- "الرصاص المصهور" غيرت خريطة المنطقة
- المقاومة أعادت بناء نفسها بإستراتيجية عالية
- احتياطات الصهاينة تدل على الرعب والحذر
- امتلاك القوة ورقة ضغط في أية مفاوضات
- حماس أدارت المعركة سياسيًّا وعسكريًّا باقتدار
- استفزاز الاحتلال للمقاومة لن يؤتي ثماره
- الحرب خلال الفترة المقبلة مستبعدة تمامًا
- الجدار الفولاذي لن ينجح في كسر شوكة المقاومة
حوار- خالد عفيفي ومحمد يوسف:
"لن نخجل من قيمنا ولن نتنازل عن أسلوبنا في القتال، ولا عن طريقتنا في الحياة، وسنقاوم حتى آخر نفس نبغي الحرية لنا ولأبنائنا ولن نتنازل عنها"، بهذه الكلمات بدأ العميد أركان حرب صفوت الزيات الخبير العسكري والإستراتيجي حديثه لـ(إخوان أون لاين) بلسان حال المقاومة الفلسطينية الباسلة في أرض العزة غزة الإباء والشموخ.
وفي حوارنا معه بعد مرور عام كامل على العدوان الصهيوني الشرس على غزة، ما زلنا إلى الآن نتذكر كلماته ومقابلاته أثناء العدوان وبعده، باعثًا الأمل في نفوس العرب والمسلمين، واثقًا في إمكانيات المقاومة وقدرتها على دحر العدوان وتحقيق الانتصار.
وكان لـ(إخوان أون لاين) بعد أيام من انتهاء العدوان حوار مع العميد الزيات احتفالاً بالانتصار، والذي أكد خلاله أن الصراع بين جيش الاحتلال والمقاومة الفلسطينية ليس صراعًا عسكريًّا أو سياسيًّا بمعناه المفهوم للجميع، وكانت كلمته الباقية أنه "صراع إرادات".
بعد عام على العدوان التقينا مرة أخرى بالعميد أركان حرب صفوت الزيات للوقوف على الوضع في قطاع غزة، ومدى تأثير العدوان على حركات المقاومة وخاصة حركة المقاومة الإسلامية حماس، ومدى استعداها لأي عدوان آخر، وما هي الترتيبات الصهيونية التي اتخذتها لوقف النتائج السلبية التي لحقت بها من جرَّاء العدوان، وما هي الحقائق حول ما يُسمَّى ببرنامج القبة الحديدية لصد صواريخ المقاومة، وأيضًا حول الجدار الفولاذي الذي تقيمه مصر مع قطاع غزة، وعن تأثيره على الأنفاق الخاصة بالغذاء والسلاح.. وإلى نص الحوار.
* سيادة العميد بعد عام من العدوان كيف ترى الوضع الميداني؟
** أولاً: أحب أن أوجه الشكر إلى رجال المقاومة الذين أثبتوا للعالم صدق قضيتهم والمبدأ الذي ضحوا من أجله، وقدرتهم على تغيير موازين القوى في الشرق الأوسط والعالم أجمع.
ثانيًا: وحول رؤيتي للوضع ميدانيًّا أتذكر هنا قول لأحد القادة العسكريين الأمريكيين خلال الحرب العالمية الثانية عند الساحل الغربي: "إنهم أمامنا إنهم خلفنا، إنهم عن يميننا، إنهم عن يسارنا، إننا نحاصرهم من كل اتجاه"، فرغم أنه محاصر من كل اتجاه رأى أنه هو الذي يحاصرهم وتلك عقلية عسكرية عجيبة استطاعت حركات المقاومة الفلسطينية أن تطبقها ببراعة، وخاصةً حماس في الفترة الأخيرة من تاريخها النضالي.
تأييد دولي
* وما علاقة ذلك بالناحية العسكرية؟
** الحرب ليست بالسلاح فقط وإنما بطرق مختلفة، وأشير هنا إلى قرار القضاء البريطاني منذ نحو شهر بصدور قرار بتوقيف وزيرة الخارجية الصهيونية السابقة تسيبي ليفني لمسئوليتها عن قتل أكثر من 1000 فلسطيني إبَّان العدوان بداية يناير الماضي، وكلُّنا تابعنا مشهد هروبها قبل تنفيذ القرار؛ وهو الأمر الذي كان له معنى كبير لدى الساسة والخبراء الإستراتيجيين، مؤكدين أن القضية الفلسطينية بدأت تحظى بتأييد دولي والكيان الصهيوني سيعاني وحدة وعزلة أكثر في حال تَجَرُّئه على تكرار العدوان.
