- 2 مليون مصري عاطل 15% منهم يُقبِلون على الانتحار
- طبيب تخرَّج منذ 7 سنوات ويعمل سائقًا على سيارة نقل
- د. أبو العزايم: 2009م عام تردد المواطنين على العيادات النفسية
- د. سوسن فايد: قطار الأزمات يتفاقم والبطالة تخلق التمرد
تحقيق- إيمان إسماعيل:
"نفسي أشتغل، وألاقي عمل في مجالي، وأحقق أحلامي، ولأني مصري ويحكم بلادي الحزب الوطني فالحزن طَبْعي، والاكتئاب سمتي، والبؤس شعاري، والابتسامة لا تزورني، والتردد على الأطباء النفسيين سبيلي، وطالما فشلت في أن أتفنن وأختار حياتي، فقررت أن أُقبِل على الانتحار".. هذا هو لسان حال أكثر من 2 مليون مصري يعانون من البطالة، بحسب تقرير للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الذي أوضح أن عددَ العاطلين الذين يطلبون عملاً ولا يجدون؛ بلغ 2 مليون و346 ألف فرد.
وفي يوليو 2009م أفاد تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية للعام 2009م بأن هناك 65 مليون عربي يعيشون في حالة فقر، مشيرًا إلى أن البطالة تعد من المصادر الرئيسية لانعدام الأمن الاقتصادي في معظم البلدان العربية، وتصدرت اليمن ومصر الدول الفقيرة بنسبة 59.9% و41% على الترتيب.
وكانت النتيجة الطبيعية لمعدلات البطالة تلك أن بدأت تطفو على السطح- في الآونة الأخيرة- ظاهرة غريبة على المجتمع المصري المعروف بتدينه الفطري، وهي زيادة معدلات الانتحار، والتي أوضح نسبتها الدكتور أحمد عكاشة رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي أنها بلغت في البلاد الإسلامية إلى 10 أشخاص من بين كل 100 شخص، حتى إن صفحات الحوادث ضاقت من نشر وقائع حالات الانتحار من جميع طوائف المجتمع وعلى أتفه الأسباب.
فمنهم من قتل بسبب الفقر وقلة الحيلة، وآخر ينتحر شنقًا للهرب من الغلاء الفاحش، وأخرى تنتحر بسبب مصروف البيت، وثالث فشل في الحصول على عمل فقرر الانتحار، وتاجر آخر دفعته ديونه للانتحار، ورجل ينتحر بإشعال النار في جسده لمروره بضائقة مالية، وشاب يبلغ من العمر 27 عامًا شنق نفسه بعدما فشل في مصالحة زوجته التي تركته بسبب الظروف المادية الخانقة، وأب ينتحر بعدما أخبرته طفلته الصغيرة أنها في حاجة إلى فستان جديد!
وتشير دراسات أمنية مصرية إلى ارتفاع نسبة الشباب المصري الذي يُقبل على الانتحار؛ حيث تشير إلى أن عام 2009م شهد ما يزيد عن 3 آلاف بلاغ بانتحار أصحابها؛ معظمهم من الشباب في سنٍّ لا تتعدَّى 40 عامًا، ومعظمهم من العاطلين الذين لم يجدوا فرصة عمل، أو من الذين فشلوا في تحقيق حلم حياتهم بالزواج لنقص الإمكانيات الاقتصادية والاجتماعية.
![]() |
وليست البطالة في كل الأحيان تدفع بأصحابها إلى الانتحار، فهناك من يدخل في أمراض نفسية أخرى، والتي قدرها المسئول الأول عن صحة المصريين النفسية الدكتور ناصر لوزة، في تصريح سابق له بأن عدد المرضى النفسيين في مصر يبلغ 14 مليون مصري.
وعلى رأس تلك الأمراض النفسية وأكثرها ألمًا هو الاكتئاب الجسيم، فقد بات الاكتئاب لدى المصريين يسابق الريح، فنسبة المصابين بهذا المرض في العالم تخطت ١٤٠ مليون شخص، بينما يقدر عدد المصابين به في مصر بنحو ١.٥ مليون شخص، منهم 15% يلجئون للانتحار، وفق الإحصائية العلمية للجمعية العالمية للطب النفسي.
