المناسبات فرصة طيبة لغرس القيم وتوضيح المفاهيم وإحداث النقلات التربوية المتعددة؛ فالنفوس في جو الاحتفال بالمناسبات تكون مهيأةً أكثر للتلقي، فالجو يتسم بالفرح والبهجة والسرور، وتسوده الروح الجماعية التي تدعم التقبل والاقتناع؛ لذا يجب على الأسرة أن تستثمر المناسبة كفرصة تربوية وأداة ممتازة من أروع أدوات التربية.

 

والهجرة النبوية الشريفة حدث مهم ومحطة بارزة من محطات التاريخ، وهي بمثابة احتفالية للتغيير والنهوض والإصلاح على أسس سلمية وراقية وعظيمة، تحتاج من كل أسرة أن تجتمع (الأب- الأم- أبناء) لدراسة أحداث الهجرة، وتعلم الدروس المستفادة، ثم الخروج بتوصيات عملية نطبقها جميعًا في واقعنا، ويطبقها كل فرد منا في بيته وعمله ومجتمعه، وأن تكون محطة سنوية لدراسة الواقع والعمل على تغييره ووضع أسس لانطلاقة سنوية جديدة من وحي دروس الهجرة النبوية الشريفة.

 

أولاً: هيا نعرض أحداث الهجرة لأبنائنا بأسلوب راقٍ متطور:

يبدأ بالحكاية النظرية المشوِّقة، ثم نستفيد بالأساليب الحديثة مثل الصوتيات والمرئيات وأفلام الكرتون والرسومات والخرائط والأفلام التسجيلية، وتوفير الأقراص المضغوطة وأشرطة الكاسيت... إلخ.

 

ثانيًا: هيا نشجع الأبناء على القيام بالأنشطة المتعلقة بالهجرة التالية:

1- عمل بحث عن الهجرة ودراستها من كتب السيرة.

2- عمل رسومات تصويرية لأحداث الهجرة.

3- حفظ أناشيد عن الهجرة.

4- عمل مجلات حائط وتعليقها.

5- دراسة خريطة الهجرة وخط سيرها ورسمها.

6- عمل مسرحية عن الهجرة.

7- تقديم فقرات في الإذاعة المدرسية.

8- بحث ولو من ورقة واحدة وليكن:

(في ضوء دروس الهجرة.. ما الأشياء التي تريد تغييرها في أنشطتك ونظام حياتك؟).

 

ثالثًا: بعد الدراسة الجيدة للهجرة هيا نستخلص الدروس والعبر والقيم والمبادئ التي يجب أن نعلمها أبناءنا ونطبقها في حياتنا:

1- نعلّم أبناءنا القيمة العظيمة للأمانة في الإسلام، وكيف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبقى سيدنا علي بن أبي طالب ليرد الأمانات إلى أهلها وهم الكافرون أعداء رسول الله، فنحن نرعى حقوق الناس جميعًا حتى حقوق الأعداء، وهذه فرصة لندرس خلق الأمانة لأبنائنا.

 

2- ونعلمهم أهمية اختيار الصديق ودور الصحبة الصالحة في نجاح المسلم في حياته وقدرته على نصرة دينه، وتمثل هذا في دور الصاحب العظيم أبي بكر الصديق خلال الهجرة وخلال رحلة العمل للإسلام كلها.

 

3- ونعلمهم الشجاعة العظيمة الرائعة المتمثلة في موقف سيدنا عمر بن الخطاب وتحديه لرجال الباطل أجمعهم حينما أعلن عن هجرته.

 

4- ونعلم أبناءنا الفدائية المتمثلة في مبيت سيدنا علي مكان رسول الله وخارج البيت أربعون رجلاً يتربصون بالقتل، فالمسلم بطل وفدائي ولا يهاب الموت في سبيل الله.

 

5

 الصورة غير متاحة

د. رشاد لاشين

- ونعلم أبناءنا أن النجاح في الحياة له جناحان:   

الجناح الأول: هو الأخذ بالأسباب والتخطيط الجيد والإعداد المدروس.

