- د. إبراهيم المصري: التدهور الاقتصادي مستمر لأكثر من عامين
- ممدوح الولي: الحكومة تحتكر الأرقام وتنشر إحصائيات كاذبة
- د. جهاد صبحي: في مصر 8 ملايين عاطل وفقًا للمعايير الدولية
- أشرف بدر الدين: زيادة عجز الموازنة واستحداث مصادر للتمويل
تحقيق- أحمد الجندي:
لا زالت أمواج الأزمة المالية العالمية التي صدرتها الولايات المتحدة الأمريكية إلى المنطقة العربية تعصف بالاقتصادات العربية، وتؤثر على أسوق المال العربية، وخاصةً منطقة الخليج بسبب ارتباطها بالأسواق العالمية سواء عن طريق الاقتراض من مصارف الدول الصناعية الكبرى التي تضررت بالأزمة أو الاستثمارات المالية الأجنبية في البلدان العربية أو بسبب قيام العديد من الأفراد والمؤسسات والعائلات الميسورة (في منطقة الخليج بصفة خاصة)، وبعض الصناديق السيادية العربية بالاستثمار في أسواق المال العالمية.
وكانت من أبرز آثار تلك الأزمة خلال العام 2009م هو تراجع أسعار البترول الذي تعتمد عليه معظم بلدان المنطقة، وخاصةً دول الخليج التي تعتمد بشكلٍ أساسي في دخلها على تصدير البترول الأمر الذي أثَّر بشكل كبير على الإيرادات في موازنات الحكومات، وأثَّر على خطط التنمية بهذه الدول، وكذلك أدَّى إلى تراجع معدلات النمو في معظم الدول العربية.
وكان من أشد تداعيات الأزمة على الدول العربية هي ظهور مشكلة دبي وتراجع تصنيفات بعض الشركات والبنوك في دول الخليج؛ مما أثَّر على زيادة تكلفة اقتراضها من الأسواق الدولية.
وانخفاض حجم الاستثمارات الخليجية بالخارج، والتي تُقدَّر بـ2,4 تريليون دولار وتراجع أداء أسواق المال الخليجية؛ حيث انخفض المؤشر العام بنسبة تجاوزت الـ40% مع بداية الأزمة.
فضلاً عن تسريح العمالة في الدول العربية وارتفاع معدلات انتشار البطالة ليقفز تعداد العاطلين عن العمل في المنطقة العربية من 17 مليونًا إلى 20 مليون عاطل.
هذا بالنسبة للوضع العربي بصفة عامة، أما الوضع المحلي فلم تكن مصر بمنأى عن أضرار تلك الأزمة وإن كان تأثر مصر بالأزمة ضعيفًا نسبيًّا إذا ما قورنت ببعض دول المنطقة العربية، وخاصةً منطقة الخليج؛ وذلك يرجع لضعف الاقتصاد المصري ومحدودية علاقته بالنظم الاقتصادية العالمية في الدول المصدرة للأزمة، وهذا لا يعني أن مصر لم تتأثر نهائيًّا بتلك الأزمة، ولكن كانت هناك آثار سلبية عديدة لتلك الأزمة على الاقتصاد المصري وارتفاع معدلات البطالة التي وصلت إلى 6 ملايين عاطل حسب تقديرات البنك الدولي.
هذا، بالإضافة إلى عودة العمالة المصرية التي تم تسريحها من البلدان المتضررة بالأزمة ليركبوا قطار البطالة مع سابقيهم.
وكذلك ارتفعت معدلات الإفلاس بين الأفراد والشركات؛ حيث ذكرت المؤشرات الصادرة عن مركز المعلومات، ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء أن عددَ أحكام الإفلاس الابتدائية وفقًا لبيانات وزارة العدل خلال الفترة من يناير إلى يوليو الماضي بلغت 563 حالة مقابل 544 حالة في الفترة المناظرة من العام السابق عليه بمعدل ارتفاع بلغ 3.5%، وبالنسبة لأحكام الإفلاس النهائية بلغت 64 حالة بدون زيادة عن الفترة المناظرة في عام 2008م.
وتراجعت الاستثمارات الصناعية بشكلٍ كبير حيث انخفضت الاستثمارات الصناعية بحوالي 22% خلال التسعة أشهر الأولى من هذا العام 2009/2008 مقارنةً بالفترة المماثلة من العام السابق 2008/2007م.
