- بناتي قمن بمواقف بُطولية عقب اعتقالي وتفاخرن بي

- الشيخ كشك غيّر حياتي ودعاني للسير على منهاج البنا

- وفاة والدي وأنا بالسجن أصعب المواقف التي مرت عليّ

- تعلَّمت من كل إخواني وأقربهم إلي الحاج صادق الشرقاوي

- كسر لي 3 أطراف وعملت "رجيم" قاسيًا خلال سنوات حبسي

 

حوار- إسلام توفيق وأحمد الجندي وأحمد أبو زيد:

حين تراه للوهلة الأولى تشعر بأنك على علاقة وثيقة به منذ سنوات، يعرفه أهالي منطقة المرج بالقاهرة كبيرهم وصغيرهم، فهو أحد أبرز أعلام المنطقة، ولا تستغرب ذلك حينما ترى الاستقبال الحاشد الذي أعده الأهالي لسيد معروف أحد رهائن العكسرية المُفرج عنهم بعد 3 سنوات خلف قضبان الظلم.

 

فالشيخ سيد- كما يدعونه- أحد أبناء المرج، تشهد مساجد القاهرة صولاته على منابرها متأسيًا بأستاذه الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله، يجلس أمامه الأهالي وكأن على رءوسهم الطير لا يحركون ساكنًا نظرًا لأسلوبه الشيق الأخّاذ عندما يتحدث.

 

هو سيد معروف أبو اليزيد مصبح، من مواليد عام 1953م بحدائق القبة، كانت آخر درجاته الوظيفية قبل خروجه إلى المعاش المبكر مدير مبيعات بشركة عمر أفندي، وتنوعت دراسته بين ليسانس الحقوق عام 1975م وليسانس الشريعة الإسلامية عام 1995م ومعهد إعداد الدعاة في نفس العام، كما التحق بعد اعتقاله عام 2006م بكلية التجارة شعبة إدارة الأعمال، وهو الآن في الفرقة الثالثة.

 

ضيفنا أب مثالي لأربعة من الأبناء هم: سيف (مهندس)، سمية (بكالوريوس علوم)، سندس (كلية رياض أطفال)، وسلسبيل (2 ثانوي).

 

يحكي معروف في حواره مع (إخوان أون لاين) كيف تعامَل أهالي منطقته مع اعتقاله، وكيف كان يسأل عنه المسيحي قبل المسلم، وكيف وجد رصيد حب الناس جليًّا عقب اعتقاله، وما هي علاقته بوالده، وكيف مرت أصعب لحظة عليه داخل السجن عند علمه خبر وفاته.

 

كما يسرد الشيخ سيد حكاياته مع إخوانه في الغرفة (2) وكيفية سقوطه مرتين وإصابته بكسر في ذراعه الأيمن وخلع يده اليسري... فإلى نص الحوار..

 

تهم خاصة

 الصورة غير متاحة

* بداية.. تعددت أسباب القضية العسكرية بين مزاعم الأمن أنكم تغسلون أموالاً وتمولون الإرهاب، وبين قول الإخوان أنها بسبب دعمكم للقضية الفلسطينية.. فما السبب الحقيقي؟

** هناك عدة أسباب، وهذه الأسباب تتلخص في نتائج انتخابات 2005م وفوز الإخوان بـ 88 مقعدًا في الانتخابات البرلمانية، فضلاً عن دعم القضية الفلسطينية، وليس دعم حماس فقط، فالقضية الفلسطينية أكبر من حماس وغزة.

 

فالقضية الفلسطينية من أول محاور العمل الإخواني، وكنا ندعم القضية قبل حماس، منذ وعد بلفور سنة 1917م، على الرغم من أن مسألة دعم حماس ليست سبَّة؛ لأنها هي الفصيل المحق والشرعي الآن.

 

* وُجهت إليكم تهمة خاصة هي تدريب طلاب الجامعات.. كيف تفسر هذه التهمة؟

** مسألة توزيع الاتهامات يُسأل عنها من وزّع الاتهامات، ولكن أظن أنه لولا العرض الرياضي الذي تم لما كانت هذه التهمة، ولكن هذا العرض الرياضي أفرز مجموعة جديدة من التهم، منها ما وجه لي من تدريب طلاب الجامعة وتسفيرهم للبؤر الساخنة.

