- صرخات المرضى الغلابى واستغاثاتهم لا تسمعها الحكومة
- د. أكرم الشاعر: جرائم الحكومة ضد الغلابى غير محدودة
- د. أحمد رامي: الدواء أصبح المستحيل الرابع في مصر
- د. حسن خليل: 2009م عام المرض والحزب الوطني متواطئ
تحقيق- محمد يوسف:
لا يخلو بيت في مصر تقريبًا من مريض بالقلب أو الكبد أو الفشل الكلوي أو السكري أو ارتفاع ضغط الدم، أو إنفلونزا الخنازير- الزائر الجديد- أو آلام الظهر والفقرات، الكثيرون يموتون في صمت، وتبقى الحسرة لأبنائهم وأزواجهم، يعانون مرارة الفقد وضيق العيش، وتقف الحكومة وحزبها "المتآمر" موقف المتفرج.
وتتعدد القصص والحالات الإنسانية الصعبة لمواطنين شرفاء منهم من رحل من دار الألم إلى دار البقاء، ومنهم من عاش يصارع المرض، فمثلاً الحاج فهمي العامل بمطابع مؤسسة صحفية قومية أصابه فيروس سي، ويعاني من دوالي المريء، وضيق بالشريان التاجي والصمام الميترالي نتيجة تعامله مع مواد كيماوية خاصة بمواد الطباعة- مثل "الزنكات وأفلام التصوير"- لم يتحمل مجموعة الأمراض تلك التي زاد عليها السكري وارتفاع ضغط الدم واستسقاء بالبطن، وانتهت رحلته مع الألم برحيله عن الدنيا.
![]() |
|
الأمراض تفتك بالشعب المصري!! |
ومن تلك القصص مأساة الحاج أمين الموظف بالمعاش والمصاب بفيروس "سي" أيضًا، يحكي معاناته في الحصول على عقار "الإنترفيرون"، أو"الرايبفيرون" الخاص بمرضي الكبد من معهد الكبد بقصر العيني: "أخرج من بيتي من الفجر حتى أستطيع حجز "دور" متقدم في الطابور، وأحضرت معي إفطاري وغدائي، وأتعرض لـ"تناكة" الممرضات والموظفين، الذين لا يراعون شيبتي ومرضي، أنا رجل كبير، قضيت عمري كله في الحكومة، "ومعاشي ما بيكفيش عيش حاف"، وربنا يتولاني".
وينتهي العام مع شبح فيروس إنفلونزا الخنازير؛ حيث أصبح الخوف رفيق المصريين تحسبًا لإصابة أحد أفراد المنزل بالفيروس، كما أشار إلى ذلك خالد (يعمل محاميًا)، والذي تحول عيد الأضحى عنده إلى كابوس بعد إصابة نجله الأصغر بحمى وارتفاع في درجة الحرارة، ذهب إلى مستشفى الحميات حيث لقي تعاملاً سيئًا من الأطباء والممرضات، فالكل يبتعد عنه خوفًا من العدوى بالفيروس سريع الانتشار، وفي النهاية استقبله أحد الأطباء وهدّأ من روعه وأجرى الكشف الطبي لنجله، وطمأنه أن الطفل لديه فقط "نزلة شعبية حادة".
ولاشك أن هناك آلافًا من مأسي المصريين، تتجلى بعضها في استغاثات وصرخات الأهالي إلى الإعلامي محمود سعد ووزارة الصحة وحالات التسول التي لا تخطئها عين في نواحي القطر كله، حيث المرض يحاصرهم ويحاصر أبناءهم، الكل في مرمى المرض واحد، وإن كانت إنفلونزا الخنازير- بحسب وجهة النظر الطبية وبتعريفها لدى منظمة الصحة العالمية- "إنفلونزا مستجدة"؛ فلدى المصريين من الكم الضخم من الأمراض والفيروسات المتوطنة التي جعلت المصريين "expired" منتهي الصلاحية.
وحتى الآن تجاوزت حالات الإصابة بإنفلونزا الخنازير 6 آلاف مصري، معظمهم بحسب البيانات الرسمية تم شفاؤهم، في حين تجاوزت أرقام الضحايا 125 حتى الآن و"ربنا يستر"، ولكن الأزمة التي يعيشها المصريون حقيقة هي حالة الرعب والفزع التي أصبحت تسيطر على برنامج حياتهم اليومي، فخروج أطفالهم للدراسة وذهابهم إلى أعمالهم في وسائل مواصلات يساعدان على انتشار مجموعة من الفيروسات القاتلة وليس فيروس "الخنازير" فقط، فضلاً عن حديث عن عمليات فساد شابت صفقة استيراد المصل الواقي وأصبح لسان حال المصريين "ملناش غيرك يا رب".