أكذوبة الهولوكوست
* بعد مرور عام على عملية الرصاص المصبوب "المصهور" ضد أهالي قطاع غزة المحاصرين كيف ترى تأثير تلك العملية؟
** بلا شك أن "الرصاص المصهور" غيرت مجريات الأمور في الشرق الأوسط بعمق بل والعالم أجمع، فالحرب ونتائجها لم تكن بسيطة، وغيرت مصير الصراع العربي- الصهيوني، وخاصةً مع صدور تقرير جولدستون، فلأول مرة يُوَاجَه الكيان الصهيوني بجرائم حرب مسجلة بالصوت والصورة بحق مدنيين بشكل لا يصلح معه التكذيب أو النفي، وأصبحت فكرة اليهودي المسكين المحاصر التي شكلتها أكذوبة الهولوكوست غير صالحة الآن.
وفي أول فرصة سيحاول منددو الحروب والضحايا مطاردة قادة الكيان قضائيًّا، سيتم تنفيذ ذلك؛ حتى وإن كان هناك محاولات لتعديل الشكل القانوني في عددٍ من الدول الأوروبية لتلافي الاعتقالات المتوقعة، وهو الأمر الذي يبقى في وجدان العالم.
إعلام مقاتل
* وكيف رأيت دور الإعلام العربي في فترة العدوان وبعدها؟
** كان له دور كبير، فكما كان هناك فضل للذين قاوموا وضحوا بأنفسهم فهناك فضل للإعلام الذي نقل تفاصيل المجزرة البشعة صوتًا وصورةً، فوثائق ريتشارد جولدستون المصورة من الإعلام المستقل هي التي ساعدت على خروج تقريره بتلك الصورة المنصفة.
أهداف واهية
* هل من الممكن أن تُقَيِّم الوضع الحالي على الجانبين الاحتلال والمقاومة؟
** التقييم يكون بحسب تحقيق الأهداف المعلنة، فأولاً: الكيان الصهيوني جاءت أهدافه متدرجة مع كل فترة من فترات العدوان، أهمها خلق واقع أمني جديد لحماية المغتصبات الواقعة شرق وشمال شرقي القطاع الواقعة في مرمى صواريخ المقاومة، وثانيًا: الحد من إطلاق الصواريخ، ووقف إدخال السلاح للقطاع، وثالثًا: تقويض سلطة حماس وتقليص نفوذها وتدمير آلتها العسكرية والتعويل على انقلاب الجماهير عليها، وأخيرًا بدأ الحديث عن الإفراج عن الجندي الأسير جلعاد شاليط.
فشل ذريع

* وهل نجح الكيان الصهيوني في تحقيق أي من تلك الأهداف؟
** هناك تقرير صادر عن مركز أبحاث أمريكي يدعي أن الكيان بدأ يستعيد مصداقية الردع الصهيوني وخاصةً بعد انسحابه من القطاع في 2005م، وفشله في تحقيق نصر في حرب يونيو على لبنان، قائلاً: إن حجم إطلاق الصواريخ خلال عام 2007م كان 1750 صاروخًا، وتناقص في النصف الثاني من عام 2008م إلى 300 صاروخ، وصولاً في نوفمبر من العام نفسه إلى 40، وفي عام 2009م وعقب العدوان لم يطلق إلا 6 صواريخ فقط، معتبرين ذلك إنجازًا عسكريًّا.