 

حب الناس

* اشتهر الشيخ سيد معروف بخدمة الناس وتعامله مع جميع أهالي منطقته.. كيف اكتسبت هذه الملكة؟

** هذا هو مفهوم المواطنة، فأنا استعد هذه الأيام للذهاب للكنيسة لتهنئة إخواننا الأقباط بعيد الميلاد المجيد؛ لأنه لدي قناعة أننا شركاء في هذا الوطن، بصرف النظر أن المواطنة مُدرجة بالدستور أو القانون.. ولكن أنا أعيش في وطن به أفراد مختلفون في الطباع والديانة، ولكن يجب رغم اختلافهم أن يعيشوا آمنين في هذا الوطن.

 

وهذه الحقيقة تعلمناها داخل الإخوان، وهي في الأساس من تعاليم الإسلام ونهجه، وهذا التعامل جعل لي شعبية داخل المجتمع، وهو ما ظهر أثناء اعتقالي، فقد أصبح المجتمع بكل طوائفه يسأل عني وعن أولادي وعن أهلي وأسرتي.

 

فأجد عضو الحزب الوطني يسأل عني وعن أولادي، وأجد من ينتمي إلي تيار يساري أو ليبرالي أو حتى من هو يدين بالمسيحية يسأل عني وعن أهلي.

 

هذا الأمر أشعر أهلي أنني لست وحدي في هذا المحك، كما أشعرهم أن المجتمع المصري كله يقف بجانبي، وهو ضيع على النظام رغبته في أن تكون "العسكرية" محنة لي ولأولادي، بل هي منحة ربانية لنا.

 

دعاء للظالم

* أفهم من كلامك أن من ظلمك لا تُكِنّ له ضغينة، ولم تدع عليه بعد النطق عليك بالحكم؟

** أنا لا أُكِنّ بالفعل أية ضغينة لمن ظلمني، بل إنني أشفق عليه، وأتمنى من الله عزَّ وجلَّ أن يهديه إلي الصواب، ومع كونه من ظلمني إلا أنني أرى أنه قد ظلم نفسه.

 

وبعد الحكم رَفَعْتُ يدي بالفعل بالدعاء، ولكني لم أدعو عليه، بل دعوت له بالهداية.. فماذا سيعود علي إن دعوت عليه وربنا أخذه، ولكن إن هداه الله ففوائد عديدة ستعود عليه وعليّ وعلى غيري، منها تغيير فكره الذي كان يصب في أذى أهل الإسلام؛ حيث تتغير إلى نصرة أهل الإسلام وتمكين دين الله عزَّ وجلَّ، فبدلاً من أن يكون يدًا تهدم سيكون يدًا تبني، وهو ما سيعود على ديني وعلى وطني.

 

نتاج الحب

* هل وجدت هذا الاندماج في المجتمع أثناء اعتقالك وحبسك؟

** لم يمر يوم علي، إلا وأجد أولادي وزوجتي يقولون لي: "عمو فلان بيسأل عليك، أو طنط فلانة بتسأل عليك، أو خالتو بعتالك الأكل ده، أو عمو جالنا البيت عشان يطمن علينا"، وهم يطلقون طنط وعمو وخالتو على الناس العادية في الشارع.

 

هذا غير أن أجدهم يقولون لي: "تعرف يا بابا عمو فلان.. أبوه توفي"، فأسارع لهم بالقول: "تروحوا تعزوا، وتسلموا عليه وتقولوا بابا بيعزيك ومعلش هو مش هيقدر يجيلك علشان هو في السجن، وماماتكم تروح لزوجته تعزيها في البيت".