![]() |
|
د. عمرو قنديل |
ومع التصريحات الوردية للمسئولين الحكوميين عن تخصيص عشرات الملايين من الجنيهات كمخصصات للصحة؛ يكشف الدكتور عمرو قنديل وكيل وزارة الصحة عن مفاجأة من العيار الثقيل بعدما أكد أن 25% ممن يُجرون عمليات جراحية بالمستشفيات الحكومية، يصابون بفيروس الكبد الوبائي سي نتيجة انتشار العدوى بها، حيث إن فيروس "سي" يتحول من سالب إلى موجب (د) بين المرضى نتيجة ارتفاع نسبة العدوى داخل المستشفيات إلى 19%، وأكد أنه لا يوجد ميزانية مخصصة بوزارة الصحة لمكافحة العدوى داخل تلك المستشفيات.. والغلابى هم الضحية.
ويشدد الخبراء والمراقبون على أن هناك "مافيا" تتعامل مع نفايات المستشفيات من الأقطان الملوثة والشاش وعبوات الدواء الفارغة وإعادة تدويرها واستخدامها في صناعات بئر السلم، محذرين من خطورة الدِّبَبة والعرائس الرخيصة المصنوعة من مخلفات المستشفيات، فضلاً عن إهمال وزارة الصحة برنامج مكافحة العدوى، وافتقار العديد من المستشفيات الجامعية والحكومية لطرق مكافحة العدوى الآمنة.
أرقام مفزعة
وأثبتت نتائج المسح الصحي الذي أعلنه وزير الصحة في يونيو الماضي أن هناك 9 ملايين مصري مصابون بالالتهاب الكبدي الوبائي "سي"، أي ما يقرب من 11% من سكان المحروسة مصابون بمرض خطير, يتكلف علاجه عدة مليارات من الجنيهات سنويًّا، وفي إحدى ورش العمل الدولية عن انتشار الأمراض في مصر التي عقدت في الإسكندرية نهاية يوليو الماضي, كشف المشاركون فيها عن حقائق خطيرة منها أن 40 ألف حالة فشل كلوي و100 ألف إصابة بمرض السرطان تظهر في مصر سنويًّا, وأن أكثر من 3 آلاف طفل يدخلون مستشفيات الأطفال سنويًّا لعلاج مشكلات تغيير الأعضاء التناسلية, وأن مرض سرطان الثدي زاد في مصر في الفترة بين 1973 و1998م بنسبة 40%, وأن من بين مليون مصري يصاب 500 فرد سنويًّا بالفشل الكلوي, وهي نسبة عالية جدًّا مقارنة بالمعدلات العالمية.
وأرجع الخبراء هذه الأرقام الخطيرة إلى: تلوث البيئة، واستخدام الأسمدة والمبيدات الكيميائية في الزراعة، وتلوث المياه المستخدمة في الزراعة وتناول الوجبات المشبعة بالزيوت، وفي أحد التقارير التي قدمها مركز بحوث الصحراء عن حجم تلوث الزراعات في محيط مدينة العاشر من رمضان, تضمن بيانات علمية مذهلة نكتفي منه بهذه الفقرة: إن ارتفاع معدلات التلوث بمياه الصرف الصحي والصناعي بالمنطقة, والناتج عن مخلفات 1130 منشأة صناعية موزعة على 3 مناطق, يهدد حياة أكثر من 4 ملايين مواطن بمحافظات القاهرة والإسماعيلية والشرقية, وذلك بسبب تلوث منتجات هذه الأراضي بالعناصر الثقيلة التي تؤدي إلى تدهور نوعية التربة والمياه وعدم صلاحيتها للاستخدام في ري الأراضي لإنتاج محاصيل يعتمد عليها الإنسان والحيوان وتشكل كارثة بيئية.