تطور إستراتيجي
* معنى ذلك أن الاحتلال أحرز تقدمًا في أهدافه؟
** لا ليس هذا مقصدي بالطبع بدليل أن تقارير صهيونية عديدة كذَّبت التقرير السابق ذكره، وتحدثت أن حماس استطاعت خلال العام 2009م وعقب العدوان إعادةَ ترتيب البنية التحتية وبنائها، وخاصةً ترسانة الصواريخ المحلية الصنع وجراد وكاتيوشا، وصواريخ تم تجميعها مداها يصل إلى 80 كيلو مترًا تستطيع الوصول إلى تل أبيب، وهناك حديث أن حماس استطاعت بناء وتحديث شبكة من الأنفاق تحت القطاع، وخاصةً في مناطق الشمال بدير البلح وخان يونس تصل إلى المناطق المفتوحة لجر جنود الاحتلال لأسرهم والإيقاع بهم، وكذلك بناء المقاومة مجموعة من الأنفاق تستطيع من خلالها أن تصل إلى داخل المغتصبات؛ مما يمثل خطرًا جديدًا غير متوقع، وتشير التقارير نفسها إلى أن حماس استطاعت إقامة تحصينات تحت الأرض مجهزة بأعداد كبيرة من الصواريخ الكاتيوشا بعضها قادر على إطلاق 20 صاروخًا في وقت واحد، وبحسب تقارير القادة العسكريين الصهاينة أنفسهم، فإن المقاومة أجادت إدارة شبكة البنية المدنية لصالح مؤسساتها وعملياتها، ليس ذلك فقط بل إنهم يتحدثون عن امتلاك المقاومة صواريخ مضادة للدبابات لم تكن بحوزتهم في العدوان الأخير مثل "ET4" والحديث عن امتلاكها لصواريخ مضادة للسفن استخدمت بعضها في العدوان الأخير.
إعادة البناء
* وما دلالة تلك التقارير؟
** الدلالة أن حماس استخدمت التهدئة سياسيًّا وعسكريًّا لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، واستعادة قوة ردِّعها العسكرية وإعادة بناء بنيتها العسكرية، وبدأت تجيد فكرة الصمت المريب، وإجادة فكرة الصراع العسكري المتواكب مع السياسي، وهو ما طبقه حزب الله الذي لم يكتف بالخطب واستجداء الدموع بل يبني ويعمل في صمت، والدليل على ذلك أن حماس لا تزال تقاوم وحاضرة أيضًا في المشهد السياسي وموجودة على الأرض عسكريًّا، واستطاعت إعادة بناء جزء كبير من قدرتها العسكرية وبقي الكيان الصهيوني غير قادر على تصور إمكاناتها.
أوراق الضغط
* وما تأثير ذلك على سير القضية الفلسطينية؟
** الكيان الصهيوني يريد اعترافًا بوجوده ويريد أمنًا لمواطنيه، ففي حال وجود مفاوضات وهي آتية لا محالة فما الذي يمكن أن يمتلكه المواطن العربي والفلسطيني من ورق للتفاوض والضغط وما هي أيضًا نوعية التنازلات في المقابل.
مرونة سياسية
* إذن كيف ترى أداء حماس على المستوى السياسي؟
** حماس تطورت سياسيًّا بشكل كبير فهي أصبحت غير متعنتة، وتمارس عملاً سياسيًّا برجماتيًّا بشكل جيد جدًّا، وهو ما دفع خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس أن يقول: إنه يريد دولة فلسطينية على حدود 67 مؤقتًا مع رفضه الاعتراف بالكيان الصهيوني، مدخرًا ورقة الاعتراف والقدس واللاجئين، وكذلك إصرارها على الإفراج عن 20 أسيرة معظمهم من خارج الحركة لبدء المفاوضات حول شاليط، وكذلك ضرب الصواريخ الذي أصبح بحساب بعيدًا عن محاولات بعض التنظيمات الأخرى إحراج الحركة، وهنا نجد أن حماس أصبحت بالفعل حركة برجماتية وليست رومانسية تفجر هنا وتضرب هنا فكل شيء أصبح محسوبًا، وأنا قابلت خالد مشعل مؤخرًا، وقلت له: إن وقوفي معكم ليس لأنني حمساويًّا، ولكني كنت معكم لأن قضيتكم قضية عدل وحرية وقومية وسنظل ندافع عنكم ونقدم النصائح طالما كان الحق معكم.