 

أحكي لكم موقف غريب، فأحد المسيحيين بالمنطقة حدثت عنده حالة وفاة، ولم يكن يعلم أنني محبوس، وبعد حالة الوفاة بمدة قابل أحد الإخوان وقال له: "أنا زعلان من الشيخ سيد علشان أبويا مات ومجاش عزاني"، قال له الأخ: "لو الشيخ سيد يعرف إن والدك توفي أكيد هيعزيك"، فرد عليه المسيحي: "طيب هو معرفش ليه"، فقال له الأخ: "لأنه في السجن".. فغضب المسيحي جدًّا من الأخ لأنه لم يبلغه أني محبوس، وفي اليوم التالي بعث لأحد الإخوة وأعطاه مبلغًا كبيرًا من المال لزوجتي وأولادي.

 

زوجتي لم تعرف كيف تتصرف، وقالت للأخ: "خليه معاك لغاية ما أسأل الشيخ"، وفي أول مرة للزيارة، أخبرتني زوجتي بالأمر، فقلت لها: "اذهبي إليه حتى مكتبه وردي إليه ماله، واشكريه كثيرًا وقولي له إننا لو احتجنا شيئًا ستكون أول من نذهب إليه".

 

من حرك هذا المسيحي، هل لأنني أسبُّه واشتمه، أو لأنني أتعامل معهم بشكل سيئ ... لا أبدًا، وهذا ما ظهر طوال فترة سجني؛ حيث وجدت أهلي بالفعل في معية الله، ويكفي أن الرعاية الطبية التي لاقاها والدي من الجيران قبل وفاته كانت عالية جدًّا.

 

كما تجد أيضًا أن سكان المنطقة كلها يتابعون مواعيد الجلسات، وما يدور فيها، وأجد والدي الذي لم يكن يحضر الجلسات يشرح لي ما يدور بها، وعندما أسأله: "عرفت منين؟"، يرد قائلا: "ما هو الناس بيقولوا لي".

 

بنات أقوياء

* ولكنك اعتقلت وتركت 3 بنات وزوجة.. فهل خشيت عليهم، وماذا كان شعورك أثناء اعتقالك؟

** لم أشعر أنني تارك بنات؛ لأنني وجدت منهن من اليوم الأول مواقف بطولية و"رجولية"، خاصة أن ثمار تربيتي لهنَّ بحمد لله ظهرت بوضوح بعد اعتقالي.

 

فوجدت بناتي متفهمات لطبيعة الطريق الذي اتخذه وسلكه أبوهن، وسرعان ما التصقن أكثر بالجماعة، واتجهن أكثر لدفئها وارتمين بأحضانها، بصرف النظر عن كوني حلقة الوصل بينهن وبين الجماعة.

 

وَزِدْ على هذا أنهن لم يخجلن من قضية أبيهن وحبسه وسجنه، بل بدأن في التعريف بقضيتي للمجتمع بأسره، والتأكيد أن والدهن لم يعتقل إلا لكونه رجلاً يحب الناس ويريد لهم الإصلاح وليس رجلاً سيئًا، فضلاً عن توصيلهن أن الأمن والنظام مهما فعل بنا فإننا على الطريق سائرون، ولن نترك هذا الدرب.

 

وكُنّ دائمًا يتذكرن أن الإمام البنا ومن سار على نهجه ومن قبله النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته يعانون من هذه المنح، حيث يقول تعالى: ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)﴾ (العنكبوت).

 

ولك أن تتخيل أن ابنتي سندس كانت في المرحلة الثانوية، ولم يحدث لها اهتزاز في دراستها بحمد لله، ونجحت وتفوقت بمجموع تعدى 91%، كما أن سلسبيل كانت في المرحلة الإعدادية وحصلت على مجموع قارب الـ90%.

 

وعلى المحك الآخر.. تجد أن زوجتي في عملها كانت تجد تعاطفًا كبيرًا من زملائها وزميلاتها، بداية من مدير المديرية التعليمية وحتى أصغر عامل بها.

 

وهنا أحكي لك قصة طريفة، فقد سألت إحدى الموظفات وهي زميلة زوجتي عن أقرب موعد للزيارة، فأخبرتَها زوجتي لتفاجأ في اليوم السابق للزيارة بزميلتها تحضر لها بَطَّة مطهية وتقول لها: "أنا بظغط البطة دي من شهر، وحشياها ومسويها ولازم الشيخ سيد يأكلها".