![]() |
|
أزمات طاحنة تعصف بالشعب المصري والحكومة نسيت الفقراء |
ووفقا لإحصاءات منظمة الصحة العالمية حول معدلات الإصابة بالسرطان في مصر، حيث تمثل نسبة الإصابة بالمرض في مصر حوالي ١٥٠ حالة لكل ١٠٠ ألف نسمة سنويًّا، وتتراوح بين ١٠٠ و١١٠ آلاف حالة سنويًّا، وهو ما يهدد مصر بوضع صحي كارثي بحلول عام ٢٠٢٠م إذا استمر الحال كما هو عليه الآن في مجال مكافحة السرطان.
كما تؤكد الجمعية المصرية لتصلب الشرايين أن 5% من سكان مصر مصابون بأمراض القلب، و25% يعانون من ارتفاع ضغط الدم، و12% مصابون بمرض السكري، و20% لديهم نسبة الكولسترول أعلى من معدلاتها الطبيعية، وطبقًا لإحصائية عن معهد أمراض القلب فإن المعهد أجرى 18 ألف عملية جراحية في القلب لشباب في سن العشرين، هذا فضلاً عن انتشار أمراض الشيخوخة المبكرة.
أزمة حقيقية
وفي ظل تلك الأرقام المخيفة نجد أن الشعب المصري يعيش أزمة كبيرة، وهو ما يمكن أن تلاحظه حين تنظر في وجوه الناس، فستجد أنهم مأزومون غير سعداء، محبطون مجهدون، يظهر عليهم الضيق والإعياء والانكسار، وأعراض الإصابة بأمراض الكبد والكلى، وستجد قليلين منهم سعداء أو مبتسمين، وإذا فتحت التليفزيون أو قرأت الصحف فسوف يهولك كم الحديث عن الأزمات في السياسة والاقتصاد والتعليم والرياضة والخطاب الديني والفتن الطائفية، وغيرها كثير، وهو ما يصيب الناس بحالة شديدة من الإحباط والقهر وفقدان الأمل وقلة الحيلة.. وأخيرًا المرض.
(إخوان أون لاين) استطلع آراء الخبراء والأطباء حول أزمة المصريين مع القطاع الصحي، ومدى تأثير الممارسات الحكومية في حق المريض في الحصول على الدواء، ومحاولات تخلي الحكومة عن دورها في تقديم الخدمات الصحية، وقانون التأمين الصحي المزمع إقراره بمجلس الشعب قريبًا..
مذبحة التأمين
يصف الدكتور محمد حسن خليل استشاري القلب (منسق تجمع الدفاع عن الحق في الصحة) عام 2009م بأنه عام المرض بلا منازع، فمن لم يشتكِ من الكبد والقلب والسكر والضغط يكفيه أن يشتكي من المياه المخلوطة بمياه المجاري، أو الهواء الملوث "الكل في الهوا سوا"، مشيرًا إلى أن الحكومة رفعت يديها عن دعم القطاع الصحي، وتركته عرضة لاستغلال رجال الأعمال والمنتفعين، وأنه في مصر الآن فريقين أو قُطْبَين الأول نسي مصالح البسطاء وتدعمه الحكومة، والثاني تحالف شعبي يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والشعب في الوسط مطحون.
ويضيف أن الحكومة تحاول في هذه الأثناء تمرير مشروع قانون "مذبحة" التأمين الصحي قبل انتهاء الدورة البرلمانية الحالية، مشيرًا إلى أن الحكومة ترفض النشر أو الإعلان عن تفاصيل المشروع، قائلاً: وعلمنا من مصادر داخل مجلس الدولة أنه تم عرض مشروع القانون في أكتوبر الماضي للاطلاع عليه وإعداد تقرير بشأنه صدر مؤخرًا في ديسمبر الجاري، أعلنوا فيه عن رفضهم له لتناقضه مع القانون والدستور والمساواة والكفالة الاجتماعية التي يكلفها القانون للمواطنين.
ويشير إلى أن الحكومة تحاول جاهدة تحويل القطاع الصحي إلى جهة ربحية بمحاولة استصدار قرار بإنشاء الشركة المصرية القابضة للرعاية الصحية بقرار من رئيس الوزراء رقم 637 لسنة 2007م ما دفع البعض إلى إقامة دعوى قضائية أمام القضاء الإداري لوقفه، استشكلت ضده الحكومة، ولكن القضاء أصدر قرارًا في 24 نوفمبر الماضي برفض استشكال الحكومة وهيئة التأمين الصحي، ووقف تنفيذ قرار إنشاء الشركة، ورغم ذلك تواصل الحكومة مشاريعها دون اعتبار مصالح البسطاء، ويبقى المرضى بين مطرقة التواطؤ الحكومي وسندان شراسة المرض.
