في مفهوم الإمام البنا, وهو يدعو بهذا الدعاء, أنه أحد أركان البيعة العشرة: "الأخوة".. التي فسَّرها بقوله: "أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأعلاها، والأخوة أخت الإيمان والتفرق أخو الكفر، وأقل القوة قوة الوحدة ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب سلامة الصدر وأعلاه مرتبة الإيثار.. ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التغابن: من الآية 16)

 

والأخ الصادق يرى إخوانه أولى به من نفسه؛ لأنه إن لم يكن بهم فلن يكون بغيرهم، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾، وهكذا يجب أن نكون...".

 

وكان يقول:

دعوتنا تقوم على أركان ثلاثة:

1- الفهم الدقيق.

2- الإيمان العميق.

3- الحب الوثيق.

وهذا ما جاء به الإسلام، وعاش فيه الأوائل، وجاء في الأثر: "المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه"، عاشها أبو أيوب السختياني رضي الله عنه فكان يقول: "إذا بلغني موت أخ لي فكأنما سقط عضو مني".

 

أخاك أخاك إن مَن لا أخ له                 كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاح

وذلك لأن للأخوة لغة خاصة بها، لا يعرفها إلا مَن عاشها وتذوَّق حلاوتها, وقد قيل في ذلك: إنه لا يضيق سمّ الخياط على متحابيْن ولا تسع الدنيا متباغضيْن".

 

 الصورة غير متاحة

 جمال ماضي

ومما حفظناه: "امشِ ميلاً وعد مريضًا، وامشِ ميلين وأصلح بين اثنين، وامش ثلاثة وزر أخًا في الله.."، فما أروع جوها وما أجمل نسيمها، وما أجلُّها من انصهار عضوين في كيانٍ واحد، وامتزاج نفسين في نموذج واحد، والتقاء روحين في شخصية واحدة، وهل تكوَّنت اللبنات الأولى للمجتمع المسلم في المدينة إلا بها؟ هل تكوَّن القلب الواحد والشعور الواحد والأمل الواحد والألم الواحد إلا بها؟

 

عن أنس قال: "آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء، وآخى بين عوف بن مالك وبين الصعب بن جثامة".

 

لقد كانت الأخوة هي الترنيمة التي تهنأ بها النفوس, والواحة التي في ظلها ترتاح القلوب بعد عناء.. وهذا ما دفع بمحمد بن واسع إلى قوله: "لم يبق من العيش إلا ثلاث: الصلاة في جماعة، وكفاف من معاش، وأخ محسن العشرة".

 

وأصبح المسلم بأخيه كالكف بالمعصم:

لا خيرَ في الكف مقطوعة                 ولا خيرَ في الساعد الأجذم

ورُبَّ أخ إخاء خير من أخ ولادة؛ ولذلك وضع الصالحون شروطًا للمؤاخاة، خاطبوا العقلاء وذوي الألباب, ليحولوها إلى ممارسة وتطبيق.

 

فكان من نصائحهم: "أن تؤاخي مَن خالفك على الهوى وأعانك على الرأي، وأن تؤاخي من وافق سره علانيته؛ لأن خير الثناء ما كان على أفواه الأخيار".

 

ولقد أحسن العباس بن عبيد في قوله:

كم من أخٍ لم يلده أبوكا             وأخ أبوه أبوك قد يجفوكا

يقول الشهيد سيد قطب في الظلال عن هذه الرابطة: "إنها المعجزة التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى، معجزة تحول القلوب المتنافرة إلى كتلة متواصلة متآخية, ذلول بعضها لبعض، محب بعضها لبعض متآلف بعضهم مع بعض: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47)﴾ (الحجر).

 

وهذه المعجزة تصنعها العقيدة، إنها حين تخالط القلوب تستميل إلى مزاجٍ من الحب والألفة ومودات القلوب, التي تلين جاسيها وترفق حواشيها وتندى جفافها وتربط بينهما برباط وثيق عميق رقيق, فإذا نظرة العين ولمسة اليد ونطق الجارحة وخفقة القلب ترانيم من التعارف والتعاطف والولاء والتناصر والسماحة والهوادة لا يعرف سرها إلا من ألف بين هذه القلوب ولا تعرف مذاقها إلا هذه القلوب".

------------

* gamalmady@yahoo.com