 

فهذه مواقف بسيطة، ولكنها كبيرة في المعنى والمغزى، معناها أن قضيتك مؤثرة عند الناس، وأن الناس لا تخاف منك، بل تدل على أنك محبوب من الجميع، وأنها ليست قضية مشينة.

 

* وماذا عن علاقتك بالجنائيين داخل السجن؟

** أحكي لك موقفًا آثر فيّ كثيرًا، وجدت أحد الأيام أثناء الزيارة أحد الجنائيين مهمومًا، فذهبت إليه وسألته عن سبب حزنه، وهل له زيارة أم لا، فرد علي: "أنا عندي عيال كبيرة بس مش بيزروني"، فسألته عن السبب، فرد عليّ: "مقدرش أجيب العيال"، فقلت له: "بس عيالنا بييجوا لنا الزيارة"، فكان رده: "أصل عيالك بتفتخر أنهم بييجوا لك، وبيفتخروا بحبسك، أما أنا فلا"، على الرغم من أن قضيته كانت قضية تعثر في مبلغ صغير لا يتعدى 5 آلاف جنيه.

 

أب وأم

* 3 سنوات من الرسائل المتبادلة بينك وبين أولادك في الزيارات.. ما الذي كنت تركز عليه لإيصاله لأولادك؟

** في الحقيقة، لم تكن هناك تربية بمفهومها الحقيقي، ولكنها كانت متابعة لمسيرة حياتهم- خاصة بعد تغير هذه المسيرة- أقرب منها تربية.

 

ففي التعليم كمثال، كنت قبل اعتقالي وحبسي أجلس معهم لأتابع دراستهم ومناهجهم، ولكن بعد حبسي لم أتمكن من هذا، وهذا يذكرني بموقف جميل يدل على مدى حب الناس وتعاطفهم مع الإخوان قبل أن يكون معي.

 

فلك أن تتخيل أن أساتذة ابنتي سلسبيل خلال دراستها في الإعدادية لم يأخذوا منها مليمًا وحدًا نظير الدروس، وهو الأمر الذي تكرر في المرحلة الثانوية من بعض المدرسين.

 

كما كانت الزيارات تتضمن أيضًا وضع برنامج يومي لحياتهم، وبرنامج لعلاقتهم بالآخرين وعلاقتهم بأمهم، ومراجعة هذا البرنامج معهم.

 

وكنت أيضًا أراجع معهم بعض الدروس، سواء معي أو مع بعض الإخوة، فسندس كانت تجلس مع الأخ فتحي بغدادي في الرياضيات يشرح لها، وغيره كثيرون.

 

كما أصبحت مستشارًا للأولاد طوال الثلاث سنوات، حتى بدأ أولادي يستشيروني في قضايا زملائهم ومشكلاتهم، فضلاً عن أنني كنت أُعِدّ مشكلات قد تمسهم في مرحلتهم وأعرضها عليهم، ونناقشها سويًّا ونخرج بحلول عملية لها.

 

وأذكر أنه في إحدى الزيارات طرحت عليهم سؤالاً عن رسم خريطة حياتنا، وكيفية نغيرها إلى الأفضل، وما الوسائل التي يمكن أن تساعدنا على ذلك، وهدفي من كل هذه المحاولات هو تعليم أولادي كيفية إدارة شئون بيتهم، حتى تكون أسرتهم المستقبلية لبنة صالحة في المجتمع.

 

منهج حياة

* بعد شهور من اعتقالك أرسلت رسالة معايدة لوالدك ووالدتك.. ماذا قصدت بها؟

** والدي ووالدتي لهم تأثير كبير في حياتي، فالمواقف الرجولية تعلمتها من والدي، فعلى مدار عمري لم أجده يعرف أن أحد جيرانه أو أهله متعسر في شيء إلا ويحاول مساعدته، "بغض النظر هل كان معه أو لا".