عشوائية
د. أكرم الشاعر

ويؤكد النائب الدكتور أكرم الشاعر عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين (عضو لجنة الصحة) أن القطاع الصحي في مصر يسير في طريق عشوائية التنفيذ والتخطيط، مستغربًا استمرار الرفض الحكومي والمتكرر لإنشاء مجلس أعلى للصحة ينظم إدارة العملية الصحية، في ظل ضعف الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين، وندرتها في أماكن عديدة، ما يجعل المصريين في خطر.
ويتهم النائب حكومة الحزب الوطني بالمسئولية عن حالة التدهور البيئي والصحي، مشيرًا إلى أن ما وصل إليه أهالي قرية البرادعة في محافظة القليوبية واختلاط مياه الشرب بالصرف الصحي وإصابة العشرات منهم بالحمى التيفودية جريمة تُحاسب عليها الحكومة، وليست تلك الجريمة الأولى، فهم المسئولون عن إصابة المصريين بالفشل الكلوي وفيروس "سي".
ويري أن الكبد المصري لا يزال يئن من الإهمال الحكومي مع استمرار الجدل حول جدوى عقاري "الإنترفيرون" أو"الرايبفيرون" وعدم صدور بيان رسمي يوضح ما تناقلته مصادر علمية عن إصابة عدد من المرضى بضعف في الإبصار وأعراض جانبية أخرى من العقار "الرايبفيرون"، ومتهمًا الحكومة بالفشل الكبير في التعامل مع أزمة إنفلونزا الخنازير؛ حيث كان العنف غير المبرر والإهمال المتعمد والقرارات المتسرعة هي سيد الموقف، وتظل الحقيقة غائبة حول المصل الواقي من الفيروس وأعراضه الجانبية، محذرًا من خطورة ارتفاع وتيرة الأمراض النفسية في ظل حالة الكبت السياسي والفقر وارتفاع الأسعار والبطالة، الأمر الذي ينذر بكارثة ما لم تنتبه الحكومة.
مستقبل مخيف
د. أحمد رامي

وفي نفس السياق يحذر الدكتور أحمد رامي عضو مجلس نقابة الصيادلة من تعرض المواطنين لأزمة كبيرة مع ما يتم تداوله عن إقرار قانون التأمين الصحي الجديد، مضيفًا أن المواطن البسيط الآن أصبح غير مطمئن على مستقبل دوائه مع سوء خدمات هيئة التأمين الصحي وضعفها، بالإضافة إلى تزايد احتمالية ارتفاع شديد في أسعار الأدوية خلال الفترة القادمة بسبب قرار الدكتور حاتم الجبلي رقم 373 لسنة 2009م الخاص بتحرير أسعار الأدوية بنسبة تصل إلى 300% بسبب تحكم الشركات العالمية في تحديد سعر الخامة التي ينتج منها الدواء.
ويشير إلى أن هناك دراسة أعدتها نقابة الصيادلة بالغربية عن الآثار المترتبة على قرار وزير الصحة الأخير 373 لسنة 2009م الذي بموجبه يتم رفع أسعار الأدوية الجنيسة (المماثلة) في مصر أن متوسط السعر الحالي للدواء الجنيس (المماثل) بالنسبة للدواء الأصلي 41.3%، وأن متوسط الزيادة السعرية بعد قرار الوزير 199%، وأن تقدير سعر الدواء الأصلي على أساس 10% أقل من سعره في البلاد التي يتم فيها تداول المستحضر دون مراعاة متوسط الدخل في هذه البلاد مقارنًا بمتوسط الدخل الضعيف في مصر، وأن رفع سعر الدواء الأصلي يرفع بالتبعية سعر المستحضر الجنيس (المماثل).
ويطالب بضرورة تشكيل مجلس قومي أو هيئة مستقلة لتسعير الدواء تراعي سعر المادة الخام، وربح الصيدلي والموزع، والظروف الاقتصادية والاجتماعية، والقوة الشرائية للعملة الرسمية، مشددًا على ضرورة عدم الفصل بين تسعير الدواء عن منظومة النظام الصحي في مصر، والتأكيد أن صحة المواطن والدواء خطان أحمران لا يمكن تجاوزهما لصالح رءوس أموال هدفها الربح فقط.