وأمام تلك الأرقام والإحصائيات، عايش (إخوان أون لاين) فئات مختلفة من المواطنين، ناقلاً بعض قصص معاناتهم من البطالة وضيق الحال، ومرورًا بحالة نفسية سيئة دفعت بهم إلى التردد على الأطباء النفسيين، وباحثًا مع الأطباء والمتخصصين عن أسباب وسبل العلاج لتلك الظواهر.
طبيب يعمل سائقًا
التقينا أحمد صبري ذا الـ30 عامًا، وتلك هي قصته الدامية كما يرويها هو قائلاً: "درست بكلية طب الأسنان وعانيت حتى تخرجت بسبب التكلفة المرتفعة لمصاريف الجامعة، وكنت طوال الخمس سنوات أصبر نفسي وأحلم باليوم الذي سأتخرج فيه وتكون لي عيادتي الخاصة، وأكون فيها طبيبًا مشهورًا متميزًا في عملي، ولكن ما إن تخرجت حتى صدمت بالواقع المر، فتكاليف إيجار شقة بدون تجهيز العيادة يتعدى الـ1000 جنيه، فضلاً عن أسعار الأدوات الطبية الخارق، فصرفت نظرًا عن عيادة خاصة، وأجَّلت ذلك الحلم، وقلت أبحث عن عمل بأحد المستشفيات الحكومية".
ويستكمل قائلاً: "ظللت طيلة 3 سنوات أبحث إلا أن الرد دائمًا ما كان يأتيني "عندنا اكتفاء ذاتي"، وعلمت بعدها لأني ليس لدى واسطة فلن يتم تعييني مهما كان، وبدأ وقتها الإحباط يتسرب إليّ شيئًا فشيئًا، فقلت أبحث عن أي عمل في مجال آخر من تسويق أو مبيعات، ولكني حتى تلك لم أجدها، وآخر ما قررت فعله هو السفر إلى السعودية مع اثنين من أصدقائي؛ لعلي أجد حالاً أفضل بعد مرور أكثر من 7 سنوات ولم أعمل فيها، وأقوم بالحصول على المال اللازم من أبي وأمي بعد تذلل".
ويضيف: "صرفت أموالاً طائلةً حتى أقوم باستخراج "الفيزا" لكن كانت الصدمة الكبرى أني لم أجد أيضًا عملاً هناك لوضعهم شروطًا خارقةً، وما وجدته هو أن أعمل سائقًا لنقل وقت موسم الحج مقابل 50 جنيهًا في اليوم، وبمجرد انتهاء موسم الحج تمَّ الاستغناء عني وعدت كما كنت بلا عمل، على الرغم من مرور أكثر من 8 سنوات على تخرجي ففقدت الأمل في كل شيء".
إحباط
محمد 28 عامًا خريج كلية التجارة جامعة حلوان، يقول إنه حتى ذلك الوقت لم يعثر على عمل ثابت، فهو تدرب لمدة 3 شهور كمحاسب في أحد البنوك، ورغم أنه عمل في تلك المدة بلا مقابل، وحان موعد تعيينه بمقابل 1000 جنيه، إلا أنه تم الاستغناء عنه، ليس لعدم كفاءته ولكن لوجود من هو أصغر منه وأقل منه خبرة، وبالتالي سيحصل على مرتب أبسط منه بكثير قد يصل إلى 400 جنيه فإدارة البنك قررت التضحية بالخبرات من أجل التوفير.
![]() |
ويضيف أنه توجه للعمل في أحد الأماكن الأخرى غير مجال تخصصه؛ ولكنه وجد أن راتبه لن يتعدى الـ120 جنيهًا فرفض؛ لأنه لن يغطي تكلفة تنقله بالمواصلات"؛ ويقول إنه مؤخرًا تفوَّق بجدارة في امتحانات الـ(ICDL) الخاصة بمجال الكمبيوتر، حتى إن الأساتذة أشادوا ببراعته، وإمكانية تدريسه للطلبة معهم، إلا أن الكثير قال له إنه لن يتم قبوله؛ نظرًا لعدم قيده بشكل رسمي ولعدم بدئه السلم من أوله.