 

فوجدت فيه حب الناس ومساعدتهم، حتى في بعض الأحيان كنت أقول له وادعمه معنويًّا ولا داعيَ أن تستدين لتفك أزمتهم، فيرد علي: "مقدرش حد جه قصدني في خدمة ولا أساعده"، والأمر نفسه كثيرًا ما أطلبه من والدتي وأجد منها نفس الرد.

 

ولذلك كنت حريصًا عند وفاة والدي على سؤال والدتي هل والدي مدين بأي مبلغ من المال عند وفاته، ولكنها طمأنتني وقالت لي: بل له أموال في الخارج اقترضها الناس منه.

 

هذه المواقف الرجولية جعلتني أتعلم منها، وأزيد عليه، وأنميه، وهو ما تكرر مع والدتي أيضًا في أنها علمتني الصبر والمثابرة والهدوء وعدم اتخاذ قرارات انفعالية سريعة، فضلاً عن أنها كانت عملية لدرجة كبيرة.

 

وأذكر أن أول عرض للمحكمة حضره الأهالي وجدت فيهم والدي ووالدتي، وبطبيعة الحال كنت انتظر منهم كأي أب وأم أن يقولوا لي: "ليه كده..؟ وإيه اللي جابك هنا..؟ ومش كنت مشيت جنب الحيط أحسن"، إلا أنني وجدت منهم العكس تمامًا، وجدتهم يشدوا من أذري ويتعاملوا مع الموقف كأنني بطل.

 

كما أذكر لأبي وأمي موقفًا آخر أثناء السجن قمت بتهذيب لحيتي وتخفيفها قليلاً، وفي أول زيارة بعد فعلتي هذه فوجئا بي وغضبا مني جدًّا، واعتبرا تهذيبي لها نوعًا من أنواع التنازل، وأن السجن أثر فيّ لدرجة أن جعلني أن أتنازل عن لحيتي، وأفرط في ديني، لا سامح الله.

 

ولذلك.. عندما أرسلت لهما رسالتي هذه، لم تكن رسالة من ابن لأبيه وأمه، بل رسالة من صديق لأصدقائه وأحبابه، وليسا كأي صديق أو حبيب.

 

أصعب موقف

 الصورة غير متاحة
* لهذا كان أصعب المواقف عليك هي وفاة والدك أثناء حبسك؟

** بالفعل.. ولكن قصة وفاة والدي لها أبعاد كثيرة، فقد أصر والدي على زيارتي قبل ما يقرب من 25 يوم من وفاته، وصدقني إن قلت لك إني رأيت الموت على وجهه في كلامه معي، ولكني لم أُسِرّ بهذا الأمر لوالدتي وقتها.

 

وفي يوم الوفاة، فوجئت بإدارة السجن تخبرني أن زوجتي بالخارج وتريدني بصورة سريعة وضرورية، وهنا شعرت أن والدي توفي، فقد كان يوم الثلاثاء وهو يوم لم تَعْتَدْ الحضور فيه، وكان الوقت مبكرًا جدًّا، وأثناء خروجي للزيارة وجدت أحد الإخوة يقابلني كان قد عرف خبر وفاة والدي وسيذهب إلى باقي الإخوة ليبلغهم بالخبر وكيفية إبلاغي به، ليُفاجَأ بسؤالي له: والدي توفي؟ فرد علي: "البقاء لله وإنا لله وإنا إليه راجعون".

 

خرجت لأجد زوجتي تبكي فاحتضنتها وهدّأت من روعها، وبدأت معها في ترتيب أمور الجِنازة، في الوقت الذي تقدم أحد إخواني بطلب لإدارة السجن لحضور جنازة والدي، وقد تم بحمد الله، وأنتهز هذه الفرصة لأقول له: "جزاك الله خيرًا على التربية، وجعله الله في ميزان حسناتك".

 

الخطابة

* كنت خطيبًا مفوّهًا خارج السجن.. كيف استثمرت هذه الملكة داخل السجن؟

** هناك اختلاف كبير بين الخطابة داخل السجن والخطابة خارجه، خاصة أن المسجونين السياسيين ليس لهم ارتباط بالجنائيين، بل يبقى تداخلهم في أنفسهم، والكثير منهم خطباء، فتجد أن أغلب المحبوسين على ذمة العسكرية خطباء مفوهون، ولم يكن لي سوى 5 أو 6 خطب داخل السجن.