وانخفض معدل النمو الحقيقي بحوالي النصف إلى 4% فقط خلال التسعة أشهر الأولى من العام المالي الحالي 2009/2008م مقارنةً بـ8% خلال الفترة المماثلة من عام 2008/2007م.
كما تراجع ترتيب مصر في مؤشر التنافسية الصناعية من المرتبة الـ50 من 122 دولة في عام 2000م إلى 75 من 122 دولة في عام 2005م وفقًا لتقرير التنمية الصناعية لعام 2009م, الصادر عن منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية.
الأزمة مستمرة
وتوقع الدكتور إبراهيم المصري أستاذ الاقتصاد استمرار الأزمة المالية لمدة عامين أو ثلاثة أعوام على الأقل بسبب التشابك بيننا وبين العالم عن طريق التصدير والسياحة وتأثر دول المنطقة العربية بالأزمة، مستبعدًا الخروج من الأزمة في العام 2010م.
![]() |
وأرجع ذلك إلى انعدام ثقة المستثمرين وتخوفهم من حدوث تغيرات في السوق، قائلاً: إن الثقة المسحوبة من السوق ستستغرق وقتًا طويلاً حتى تعود إلى ما كانت عليه.
وأضاف أن الاقتصاد المصري سيظل متأثرًا بالأزمة حتى ينتعش الاقتصاد الخارجي، وخاصةً في البلاد العربية وتعود التحويلات المالية التي تعتبر مصدرًا كبيرًا من مصادر الدخل.
وأشار إلى أن مصادر الدخل المصري ستظل متأثرةً بالوضع الاقتصادي العالمي؛ حيث تتأثر قطاعات عدة مثل السياحة والصادرات وقناة السويس بتأزم الوضع الاقتصادي الخارجي؛ حيث إن دول الأزمة هي مصدر السياح، وكذلك ستنخفض الصادرات نظرًا لانكماش الوضع العام الخارجي، وسيقل المرور في قناة السويس بسبب عدم انتعاش التجارة العالمية، موضحًا أن حركة المرور في القناة قلت في 2009م عن 2008م، وستظل كما هي في 2010م.
وأوضح أن الخروج من الأزمة يستلزم تحركات من قِبل الدولة لإعادة توظيف المنح في الاستثمار وعمل مشروعات فعلية تزيد الناتج القومي وتوفر فرص عمل جديدة، مؤكدًا أنه لا بد للحكومة من رفع سعر الفائدة وليس تخفيضها؛ لأن هذا أضر بالجهاز المصرفي وأضر بصغار المستثمرين.
كذب حكومي
![]() |
|
ممدوح الولي |
ويقول ممدوح الولي الخبير الاقتصادي ونائب مدير تحرير (الأهرام): إن الأزمة المالية العالمية أدَّت إلى تراجع معدلات النمو في معظم الدول العربية وتراجع قيمة الاستثمارات الواردة، وتراجع معدلات التصدير نتيجة الانكماش في اقتصادات الدول الغربية، وكذلك تراجع عوائد الاستثمارات العربية في الخارج، خاصةً القادمة من الودائع المصرفية نتيجة تراجع معدلات الفائدة على الودائع المصرفية لكافة العملات.
وأضاف الولي أن الأزمة المالية زادت عدد البطالة العربية من 2.5 إلى 3 ملايين أضيفوا إلى 17 مليون عاطل حسب تصريح حديث لمنظمة العمل العربية.
وتوقع الولي ارتفاع معدلات البطالة المصرية، مستنكرًا الإحصائيات الحكومية الكاذبة التي تقول إن معدل البطالة في مصر ارتفعت من 9,2% إلى 9,4% بالرغم من أن معدلات البطالة في إسبانيا وصلت إلى 18% وفي أمريكا وصلت إلى 10,4% في شهر، قائلاً: إن الحكومة تحتكر الأرقام الحقيقية وتعلن ما تريد إعلانه فقط.
وشكك الولي في تحسن معدلات البطالة في مصر حتى لو حدث نمو اقتصادي بسبب تزايد العجز في الموازنة؛ مما لا يتيح موارد كافية توجه للاستثمار، وكذلك تراجع معدلات السياحة بسبب "إنفلوانزا الخنازير".