الجناح الثاني: هو التوكل على الله والاعتصام به واستشعار معيته.

 

6- نعلمهم دور الأطفال والفتيان العظيم في نصرة الإسلام عبر التاريخ الإسلامي، والمتمثل في الهجرة في: دور عبد الله بن أبي بكر الصديق ضابط المخابرات، والفدائي العظيم علي بن أبي طالب، وعامر بن فهيرة المختص بالإخفاء والتمويه بقطيع من الغنم يمحو أثر رسول الله.

 

7- ونعلمهم حماية الله تعالى لعبادة المؤمنين ورعايته لهم في أحلك الظروف والمواقف، مثل:

أ- خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزله المحاصر بأربعين رجلاً لقتله وهو يقرأ القرآن ويعتصم بالله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9)﴾ (يس)، فلم يخرج ناجيًا فقط بل وضع التراب فوق كل الرءوس الكافرة.

ب- نجاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من إمساك الكفار به وهو في الغار وسيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول: (لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا)، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له واثقًا من حماية الله ومعيته : "لا تحزن إن الله معنا" فلا تحزن يا حبيبي الصغير وأنت ترى قوة الباطل، فالله تعالى أقوى الأقوياء مع عباده المؤمنين.

ج- حماية رسول الله في رحلة الهجرة من ملاحقة سراقة بن مالك الذي غاصت أقدام فرسه في الرمال فلم يستطع الإمساك به؛ لأن رعاية الله تحفظ عباده المؤمنين.

 

8- نعلّم أبناءنا الأمل في نصر الله حتى في أحلك الظروف.

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لسراقة بن مالك الذي كان يطارده: "ارجع ولك سوارَيْ كسرى".

 

9- ونعلّم أبناءنا أن الباطل مهما كان قويًّا فالله تعالى أقوى، وأن الباطل نهايته الهزيمة والفشل مهما طغى وتجبر، ومهما امتلك من إمكانات، ومهما خطط ودبر، ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)﴾ (التوبة).

 

10- نعلّم أبناءنا الاحتفال باستقبال الصالحين والفرح بنصر المؤمنين:

طلع البدر علينا                          من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا                       مـا دعـا لله داع

 

11- نعلم أبناءنا أهمية المسجد في الإسلام وفي حياة المسلمين، فقد كان أول شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة هو بناء المسجد.

 

12- نعلم أبناءنا أهمية الأخوة في الله وقوة العلاقة بين المؤمنين لتحقيق النصر، ويتمثل ذلك في مؤاخاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار.

 

13- نعلم أبناءنا الاعتزاز بالهوية الإسلامية وذلك بالاهتمام بالتاريخ الهجري، والاعتزاز بالتاريخ الإسلامي العظيم، ويا حبذا أن نحفظهم الأشهر الهجرية، ونعودهم أن يكتبوا التاريخ الهجري في كراساتهم، وأن ينظموا حياتهم عليها.

 

14- نعلم أبناءنا أهمية التغيير الإيجابي، فالهجرة هي أكبر محطة للتغيير في التاريخ الإسلامي، ومعناها الحقيقي هو السعي الدائم لتغيير الأوضاع السيئة إلى أوضاع حسنة.

 

15- نعلمهم المعنى الدائم للهجرة من خلال حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه".

 

فهيا يا أبناءنا الأعزاء نهجر الأوضاع الضعيفة إلى أوضاع قوية، فنهاجر من الإهمال إلى الاهتمام، ونهاجر من التراخي إلى الجِدّ، ونهاجر من الكسل إلى النشاط، ونهاجر من الفوضى إلى النظام، ونهاجر من الألفاظ السيئة إلى الطيب من القول، ومن التقصير في حقوق الوالدين إلى برهما، ومن معصية الله إلى طاعته، ومن التخلف إلى التفوق، وبالتالي نرتقي إلى مرحلة جديدة فنحقق المقصود من الهجرة.