فيقول إنه أحبط إحباطًا شديدًا منذ وقتها؛ حيث إن مجال دراسته لا يجد به عملاً، والمجال الذي برع فيه بشهادة أساتذته لا يجد عملاً فيه أيضًا، وحتى إنه كلما يخطر في باله شكل حياته مستقبلاً وإلى أين هي ماضية يوقف تفكيره نهائيًّا لعدم وجود إجابة لديه، فالآن أهله أجبروه على الذهاب إلى طبيب نفسي كل أسبوع، بعدما أصبح لا يخرج من منزله تمامًا ولا يقابل أصدقاءه، ولا يرغب في فعل شيء مطلقًا، ولم يعد يجد للحياة طعمًا.
رجيم قهري!
كريم فتحي 35 عامًا، بكالوريوس خدمة اجتماعية تخرَّج بعد 6 سنوات دراسة في جامعة عين شمس؛ بسبب ظروف صحية سيئة مر بها، ولكنه تحداها بكل همة وتخرَّج وكل ما يمني به نفسه هو الوظيفة التي رسمها في مخيلته، وتقدَّم بالفعل للعمل في عدة شركات ومؤسسات حكومية وغير حكومية، ولكن حاله لم يختلف كثيرًا مع سابقيه، فعلم أنه يتوجب عليه للحصول على عمل إما واسطة أو خبرة وكلتاهما ليستا متوفرتين لديه؛ لأنه لم يعمل من قبل حتى يحصل على تلك الخبرة، وأرسل سيرته الذاتية في شركات عدة ولكن النتيجة كالمعتاد لا يجيبه أحد.
وحتى إنه عندما قبلت شركة مبيعات أن تعينه لم يمكث فيها سوى 5 أشهر ونتيجة لضائقة مالية مرت بها الشركة تم الاستغناء عن 5 عمال كان هو من ضمنهم؛ ما أدى إلى انهيار أحلامه في لحظات مرة أخرى.
فتحي الآن يتعالج في مصحة نفسية بعدما ساءت حالته النفسية، وأصبح لا يحدث أحدًا وبدأ يتبول على نفسه لا إراديًّا، ونقص وزنه من 87 إلى 60 كيلو، فضلاً عن أنه أقبل على الانتحار أكثر من مرة نتيجة تلك الظروف وبعدما يئس من الحياة، إلا أن أهله أخبرونا عن أن حالته بدأت تستقر بعد 3 سنوات من العلاج بلا أثر، ولكنه لا يرغب في أن يحدث أحدًا؛ لأنه لا يجد للكلام نتيجة أو أي أثر.
أحلااااام.. ولكن!
إبراهيم مصطفى يقول: "منيت نفسي كثيرًا بالوقت الذي سأتخرج فيه، وكنت أحلم بذلك اليوم دومًا، وبالفعل جاء اليوم وتخرجت من كلية فنون جميلة بعد دراسة دامت 5 سنين، ولكنه اكتشفت أن التخرج لم يفدني بشيء، وأن ورقة التخرج حالها حال أي ورقة ثانية عندي في البيت"!
ويضيف أنه تقدم في وظائف عديدة في مجاله ولكنه يئس أن يجد، فبدأ يبحث في غير مجاله، وكلما تقدَّم لإحدى الوظائف تكون الإجابة بأن الراتب لن يتعدى الـ250 جنيهًا لـ6 أيام عمل في الأسبوع، لعدم وجود الخبرة.
فيعلق مستنكرًا "شهادة تعبت فيها 5 سنوات، وسأعمل في غير تخصصي 6 أيام في الأسبوع، وسأحصل في النهاية على 250 جنيهًا، وحتى عندما قمت بسؤالهم؛ هل الراتب ستتم زيادته وجدت الإجابة "على حسب أدائك وربنا يسهل ولكن بعد مرور 3 شهور تثبت فيها كفاءتك سيكون راتبك 320 جنيهًا".
