د. محمد جودة إبراهيم

 

يروِّج الغرب وأذنابهم في أمتنا أن الدولة العثمانية سبب تخلُّف العرب بصفة عامة ومصر بصفة خاصة، وبالمقابل ظهرت النعرة الطورانية على يد المثقفين الأتراك، الذين درسوا في أوروبا، وتمَّ الإيحاء لهم أنَّ العرب هم سببُ تخلُّف الأتراك، ولا بد من ترك الإسلام وأهله حتى يتمَّ التطور المنشود.

 

وكانت أبرز تلك الاتجاهات جمعية "الاتحاد والترقي" التي ارتبطت بالماسونية، وقد ساعدت الإرساليات والجمعيات "التبشيرية" التي انتشرت في عهد الاستعمار على دفع هذا الاتجاه بكل قوة، واتهمت الدولة العثمانية بأنها سبب عدم النهضة في مصر، ولولا محمد علي الكبير ما كانت مصر الحديثة، بالرغم من أن محمد علي كان خاضعًا للدولة العثمانية والسلطان العثماني، وكانت مصر جزءًا من الخلافة العثمانية.

 

ولم ينظر مثقفو العرب إلى أن الدولة العثمانية ذات المذهب الحنفي هي التي حافظت على التراث الإسلامي والهوية العربية، وحفظت الدولة الإسلامية والعربية فترةً لا تقل عن 600 عام بعد سقوط الدولة العباسية، ووقفت أمام أطماع أوروبا ونظرتها التوسعية في المشرق العربي، وكانت عاصمتها الأستانة أو إسلامبول هي المركز الثقافي للعالم الإسلامي، وكانت نظرة سلاطين الدولة العثمانية لرعاياها هي نظرة المواطن الحر والرعية المتساوية في الحقوق؛ فوصل كل مواطن في دولتهم إلى أعلى المراتب في الدولة، وتعلمت أوروبا على يدي الدولة العثمانية سيادة القانون على الأحساب والأنساب والطوائف، وترتب على ذلك تطورها في الدولة في اتجاه الحرية والديمقراطية المستمدة من تعاليم الإسلام، وشمل الناس في ظلال الدولة الأمن والرخاء والسلام الروحي والتسامح الديني والخضوع لسلطان القانون.

 

إن الادعاء بأن الدولة العثمانية قوة احتلال تشابه الاحتلال الأوروبي للعالم الإسلامي، وأدت إلى إعاقة التطور الطبيعي للدولة الإسلامية؛ هو تصور جائر يسير وراء الغرب الذي لم يتقبل أبدًا للآن وجود دولة إسلامية قوية على أراضٍ أوروبية، ولم ينس الغرب أيضًا أن الدولة العثمانية قضت على آماله الخارجية التبشيرية والاستعمارية؛ حيث لم يتمكن الأوروبيون من فرض هيمنتهم على البلاد العربية والإسلامية إلا بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية وإلغاء الخلافة الإسلامية على يد عميل الغرب مصطفى كمال أتاتورك.

 

إن استقراء التاريخ يؤكد أن الدولة العثمانية كانت تاريخًا مشرقًا ليس فقط للدولة الإسلامية ولكن للتاريخ العالمي كله، فقد لعبت الدولة العثمانية على امتداد تاريخها الطويل دورًا سياسيًّا حيويًّا مؤثرًا في الأنظمة الأوروبية، وكانت مصدر إشعاع ثقافيًّا وعلميًّا واقتصاديًّا لأوروبا، ساهم في نهضة كثير من دولها مثل فرنسا في القرن السادس عشر الميلادي، وقد اعترف بذلك كثير من المفكرين الغربيين منهم "جوزيف شاخت" بأن نهضة أوروبا قامت أعمدته على الاقتباس من مبادئ وعلوم دولة الخلافة الإسلامية.

 

إن الغرب لا يرجو لنا الخير أبدًا ونتحدى أن يأتي أحد بواقعة واحدة يثبت أن الغرب يرجو لنا الخير، ولنسأل أنفسنا كيف ضاعت فلسطين؟ كيف ضاعت سبته ومليلة؟

 

كيف وجدت بين كل بلدين عربيين مشكلة حدودية أو عرقية؟

لماذا لا يستطيع العربي التنقل من دولة لأخرى؟

ولنسأل أنفسنا ماذا فعلنا بعد سقوط الدولة العثمانية؟

هل هناك نهضة في الدول العربية الآن بعد حوالي قرن من ذلك؟

أين التكامل العربي العلمي والاقتصادي والسياسي؟

أين العرب الآن في مصاف الأمم؟

وما رأي مثقفينا العرب؟