاضرة إذا عرفناهم، ويأتون سراعًا إذا علموا بخبر المعسكرات ليتأملوا في حكمة الله تعالى التي أخرجت هذا الشباب المسلم المتوقد حماسةً لنصرة الدعوة الإسلامية من رحم ذلك المجتمع الذي طاردهم طويلاً، وتعرَّضوا فيه للابتلاء والمحن حتى ظنوا أن الأرض قد أجدبت والبذر الذي بذروه طويلاً لن ينبت، وأن الوقت قد فات على مصر أن تشهد صحوةً إسلاميةً ونهضةً جديدة.

 

وكم كانت فرحتهم بنا عندما رأونا نجتهد ونخطئ ونعود إلى الصواب.

 

وكم كان سرورهم عندما نجلس بين أيديهم نتعلم منهم، ونسألهم عن خبرتهم وتجربتهم التي طالت لعقود حتى لا تتكرر الأخطاء.

 

ثم التقيته مرات عديدة في المكتبات أو معارض الكتب يبحث هنا وهناك عن كتابٍ أو آخر، ومرات أخرى مع العلامة الشيخ القرضاوي في مصر أو الدوحة، ولا أنسى عندما هاتفني ذات مرة منذ أقل من عشر سنوات يريد لقائي فأجد أن لديه- كما قال- تبرعًا بمبلغ من المال- ولعله ماله الخاص- يريد مني أن أوظفه لخدمة الفقراء كصدقةٍ جارية.

 

وتشاورنا في أفضل الطرق لذلك، واستقر الرأي على وضعه في إحدى المستشفيات أو المستوصفات الخيرية في جهاز من الأجهزة ويقدم الخدمة الطبية للمرضى والفقراء بثمن زهيد، وقد كان ولله الحمد، وما زال الجهاز يعمل بكفاءة منذ ذلك التاريخ حتى يومنا هذا في أحد المعامل بمستشفى الطالبية التابع للجمعية الإسلامية التي أرسى أساسها المغفور له بإذن الله الراحل الكريم أستاذنا الدكتور أحمد الملط.

 

كان الراحل الكريم من أبناء محافظة الغربية، وتخرَّج في دار العلوم بعد دراسته الأزهرية ثم انتقل إلى قطر ليعمل أستاذًا ورئيسًا لقسم الفقه والأصول بكلية الشريعة.

 

كان اهتمامه الأكبر الذي يحاضرنا فيه، وتدور حوله مناقشاتنا هو الوعي بالتاريخ الإسلامي والدورات الحضارية للأمم حتى تصورت أن ذلك تخصصه، ولكني فوجئت بأن جُلَّ وقته قضاه في تحقيق ونشر تراث إمام الحرمين "الجويني" حتى وُصف بـ"صاحب إمام الحرمين"، وقد أخرج له عدة كتب أهمها "نهاية المطلب في دراية المذهب" وهي موسوعة فقهية، بينما أشهرها "غياب الأمم".

 

رحم الله أستاذنا وأخانا الكبير عبد العظيم الديب، المتواضع الزاهد الصادق القابض على دينه العامل المجد في دعوة الإخوان بصمتٍ وانقطاع، لا يبحث عن المواقع ولا تشغله الدنيا عن رفد الدعوة بالمؤلفات المفيدة والمحاضرات النافعة.

 

عاش غريبًا ومات غريبًا، قابضًا على دينه، متمسكًا بدعوته، محافظًا على خُلقه الدمث وصفاته العلمية الراقية.

 

أسأل الله أن يُسكنه فسيح جناته، وأن يعوضنا عنه خيرًا، وأن يجعل من بين تلاميذه مَن يُكمل مسيرته العلمية والدعوية.

-----------

* عضو مكتب الإرشاد