 

وأحب أن أشير إلى أن الخطاب لمجتمع الإخوان يختلف كثيرًا عن خطاب المجتمع العادي، في طريقة الخطاب ولغة الخطاب والموضوعات التي يتم تناولها.

 

وكانت أهم الملامح داخل السجن تتلخص في معاني الثبات والأخوة ومواصلة الطريق ومدارسة كتاب الله وإبراز خلق المسلم في المحنة والمنحة وإبراز خُلُق المسلم في التعامل مع الآخر.

 

وفي إحدى الخطب التي لم أخطبها ولكني كتبتها وكانت قبل وفاة والدي وحملت عنوان "أين الثبات في واقعنا المعاصر؟"، وعرضتها على الأخ صادق الشرقاوي ليبدي لي رأيه فيها، وبقيت عنده حتى بعد وفاة والدي بأسبوع أو أسبوعين؛ لأفاجأ به يصعد على المنبر ويقرأ الخطبة التي كتبتها، قرأها دون تغيير فيها.. وبدأها بالإشارة إلى أنه وجد مني ثباتًا كبيرًا عند وفاة والدي، وأرجع سبب هذا الثبات إلى كوني كتبت هذه الخطبة قبل وفاته.

 

وأذكر تعليق ظريف من المهندس خيرت الشاطر يومها بعد الخطبة حيث قال: "المؤذن من غرفة (2) وهو الأخ مصطفى سالم، والخطيب من غرفة (2) وهو الحاج صادق الشرقاوي، وكاتب الخطبة أيضا من غرفة (2) وكان يقصدني.. فالصلاة اليوم من إخراج غرفة (2)".

 

أما الخطابة خارج السجن فكانت مختلفة تمامًا، فأنت تتعامل مع أناس مختلفين، يجب أن توصّل لهم المعلومات بصورة بسيطة، وكيف يحبوك ويستقبلون منك، وهي نقطة هامة تعلمتها من الشيخ كشك عليه رحمة الله، والذي كان له تأثير كبير جدًّا فِيّ فِي كيفية بلورة الخطبة للتواصل مع الناس.

 

الشيخ كشك

 

فضيلة الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله

* كان اعتقالكم الأول على خلفية مطالبتكم بإطلاق سراح الشيخ كشك، وقلتَ إنه أثر في حياتك.. ماذا تعلمت منه؟

** علاقتي بالشيخ كشك رحمه الله قديمة وقوية؛ حيث كنت أقيم في حدائق القبة بجوار مسجده، وكنت ممن يقرءون كتبه، وهو ما أثر بشكل كبير في نفسي، فقد كان جامعة إسلامية يتلقى فيها الطلاب الدروس بدون مقابل، وقد تعلمت منه الصبر والثبات والثقة في نصر الله سبحانه وتعالى والدأب على خدمة الآخرين، وكان دائمًا ما يوصيني أن أبقى على درب الإمام الشهيد حسن البنا وكان مصرًا عليها دائمًا.

 

وكان دائمًا يقول لي: لا تنظر لنفسك أنك وحدك الذي تعمل للإسلام، ولكنَّ هناك الكثيرين غيرك يعملون أيضًا، ولا تحقر جهد أحد، ولكن اجمع جهدك إلى جهدهم، وفي النهاية سيكون جهدًا مثمرًا.

 

خدمة الناس

* "خدمة الناس" شعار رفعته خارج السجن.. كيف كانت مستمرة معك داخله؟

** التعامل داخل السجن محدود إلي حد ما، ولكن مع هذا الكم المحدود كان التعامل والخدمة لهما أثرهما الكبير والبعيد في المجتمع، فعندما يخرج هؤلاء الموظفين والسجانين إلى مجتمعاتهم خارج السجن ييقولون: إننا وجدنا من الإخوان كذا وكذا.