وأوقف الولي حدوث تحسن في الاقتصاد المصري في 2010م على تحقق توقعات البنك الدولي بتحسن الوضع الاقتصادي العالمي وانتهاء الأزمة وحدوث زيادة معدل النمو فإن ذلك سيحدث تحسنًا نسبيًّا في الاقتصاد المصري؛ لأنه مرتبط بالاقتصادات الغربية عن طريق الاستثمارات الأجنبية والتحويلات والصادرات.
8 ملايين عاطل
![]() |
|
د. جهاد صبحي |
ويرى الدكتور جهاد صبحي أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر أن الأزمة المالية أحدثت انخفاضًا في حجم الاستثمارات الخليجية التي تقدر بحجم 2,4 تريليون دولار وأثَّرت على الجهاز المصرفي للدول المصدرة للبترول بسبب استثماراته في الخارج، وخاصةً في الولايات المتحدة وأوروبا وارتباطه بالمصارف العالمية؛ مما أدَّى إلى حدوث انكماش وتجميد لنشاط المشروعات التي تقوم بها الشركات والمؤسسات.
وأضاف صبحي أن الاقتصاد المصري لم يتأثر بالأزمة المالية بصورة كبيرة؛ لأنه اقتصاد ضعيف وغير مرتبط بالاقتصاد العالمي بصورة قوية، كما أن وراداته أكثر من صادراته فكان التأثير فقط في بعض الصناعات البسيطة.
وأشار صبحي إلى أن نسبة البطالة في مصر وصلت إلى 9,8% في عام 2009م حسب الإحصائيات الحكومية، ولكن عندما نحدد قوة العمل طبقًا للمعايير الدولية نجد أن قوة العمل تنحصر فيمن لديهم من العمر 15 سنة إلى 64 سنة، وباعتراف الحكومة أن قوة العمل الحالية هي 26 مليون فرد، إذن فعدد العاطلين عن العمل يصل إلى 8 ملايين فرد؛ مما يؤكد أن معدل البطالة يفوق الـ25%من قوة العمل، وهو ما يفوق الأرقام المعلنة حكوميًّا بأن عدد العاطلين في مصر 2 مليون فقط، أما إحصائيات البنك الدولي فتشير إلى أن عدد العاطلين في مصر يصل إلى 6 ملايين عاطل.
فقر وبطالة
أشرف بدر الدين

أما النائب أشرف بدر الدين عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب فيقول: إن الأزمة المالية أثرت على الاقتصاد المصري بشكل كبير؛ حيث انخفضت الإيرادات وزاد عجز الموازنة العامة للدولة بنسبة كبيرة وصلت إلى 90 مليار جنيه؛ وهو ما أثر سلبًا بزيادة الدين العام الذي لن نستطيع الموازنة العامة تحمل أعبائه على المدى القصير أو البعيد وستتحمله الأجيال القادمة؛ حيث بلغ الدين العام الداخلي طبقًا لآخر الإحصائيات 770 مليار جنيه، وبلغ الدين الخارجي ما يقرب من 33 مليار دولار وعلى ذلك يبلغ حجم الدين العام الداخلي والخارجي ما يقرب من "تريليون" جنيه.
وتوقَّع بدر الدين زيادة الدين العام بنسبة تفوق الـ100 مليار جنيه في العام 2010م، وهو ما سيتبعه تأثيرات على زيادة نسبة البطالة وارتفاع معدلات الفقر وانخفاض الاستثمارات.
وأضاف بدر الدين أن ذلك سيؤثر سلبًا على قطاعات حيوية في الدولة مثل الصحة والتعليم والإسكان والمرافق والنقل والمواصلات وزيادة سوء الخدمات المقدمة وتأخر تنفيذ الكثير من المشروعات وتأخر الوفاء بالوعود الحكومية فيما يتعلق بزيادة دخل المواطنين ورفع المعاشات.
وأكد بدر الدين أن هذا الوضع سيدفع الحكومة إلى التفكير في إيجاد مصادر جديدة للتمويل وتضيف أعباء جديدة على محدودي الدخل، وهو ما يتم بالفعل حاليًّا في قانون الضرائب العقارية وقانون التأمين الصحي.


