د. إيهاب فؤاد

أتعجب كثيرًا من تلك البذرة التي يُلْقَى بها في ظلمة الأرض وباطنها؛ فتشق طريقها دون أن تستسلم، وعِوضًا عن تذمرها تعمد البذرة إلى التكيف حتى تشق ظلام الأرض، ثم تتحول إلى شجرة شامخة قد تناطح السماء.

 

والفرد كهذه البذرة، والأمة نتاج هؤلاء الأفراد، فبدلاً من إلقاء اللوم على الظروف التي يعيشها الفرد، وعلى الضربات الموجعة التي تكيل له ليل نهار يمكنه أن يشق ظلام الحياة، وأن يقهر نكبات الدهر، وأن يرنو إلى العلياء ساميًا إذا حوَّل الألم إلى أمل، والمحنةَ إلى منحةٍ ربانية، وإذا كيَّفَ نفسه لما فيه صلاحه، ومن ثمَّ تكن الأمم على هذا النهج وذلك الدرب.

 

إنَّ لادة أمتنا تحتاج إلى ألم ومخاض يسبقان الولادة؛ حتى تعطي البشائر على صحة المولود الجديد، إنَّ مخاض الأمة وألمها في ما يقع عليها ويحاك بها الآن وهذا لا يحبطنا؛ بل يوقظ فينا الأمل بأن موعد الولادة قد اقترب، وكلما زادت الطلقات واشتد الألم كان المولود ذكرًا تفرح به النفوس؛ لأنها تؤمل فيه الخير.

 

الأمة نفس, مبدأ روحي، وهناك شيئان هما في الحقيقة شيء واحد, يكوِّنان هذه النفس وهذا المبدأ الروحي؛ الشيء الأول قائم في الماضي, والثاني في الحاضر, الشيء الأول هو الامتلاك المشترك لإرث غني من الماضي، الشيء الثاني هو التوافق الحالي, الرغبة في العيش والإرادة القاضية بمواصلة الجهد لإعلاء شأن ما وصل إلينا متكاملاً، فالإنسان لا يرتجل نفسه ارتجالاً.

 

والأمة مثلها مثل الفرد, إنما هي مزيج ماض طويل حافل بالجهود والتضحيات ونذر الأنفس، والتقدم إنما يأتي من الماضي الممزوج بإرادة مشتركة في الحاضر ورؤية ثاقبة للمستقبل؛ حتى نستطيع سويًا أن نصنع مآثرنا الكبيرة بعزيمة الرجال؛ تلك هي الشروط الأساسية لحياة الأمم فالناس يحيون تبعًا لنسبة التضحيات التي بذلوها, ولنسبة الآلام التي عانوا منها.

 

وكلما كانت التضحيات غالية كلما كانت جديرة بأمل غال وكبير، وعلى قدر الأمل والطموح تكون التضحيات، إننا بطبيعتنا البشرية نحب ما نبنيه بأيدينا ونورثه لمن يحملون الراية بعدنا، إن النشيد الإسبارطي القائل: "نحن ما كنتم, وسنصبح ما أنتم عليه", لهو في بساطته النشيد المختصر لكل وطن.

 

أن يكون لنا في الماضي إرث من المجد وقد تصحبه الحسرات والآلام نتقاسمه, وفي المستقبل برنامج بعينه نعمل على تحقيقه، أن نكون قد عانينا وابتهجنا, فالمعاناة المشتركة تضيء أكثر من الفرح؛ فحالات الحداد في أمتنا العظيمة أكثر من حالات الفرح، لكن حالات الحداد تُملي علينا واجبات وتحملنا تبعات، القاسم المشترك فيها دين عظيم، سعادة في الدنيا، ونعيم سرمدي في الآخرة.

 

حالات الألم توجب أن يتكاتف فيها الجميع حتى يتعافى المبتَلَى وحتى تضمد الجراح؛ فالأمة جريحة، والمخلصون من أبناء الأمة في محن متتابعة، وابتلاءات متعاقبة، لكنني أحسبها ابتلاءات التمحيص ورفع الدرجات.

 

الشدائد توحد الصف، وتزيد التقارب، وتقرب العبد من ربه، فليكن الأمل دربنا، وليكن الإصلاح شريعة ومنهاجًا؛ فالأمة لا تولد بلا مخاض، من أين لنا بأمة تولد ولا تعاني أو تقاسي؟.

 

إن المعاناة سر من أسرار بقاء الجنس الإنساني؛ لأنه لا يمكن أن يحافظ على ما وصل إليه إن جاءه دون كد وتعب، رزقني الله وإياكم الخير، وجعلنا من جنده المخلصين العاملين.