 

فالعملة التي نتعامل بها داخل السجن مع الناس هي عملة الأخلاق، وعندما نتعامل بهذه العملة نكون قد قدمنا لهم صورة حقيقية للإسلام، لدرجة أننا وجدنا عند خروجنا موظفين وضباطًا وعساكر وسجناء جنائيين يبكون على فراقنا وبُعْدِنا عنهم، لدرجة أن أحد الناس في اليوم السابق للإفراج عنا قال لي: إنه لا يرغب في السلام عليّ غدًا؛ لأنه لن يستطيع لحظة الفراق.

 

أخوة

 الصورة غير متاحة

رهائن العسكرية التسعة المفرج عنهم

* ذكرت أنك كنت في زنزانة (2).. من كان معك؟

** كان معي المهندس ممدوح الحسيني، والأخ صادق الشرقاوي، والدكتور صلاح الدسوقي والأستاذ مصطفى سالم.

 

* من كان أقربهم إليك؟

** هذا السؤال سألتني إياه ابنتي سندس، وهي تعرف إجابته، فقلت لها: كلهم عندي قريب. فقالت لي: "طيب أجاوب أنا"، قلت لها: "قولي"؛ قالت: "عمو صادق الشرقاوي".

 

ولكن إذا تحدثنا، فإخواني في العسكرية كل منهم له في قلبي مكانه عالية، فكل أخ منا له فضل على الباقين، ولكن قد يكون الحاج صادق ذا مرتبة رفيعة في قلبي، ولك أن تتخيل أني وأولادي كنا نجلس في الزيارات نتعلم كيف يتعامل إخواننا مع أولادهم في الزيارات.

 

وأذكر لأخي أحمد أشرف قبل أن ينتقل لغرفة أخرى أني وجدت منه رجاحة عقل وأسلوب سلس في التعامل واستيعاب الطرف الآخر، وتجد حياته مع أسرته نوعًا من الغزل، حتى مع أولاده من الشباب.

 

أما الدكتور صلاح الدسوقي فتجد فيه الدأب العلمي، الصوت الرخيم الرائع الذي تشعر منه وكأنه يتنزل عليك، بجانب علاقته مع العلم، فهو يتعلم ليُعلِّم، ولم يكن يتعلم للعلم فقط.

 

أما أخي مصطفى سالم، فيتميز بالصراحة والقوة في الحق فضلاً عن أنه سريع الاعتذار إن أخطأ.

 

والباقون كلهم خيّرون، ولكن أحب أن أقول أنهم كلهم لهم سمت عال وراق، وكلهم ينظرون إلى المصلحة العامة والخاصة، وأقول أن لكلهم فضل علي، وكلهم صنع لي معروفًا.

 

* المهندس الحسيني راجع القرآن 180 مرة طوال الثلاث سنوات.. كيف كنت تتعامل مع القرآن فترة السجن؟

** أخي ممدوح الحسيني كثيرًا ما كان يطلب مني أن أراجع معه القرآن، وكثيرًا ما كان يناشدني أن أراجع حفظي معه، ولكني كنت قد حددت لنفسي فقط قراءة جزأين ومراجعة 5 آيات من حفظي يوميًّا، وكنت قد أخذت موقفًا من الإمامة، ولم أكن أسعى إليها رغم حفظي للقرآن بقراءاته.

 

واذكر لأخي الحسيني أكثر من مرة أنه كان يرفع صوته أثناء تهجده ليلاً ليوقظنا في الغرفة للصلاة، وكانت رسائله تصل إلينا ونفهمها.

 

كسر وخلع

* أصبت أثناء السجن بكسور وخلع باليد والرجل.. فماذا حدث لك؟

** كُسرت يدي اليمنى وكانت أهون بكثير مما حدث بيدي ورجلي اليسري، فما زلت أعاني منهما حتى الآن، ففي يوم من الأيام ومن باب التريض كنا نمارس رياضة كرة الطائرة، وكنا جادين جدًّا في لعبنا، وكنت ألعب في الأمام على الشبكة، وكان يلعب في الفريق الآخر في نفس المركز أخي الحبيب محمد حافظ، وهو يتميز بالطول والعرض، وكان لديه فكرة أعلى مني في اللعب.

