- د. طارق فهمي: مفهوم النظام المصري للأمن القومي أعوج
- ل. محمد بلال: بناء الجدار لن يؤثر في المقاومة في القطاع
- د. أحمد الحفني: مصر تخلَّت عن دورها الوطني والقومي
- ل. عبد الفتاح بدوي: تعمير سيناء أهم ألف مرة من الجدار
تحقيق- إيمان إسماعيل وشيماء جلال:
تبريرات عديدة ساقها المسئولون المصريون للدفاع عن شرعية بناء الجدار الفولاذي العازل مع قطاع غزة، اُستخدم فيها الدين والإعلام للتأكيد على حق مصر في حماية حدودها، متناسين أن أكثر من مليون ونصف المليون مسلم عربي يعيشون داخل القطاع في حالة صعبة للغاية وسط حصار جائر منذ أكثر من ثلاث سنوات، أطفالهم يرتعدون من برد الشتاء القارس، وينامون بلا عشاء، ويبيتون في العراء، ويمرضون ولا يجدون الدواء.
ودار جدل كبير بين السياسيين والمهتمين بالشأن العربي والإنساني، متهمين النظام المصري بالخنوع والضعف أمام الضغوط الصهيونية والأمريكية لبناء الجدار تنفيذًا لاتفاقية أمنية موقعة بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة لمراقبة الحدود بين غزة ومصر، ومع تزايد الانتقادات للنظام تزداد اتهامات التخوين للمعترضين والمنتقدين.
ومع استمرار النظام المصري في بناء ذلك الجدار الفولاذي تزايدت التساؤلات عن مفهوم الأمن القومي لمصر وما هي محدداته؟ وما هي حدود هذا الأمن؟، وهل مصر تنفذ هذا الجدار بحجة حماية هذا الأمن؟ أم أنها تقع تحت ضغوط اضطرتها لبناء ذلك الجدار؟، (إخوان أون لاين) طرح هذه التساؤلات وغيرها على الخبراء والعسكريين.
مفهوم أعوج
بداية يؤكد الدكتور طارق فهمي مسئول الملف الفلسطيني بالمركز القومي لدراسات الشرق الأوسط أن مفهوم النظام المصري للأمن القومي يحمل العديد من المشكلات، خاصة أن مفهوم السيادة نسبي ويختلف من نظام لآخر ومن ظروف سياسية لأخرى، مشيرًا إلى أن المفهوم الخاص لدى النظام المصري متحيز و"أعوج"، حيث يغفل النظام نفسه العديد من الخروقات الصهيونية الحقيقية بإطلاقها الأقمار الصناعية أفق1، أفق2، أفق3، للتجسس على مواقع حساسة في بلاد عربية عديدة.
ويضيف د. فهمي أنه لا يمكن اتخاذ إجراء رادع بذلك الشكل الفج مع حدود دولة أخرى، بما فيها حدود أمريكا مع المكسيك التي تتعرض لعمليات تهريب يومي، ملمحًا إلى أنه إلى الآن المؤشرات تقول إن ذلك الجدار لن يقوم بردع الفلسطينيين مطلقًا، وإنه لا توجد مبشرات لنجاحه، ضاربًا المثال على ذلك بالجدار العازل بين الضفة المحتلة وأراضي 48 المحتلة، المزمع الانتهاء من تشييده في نوفمبر 2012م، فهو بحسب المزاعم الصهيونية منظومة إلكترونية صعبة الاختراق وذات تقنية عالية المستوى، ورغم ذلك استطاعت المقاومة اختراقه عدة مرات وقامت بتفجير أجزاء منه.