مكاسب كبرى
* بالعودة إلى أهداف الاحتلال أثناء وبعد العدوان فما الذي تحقق منها؟
** باءت كل محاولات تقليص قدرة ودور حماس بالفشل، فلا تزال حماس في غزة رقمًا صعبًا، ورأينا زيارات واتصالات الرئيس الأمريكي السابق كارتر، وقرار بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية فتح اتصالات معهم، ليس ذلك فحسب بل نجد حماس تحكم القطاع بمهارة عالية، وأنهم موجودون في المصالحة ويكسبون كل يوم أرضًا جديدة، وأخيرًا صفقة جلعاد شاليط وسننتظر أيامًا وسنحتفل بخروج العشرات بل المئات من الأسرى من بينهم قادة في فصائل أخرى.
أول حرب

* على جانب المقاومة هل استفاد مقاتلو حماس والتنظيمات الأخرى من المواجهات التي تمت على الأرض مع قوات الاحتلال، خاصة أن تلك أول حرب شبه نظامية بين الطرفين؟
** قبل معركة غزة لم يكن عند حماس خبرة كبيرة بالتأكيد، وكانت تلك أول حرب رسمية بين الكيان الصهيوني وفلسطين، وحماس استطاعت أن تدخل الحرب، وخرجت منها بجيش له إيجابياته وسلبياته، ومعي تقرير صادر في أكتوبر الماضي عن مركز واشنطن لدرسات الشرق الأدنى، وهو إحدى مؤسسات اللوبي الصهيوني، يقول: إن حماس كان لديها 10 نقاط فشل و5 نجاحات، وهو بالتأكيد تحيز ضد حماس، وفي نظري فإن النقاط الخمس التي اعتبرها التقرير نجاحًا هي قدرتهم على الاستمرار في إطلاق الصواريخ، وأنهم أدخلوا أهدافًا جديدةً لأن مدى الصواريخ أصبح أكبر، وأنهم استطاعوا الدفاع عن مدينة غزة ولم تستطع قوة صهيونية اقتحام المناطق السكنية المأهولة، وأنهم تكيفوا مع المواقف الميدانية الصعبة، وقدرتهم على البقاء كمنظمة وقادتها الكبار موجودين محتفظين بمواقعهم وثباتهم.
أنظمة جديدة
* وما الذي تحتاجه المقاومة لتكون قادرة على التعاطي مع الآلة العسكرية الصهيونية الضخمة؟
** أتمنى أن يكون لديهم نوع من المتفجرات لتدمير الدبابات (1n1)، ونظام دفاع جوي ليس بالضرورة أن يكون قادرًا على ضرب المقاتلات ولكن من الممكن أن يكون قادرًا على استهداف الأباتشي والهليوكبتر، وأن يمتلكوا نظامًا صاروخيًّا جديدًا، وأن تبقى المقاومة صامتة وتعمل في هدوء دون انجرار وراء أي استهدافات.
القبة الحديدية
* على الجانب الآخر كيف ترى التدابير الصهيونية في مواجهة حماس؟
** يتم الحديث الآن في وسائل الإعلام العبرية في أنهم سيعملون بنظام القبة الحديدية للتصدي لصواريخ المقاومة الفلسطينية.
* وهل تنجح هذه القبة الحديدية في وقف الصواريخ؟
** حتى الآن المتاح أن هناك نظامين يتم العمل في تطويرهما على قدم وساق منذ عام 2005م وهو نظام القبة الحديدية؛ حيث سيتم نشر بطاريات صواريخ ترصد بالرادار الصواريخ قصيرة المدى؛ حتى ربما إلى مسافة حوالي 40 كم وربما مسافة 70 كم، ومن المقرر حسب المعلومات المتوفرة أنه سيتم نشر بطاريتين في العام الحالي في سيديروت وعسقلان، ومحاولة استفزاز المقاومة لإطلاق صواريخ واستغلال أي نجاح للترويج لذلك النظام، وهناك نظام ثاني يسمى (العصا السحرية)، وهي للصواريخ التي يزيد مداها عن 70 كم مثل فجر 3 وفجر 5 وخيبر وردع، والنظام الثالث يسمى "مقلاع داود" تم تصميمه بالتعاون بين شركتين صهيونية وأمريكية بتكلفة مليار دولار للتعامل مع الصواريخ من مدى 40 إلى 200 كيلومتر.