 

وفي إحدى الكرات التي قَفَزْتُ عليها نزلت خطأً على قدمي فالتوت تحتي وكسرت، وجاء الطبيب، وبقيت على السرير لفترة طويلة، كما كنت أصلي على الكرسي، وكانت سببًا رئيسًا في كسر ذراعي؛ نظرًا لأنها لم تكن قد اكتمل شفاؤها بصورة نهائية.

 

وفي إحدى المرَّات بعد صلاة العصر، طلبت من الأستاذ ياسر عبده أن يلعب معي "تنس الطاولة" وفي إحدى اللعبات التي كانت بعيدة عني حمِّلت على رجلي اليسرى، ونظرًا لأنها ضعيفة خانتني فوقعت وحمِّلت بجسمي كله على ذراعي الأيسر ووقعت على الأرض، فتسبب ذلك بخلع في الكوع، خاصة أن جسمي كان ممتلئًا وقررت بعدها عمل رجيم قاس.

 

وقد هرع إخواني لحملي وطلبوا المساعدة من إدارة السجن التي لم تُحضر الطبيب إلا بعد عدة ساعات، والذي تأخر بدوره في إحضار سيارة الإسعاف لتصل في الحادية عشرة أي بعد ما يقرب من 7 ساعات من الألم.

 

ووصلت إلى مستشفى قصر العيني في الثانية عشرة مساء تقريبًا، ثم بدءوا في إعادة وضع يدي إلى طبيعتها، بعد رفض الطبيب إعطائي البنج وسط صرخات وآهات كبيرة مني، لدرجة أن أكثر من 30 من الممرضين والأطباء والعساكر وضباط الحراسة يحاولون رد يدي ووضع تجويفها في مكانها الطبيعي.

 

دراسة

* على مدار 3 سنوات، درست إدارة الأعمال ونجحت وتفوقت.. كيف كانت الدراسة داخل السجن؟

** بعد دخولنا السجن وعلمنا معطيات القضية والتعامل الغريب معها أيقنت أن الأمر سيطول، فكان لا بد لنا من أول لحظة أن نستثمر كل لحظة بالسجن، وتحويلها من محنة إلى منحة؛ حيث انتقلنا من مرحلة الحركة الدائبة في الخارج إلى مرحلة أخرى جديدة، فبدأنا في وضع أهداف لنا، بدأنا نرتب كيف نعيش وكيف نتعامل، ووضعنا تصورًا للمرحلة القادمة.

 

وهذه ميزة تعلمناها من الإخوان، فقد علمنا الإمام البنا أن الأخ منظم في شئونه، كنا ننظم أمور يومنا، وكان من ضمنها أنني رتبت مع عدد من إخواني التقدم للدراسة والتعلم الأكاديمي.

 

كلمة أخيرة

 الصورة غير متاحة
 

* كلمة أخيرة.. ماذا تحب أن تقول؟

** أولاً.. أحب أن أشكر إخواني في الجماعة على ما قدموه من دعم لنا ولأهلنا داخل السجن وخارجه، وأقول لهم: إن الطريق طويل وله وحشة، وبالتالي فلا بد من الألفة ويجب أن تكون سمتنا، وألاَّ نتنازع فتذهب ريحنا.

 

واصبروا فإن الصبر مفتاح الفرج، والصبر جزاؤه الجنة، اصبروا كما صبر رسول الله وصحابته فسادوا العالم، فنحن إذا صبرنا سنسود العالم، ليس سيادة احتلال وإنما سيادة إعمار.

 

أما إخواني في القضية العسكرية.. فأقول لهم: صبرًا فإن الفرج قريب، وجزاكم الله عنا خيرًا، ومن مكث فله وقته الذي سيخرج فيه، والمهمة التي سيناط بها، وله وقته وميعاده، وليست القضية هي مدة، ولكن المدة أقتها الله لمهمة سيخرج كلٌّ منكم لها، وأسأل الله عزَّ وجلَّ أن يجعل هذا في ميزان حسناتكم.

 

وإلى بقية الناس أقول: جزاكم الله خيرًا على ما بذلتموه مع أولادي وزوجتي.