ولفت د. فهمي النظر إلى جانب آخر، موضحًا أن قضية الجدار ليست بمعزل عن الحراك الذي تعيشه القضية الفلسطينية في الوقت الحالي، فالجدار وإن كان الغرض منه تضييق الخناق على حماس في الأساس، إلا أن الأيام الأخيرة شهدت تحركاتٍ تقضي على هذه النظرية، كان أبرزها موافقة نتنياهو على استئناف المفاوضات بعد فشل خطته في خنق حماس في غزة وتصفية قادتها وتجريف أراضيها، مع ليونة موقف حماس في قضية المصالحة، وهو ما ظهر بشكل واضح خلال زيارة خالد مشعل للرياض والتقائه بوزير الخارجية السعودي، وقيام الأخير بزيارة مصر.. كل هذه الأمور ستفرغ الجدار من مضمونه؛ لأن مصر في النهاية سوف تستجيب لمطالب حماس الخمسة، والتي تتعلق بعضها بالانتخابات والمعابر الخمسة وغيرها مما سيقوِّي من عضد حماس ولن يسقطها أبدًا.
خسارة
اللواء طلعت مسلم
من جانبه استبعد اللواء طلعت مسلم الخبير الإستراتيجي تحقيق ذلك الجدار العازل بين مصر وغزة أيَّ شكل من أشكال الأمن القومي لمصر أو الحفاظ على سيادتها؛ لأن الأمن القومي هو حماية لمصالح الدولة العليا وحماية رموزها وشعبها، وعندها ستكون الأرض في حماية القانون، مؤكدًا أن مصر بذلك الجدار ستخسر مزيدًا من رصيدها الشعبي والدولي.

ويؤكد أن ذلك الجدار سيدعم الكيان الصهيوني ويصبُّ في مصلحته؛ بحيث يكون قد تم إغلاق جميع طرق الإمداد في وجه الأشقاء الفلسطينيين، في ظل الإغلاق المتواصل لمعبر رفح؛ الأمر الذي سيؤدي إلى استمرار الضغط على الشعب الفلسطيني المحاصر، ويفتح المزيد من المنافذ وخطوط السيطرة للكيان الصهيوني في المنطقة، منتقدًا الأداء الرسمي المصري؛ بحيث أصبحت فكرة تكريس السلطة والتوريث الفكرتين الأساسيتين التي تسيطر على فكر النظام دون مراعاة لأي بعد إنساني أو سياسي أو قومي عربي، وهو الأمر الذي يؤكده استمرار النظام في تصدير الغاز إلى الكيان الصهيوني؛ إفراطًا في حقها وإمعانًا في ظلم الأخ المصري لشقيقه الفلسطيني.
ويقول اللواء مسلم إن كانت مصر تدَّعي بذلك الجدار حماية نفسها من التهديدات وتهريب المخدرات والمفرقعات من خلال الأنفاق؛ فلماذا لا تقيم ذلك السياج الحدودي على طول الحدود كلها مع الكيان وليس الحدود مع غزة فقط؟ خاصةً أن أكثر حوادث التهريب أو تسلل الأفارقة يكون في الجزء الجنوبي البعيد عن الحدود مع القطاع!.
غير منضبط
ويتفق معه د. أحمد شوقي الحفني أستاذ الإستراتيجية والأمن القومي السابق بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، مؤكدًا أنه يعارض تمامًا بناء ذلك الجدار، وأنه يأتي متوافقًا مع سياسات الحكومة التي تتعامل من منطلق عدم الشفافية والرشاوى والعمل وفقًا لمصالح الكبار فقط، مشيرًا إلى أن المحاولات للترويج لقانونية الجدار تبقى سليمةً على أن يُسمح لكل دولة بأن تقيم حاجزًا حدوديًّا لتحقيق مصالحها، ولكن السؤال هو: هل من الصحيح أنه سيحقق مصلحة وطنية قومية عليا لمصر؟.. أعتقد لا، بل إنه تحول إلى نتيجة عكسية.
ويرى د. الحفني أن مصر تخلَّت عن مهمتها الوطنية وعن نظرية قومية تبيح استخدام دول أرض دولها الشقيقة المجاورة لتخزين سلاحها؛ بحيث إن العدو واحد، وهو ما استخدمته المقاومة الجزائرية من قبل؛ حيث استخدمت أراضي الدول المغربية والليبية لتخزين سلاحها، وهو ما لم تطلبه المقاومة الفلسطينية ولم تقُم بعرضه على الحكومة المصرية، التي تصدِّر الغاز للكيان وتُحكم إغلاق المعابر على القطاع في مشهد مخزٍ.