ولكن لدينا معلومات مؤكدة أن لديهم مشكلات كبيرة جدًّا في تلك الأنظمة، المشكلة الأولى في هذا النظام الصاروخي أن الوقت المتاح لرد الفعل لاعتراض الصواريخ الفلسطينية يزيد بكثير عن الزمن الذي تستغرقه الصواريخ الفلسطينية في الوصول إلى أهدافها وربما قد يصل الأمر من 15 إلى 20 ثانية وبالتالي فإن الفعالية العملياتية مشكوك فيها.
أما البعد الثاني في مشكلات هذه الأنظمة فهو أنه ذات تكلفة كبيرة ويكفي أن تعلم أن صاروخ القسام على سبيل المثال تكلفته تتراوح ما بين 60 إلى 80 دولارًا وهو يُصَنَّع محليًّا، في حين أن تكلفة الصاروخ الاعتراضي الواحد من منظومة القبة الحديدية الذي يسمى Tamir "تامير" تتراوح في بعض التقارير ما بين 50 ألفًا إلى 100 ألف دولار، فلك أن تتصور أنك تعترض هدفًا تكلفته أقل من مائة دولار بنظام اعتراضي تكلفت الوحدة الاعتراضية فيه هذه الأرقام الفلكية.
![]() |
|
صواريخ المقاومة الفلسطينية ما زالت تثير رعب الصهاينة |
العامل الثالث في عدم فعاليته أنه لن يستطيع أن يجابه كثافة إطلاقات سريعة في وقت قصير أو ما يسمى بالصليات وهي الاطلاقات المجمعة لو نجحت المقاومة في إطلاق حجم كبير من الصواريخ في فترة زمنية قصيرة.
أما البعد الرابع في مشكلاته فإن كثيرًا من خبراء التكنوقراط داخل الكيان يرفضون مثل هذا النظام ويطالبون بالعودة إلى استخدام نظام الاعتراض الليزري الذي أوقف منذ عام 2004م وهو نظام كان مشتركًا بينهم وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك آخرون يقولون دعنا من هذه الأنظمة وعلينا أن نحول ما ننفقه على هذه الأنظمة غير الفعالة إلى عمليات تحصين المباني السكنية للمستوطنات المحيطة لقطاع غزة، والعمل على تحسين نظام الإنذار المبكر لإطلاق الصواريخ، وبناء على كل ذلك فإننا أمام جدليات كبيرة في مدى فعالية هذا النظام.
تعاون صهيوأمريكي
* ولكن هناك كلام عن تواصل أمريكي صهيوني حول نظام صاروخي مرتبط بالأقمار الصناعية؟
** بالفعل هناك تأكيدات أن هناك تطويرًا في تحسن زمن اعتراض الصاروخ؛ حيث يعمل بالتواصل مع الأقمار الصناعية الأمريكية، وأن الولايات المتحدة الأمريكية تربط النظام الدفاعي الصاروخي الكوني لها مع الكيان الصهيوني عبر غرفة عمليات سرية في قاعدة نيفاتيم في جنوب النقب.
دلالات مهمة
* عودة مرة أخرى لأحداث العدوان، فقد استطاعت المقاومة قصف أهداف داخل قواعد عسكرية، ما دلالة ذلك؟
** الحرب لا تدار عسكريًّا فقط، الحرب تدار عسكريًّا وإعلاميًّا واقتصاديًّا وكذلك اجتماعيًّا، فكل طرف من الأطراف أثناء إدارة الصراع المسلح يسعى إلى التقليل من حجم إنجاز الآخر، وأحيانًا يسعى إلى عكس هذا الإنجاز وربما الخداع في أنه يأتي ربما بآثار مضادة، ونحن مدركون أننا في هذه الحرب وصلنا إلى مناطق ذات أهمية إستراتيجية بالغة الحيوية لدى الطرف الصهيوني، وكونك تصل إلى أربع قواعد جوية في النصف الجنوبي من الكيان فهذا أمر لم يحدث في كل المواجهات العربية الصهيونية السابقة، وهي قواعد جوية أكثر حساسية من القواعد الموجودة في الشمال، وبالتالي فهم يدركون الخطر، وكنّا نركز دائمًا على أن صواريخ المقاومة الفلسطينية وإن كانت لا تملك قدرة التدمير الكبيرة ولا تملك من الدقة الكثير، ولكنهم لا ينظرون في هذه اللحظة بقدر ما ينظرون إلى تقدم مستقبلي كبير في سرعة هذه الصواريخ، وفي مدى دقتها وفي القدرة التدميرية التي ستكون عليها عندما يتم على زيادة حجم الرأس الحربية وتنوعها، فهم يدركون أكثر من غيرهم ماذا حدث في هذه الحرب.
ولكن بلا شك في الصراعات الدولية علينا أن نتذكر أن الكثير مما يحدث قد لا يتم الإعلان عنه أو إبرازه على العلن لكن أظن أن الأمور تظل لديها مستويات من السرية ولديها مستويات من البحث ومستويات من استخراج الدروس المستفادة والعبر والعمل على إصلاحها في أوقات أخرى.
صراع إرادات
* عندما تعلن المقاومة أنها قصفت أهدافًا عسكريةً بعينها داخل الكيان هل معنى ذلك أن هناك نوعًا ما من التطور المعلوماتي واللوجيستي لدى المقاومة؟
** أنا أتصور أن هناك تطورين أولهما: أن الأنظمة الصاروخية أصبحت أكثر مدى وأكثر قدرة على المناورة، كما أنها أصبحت أكثر قدرة للوصول إلى الهدف، هذا بالإضافة إلى أن حماس أصبحت لديها قائمة بالأهداف، ولديها بنك للأهداف ونظام استخباراتي جيد، كما أنها باتت تعرف ما هي الأهداف التي عليها أن تقصفها والتي ربما تُسبب تأثيرًا بشكل آخر على صانع القرار السياسي داخل الكيان الصهيوني، مثل استهداف القواعد العسكرية ذات الأهمية الكبيرة.
كما أن الصراع المسلح هو في أصله صراع إرادات بالدرجة الأولى، فإذا دفعت الخصم إلى أن يفقد رغبته أو إرادته في استمرار القتال فإن هذا في حد ذاته الإنجاز الأهم في أي عمل عسكري، وهو الأمر الذي اضطرت معه وزارة الحرب الصهيونية إلى إنشاء إدارة مختصة لتأمين الدفاع عن القواعد العسكرية ضد الضربات الصاروخية للمقاومة والتي وصلت لقواعد "حتسور وحتسريم وبالمخايم" الموجود بها معامل تجارب وقاعدة صواريخ رئيسية في بئر سبع، كما قامت بشراء طائرات أمريكية من الجيل الخامس ذات قدرة على الإقلاع من مسافات قليلة للغاية مما يقلل من طول مسافات الممرات تحسبًا لقدرة الصواريخ في تدمير تلك الممرات.
انقلاب جولدستون
* اشترك عدوان غزة مع حرب لبنان في فكر إستراتيجي للكيان وهو القتل الكثيف، فهل من الممكن أن تتغير هذه الإستراتيجية بعد الحرب الأخيرة نتيجة لما أشرت إليه من فضحها إعلاميًّا؟
** السر يكمن في تقرير جولدستون، فالنقطة المهمة فيه ليست على مستوى جرائم الحرب التي أوردها، ولكنه أجبر الكيان الصهيوني على تغيير إستراتيجته العسكرية، فالكيان في السابق لم يكن ينفذ فكرة القتل الكثيف وهو ما تؤكده الأرقام؛ حيث كانت نسبة القتل في الانتفاضة الأولى 1:6، ولكن عقلية العدوان الصهيوني تغيرت مع الحرب على لبنان وبدأت فكرة القتل الكثيف بدلاً من القتال المتقارب وهي الفكرة التي وصلت إلى ذروتها خلال حرب غزة؛ حيث بلغت النسبة 1:141، وأرى أن الاحتلال اتخذ قرارًا عقب صدور تقرير جولدستون بأن أي حرب قادمة لن تكون طويلة، ولن يستخدم فيها نارًا كثيفة مثل التي شاهدنها، وستكون قصيرة "short war" وأن الاعتماد على القوات الجوية سيكون بشكل أكبر مع التركيز على العناصر العسكرية وقيادات المقاومة وهو ما أيده مدير إدارة تخطيط العمليات برئاسة أركان الجيش الصهيوني والذي قال: إن هذه الفكرة سوف تؤدي إلى عمليات قتل مُرَكَّز قبل أن يفيق العالم، ويفضحه كما حدث في حرب غزة.