ويشير د. الحفني إلى أن هناك اختلافًا كبيرًا بين مفهوم الأمن القومي وتعريف الأمن القومي، ملمحًا إلى أن التعريف لا يختلف عليه أحد من حيث تحقيق أمن واستقرار البلاد لكل فرد فيها، أما المفهوم فكل يترجمه وفق سياساته ومصالحه، وهو ما حدث في إشكالية الجدار مع قطاع غزة؛ حيث سخَّر النظام الدين والإعلام للترويج لهذا المفهوم غير المنضبط.
إملاءات خارجية
محمد علي بلال
ويصف اللواء محمد علي بلال الخبير الإستراتيجي وقائد القوات المصرية في حرب الخليج قيام مصر ببناء جدار عازل بأنه إجراءٌ نابعٌ من إملاءات واتفاقيات دولية، معتبرًا الجدار من مظاهر كسب الرضا الغربي وخاصة الأمريكي لغض الطرف عن سياسات ومواقف للنظام المصري في الداخل، مضيفًا أن النظام المصري لا يفكر في حسابات البلد الشقيق، وإنما يحاول فقط بناء صداقة مع أمريكا والعالم الغربي حتى لا تدخل في مربع الدول المغضوب عليها.

وفيما يخص مفهوم الأمن القومي وهل ما يقوم به شعب غزة يمثل انتهاكًا لهذا الأمن الدول أوضح اللواء بلال أن ما يحدث ليس له أي علاقة بالأمن القومي المصري، مشيرًا إلى أن النظام الحاكم يستخدم هذا المصطلح في محاولة دبلوماسية منه لتجميل صورته أمام الرأي العام الداخلي والمحلي.
ويستبعد اللواء بلال تأثير ذلك الجدار في أعمال المقاومة، مؤكدًا أن الحديث الذي تردد عن عمق ذلك الجدار بأنه بين الـ18 والـ30 مترًا لن يؤثر، خاصةً أن أنفاق المقاومة الإستراتيجية على عمق أكثر من ذلك بكثير، والدليل على ذلك فشل القصف الصهيوني المتواصل للشريط الحدودي بالقنابل الارتجاجية أثناء العدوان في هدم تلك الأنفاق، مشيرًا إلى أن الهاجس الصهيوني ومعه آلة الضغط الأمريكية والخوف من تنامي قوة المقاومة هو الذي دفعهما ودولاً غربية إلى الضغط على مصر لبناء ذلك الجدار.
سيادة منقوصة
ويتفق معه في الرأي اللواء أركان حرب عبد الفتاح بدوي الخبير الإستراتيجي الذي أكد أن ما أورده المسئولون المصريون عن مفاهيم السيادة والأمني القومي حقٌّ مصريٌّ خالصٌ، ولكنه تساءل: كيف يتحقق الأمن القومي ببناء جدار على 13 كيلو مترًا فقط من طول حدود تبلغ أكثر من 200 كيلو متر؟ مفسرًا ذلك القرار لوجود عامل ضغط شديد على النظام المصري من الكيان الصهيوني وأمريكا، وإجبار مصر على تقديم المزيد من التنازلات، وأن يكون ذلك مقدمة لزيادة القوات المتعددة الجنسيات في سيناء.
ويقول إن كانت مصر محقةً في إرادتها فعليها أن تكون على علم تامٍّ بما يدخل إلى بلدها وما يخرج منها، فهذا حقها القانوني، ولكن لا بد مع ذلك تأمين استمرار فتح المعابر، وتسهيل إدخال المعونات الإغاثية الطبية والغذائية، مشيرًا إلى أنه من الأَولى للنظام المصري أن يتم التوجه إلى تعمير سيناء وزراعتها وإنفاق تلك الأموال عليها بدلاً من بناء جدار عازل يزيد من وطأة الحصار على قطاع غزة.