مقاومة ثابتة
* وهل سيكون لذلك تأثير على سير أي معركة قادمة؟
** بالتأكيد ولكن بصورة محدودة؛ لأن فكرة الحروب في مساحات واسعة قد انتهت، وهذا لا يعني أن الأمور مستقرة، فالوضع بالفعل صعب والمؤامرات ضد المقاومة تزداد ولكنه طبقًا للصورة الحالية والأوضاع الجديدة أصبح الوضع صراع إرادات، ورأينا ذلك في اليوم 17 من العدوان عندما خرج أولمرت يعلن وقف إطلاق النار، فوجدنا أن المقاومة مستمرة في قصف أهدافها بمعدلات طبيعية وكأنها تود نقل رسالة مفادها أنها لا زالت موجودة على الساحة تعيش وتتنفس وتقاوم.
استفزاز
* نلاحظ أن هناك اقتحامات صهيونية محدودة وغارات جوية على أطراف القطاع، ما تفسيرك لذلك؟
** هي فقط مناوشات هدفها أن يقول الاحتلال إنه قادر ومسيطر، وأعتقد أن العام الحالي مع بدء تشغيل الأنظمة الصاروخية الجديدة فإن الكيان يقوم باستفزاز المقاومة لإطلاق صواريخ واستغلال أي نجاح للترويج لذلك النظام، وأعتقد أنها ستزيد من الطلعات الجوية الاستطلاعية لرصد تحركات المقاومة وتجمعاتها على مدار الساعة، وأنها ستعيد بناء قائمة أهداف، ومراجعة محاور التقدم والترتيبات الدفاعية، وخاصة المحاور التي حاول اختراقها وحقق تقدمًا فيها في العدوان السابق، لاختبار مدى كفاءة دفاعات حماس، كما أنه يأمل في استفزاز المقاومة حتى تطلق صاروخًا فيعرف مداه وقدرته ويعمل عليه وشكل استخدامه.
حرب مستبعدة
* وسط هذه الأجواء، هل تتوقع حربًا جديدةً في الفترة المقبلة؟
** أعتقد أنه في الفترة القادمة لن تكون هناك حرب، فالولايات المتحدة وأوباما لن يعطيا الكيان الصهيوني الضوء الأخضر، وخاصة أن أمريكا مشغولة ومتورطة في أفغانستان ومجهدة، وإذا حدث عدوان لن يكون بنفس الصورة البشعة التي كانت في حرب غزة، وأعتقد أن حماس لن تنجر لأي استفزاز خاصة أنها تدرك ضرورة بناء قدراتها وإعادة تنظيم تشكيلاتها، فهي تنظيم عقلاني، يتصف بحالة انضباط عالية، بعكس تنظيمات أخرى.
الجدار الفولاذي
النظام المصري يصر على بناء الجدار الفولاذي

* وماذا عن الجدار الفولاذي الذي تقيمه مصر مع قطاع غزة، كيف سيكون تأثيره على المقاومة وأهالي القطاع؟
** هذا السياج أو الجدار هو نتيجة طبيعية لحالة التخبط السياسي وفشل القائمين على إدارة الملف المصري الصهيوني، فالخبر تم تسريبه من صحف عبرية، في حين ترددت القيادة المصرية في الكشف عنه حتى اضطرت في النهاية إلى الاعتراف، ولا يمكن الحديث عن تلك القضية بمعزل عن استمرار السماح المصري للبوارج الصهيونية بالمرور ذهابًا وإيابًا عبر قناة السويس حاملة رءوسًا نوويةً.
ورغم ذلك أعتقد أن تأثيره سيكون ضعيفًا وغير مؤثر بالمرة؛ لأن الحديث الذي تردد عن عمق ذلك الجدار بأنه بين الـ18 والـ30 مترًا لن يؤثر، خاصة أن أنفاق المقاومة الإستراتيجية على عمق أكثر من ذلك بكثير، والدليل على ذلك فشل القصف الصهيوني المتواصل للشريط الحدودي بالقنابل الارتجاجية أثناء العدوان في هدم تلك الأنفاق.