ليس مجالي يا عالم!
سالم محمود لديه شهادة بكالوريوس هندسة معمارية، وأقصى أمانيه كانت أن يتوظف في عمل حكومي، ولكن بمجرد التخرج غير تفكيره وقبل العمل في شركات خاصة ليست في مجاله نهائيًّا، ولأن الكثير أخبروه أن العمل الحكومي لا يقبل سوى بالواسطة، ويضيف أنه عمل في شركة استشارات خاصة ولكن ليس في نفس مجال تخصصه المعماري، بل أجبر على النزول إلى مواقع البناء، وأخبره أن ذلك سيكون بشكل مؤقت لسد عجز في تلك المكان، واستحملت لمدة سنة، وعلى الرغم من ذلك تم الاستغناء عني لعجز في ميزانية الشركة، وتم إغلاقها نهائيًّا، وإلى الآن مر أكثر من سنتين ولا أجد عملاً، وأحصل على المال اللازم من عمل خاص يأتيني من الأصدقاء بشكل ودي كل 5 أشهر أتقاضى عليه 1000 جنيه أو أكثر قليلاً، وأظل بعدها 7 أشهر بلا عمل وهكذا.
منفذ للتنفيث!
على جانب الخبراء يوضح الدكتور مصطفى أبو العزائم، استشاري الطب النفسي أنه مهما بلغت معدلات سوء الحالة النفسية في مصر ومعدلات الاكتئاب، إلا أنها ما زالت قليلة مقارنةً بمعدلات المجتمعات الغربية، مشيرًا إلى أن الشعب المصري يثبت يومًا بعد يوم أنه شعب مسالم ومهادن، ويستطيع العيش تحت الضغوط مهما تكالبت عليه.
ويؤكد د. أبو العزائم أن رغم ذلك إلا أن أعداد المترددين على الأطباء النفسيين تشهد زيادة كبيرة جدًّا كل عام عن سابقه، وبالأخص في عام 2009م الذي شهد ترددًا غير عادي على العيادات النفسية، مشيرًا إلى أن التقلبات المالية في السوق والأزمة المالية العالمية زادت من معدلات الاكتئاب المزمن لدى الشعب المصري.
ويوضح د. أبو العزايم أنه على الرغم من أن الشعب المصري شعب متدين، ولا تعد ظاهرة الانتحار ظاهرة تميزه، إلا أن المقبلين على الانتحار وزيادة معدلاتهم بنسبة طفيفة تعود إلى ضعف الوازع الديني، والضغوط التي تمارس عليه بشكل مكثف، فضلاً عن دور الجانب الإعلامي في تعميق فكرة الانتحار لدى الشباب، وتوصيله بأشكال جديدة متنوعة.
ويفند د. أبو العزايم ملامح تلك الظاهرة، مشددًا على ضرورة وجود وسيلة للتنفيث عن تلك الضغوط، ملمحًا إلى أن أفضل تلك الوسائل، والتي تعامل بها بشكل شخصي وأثبتت نجاحها بشكل كبير، هي مداومة ذكر الله والصلاة، ومحاولة رفع الوازع الديني، والتوكل على الله إعمالاً لقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: من الآية 28).
بطالة.. ففراغ.. فانتحار!
وتعلق الدكتورة سوسن فايد أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، وخبيرة علم النفس بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية قائلةً: إن الأزمات في المجتمع المصري تزداد عمقًا يومًا بعد يوم، على رءوس المواطنين؛ لعدم وجود حلول لتلك الأزمات، ولأن قطار الأزمات يتفاقم ولا يقف عند حد معين، مشيرةً إلى أن ضعف الإيمان والوازع الديني هو ما يخلق إنهاكًا لقوى الفرد ويشل تفكيره بشكل تام، ويدخله في حالة من الإحباط التام.
وعن تفاقم أبعاد مشكلة البطالة وتأثيراتها توضح د. سوسن أن حالات الانتحار والتفنن في أدائها موجودة في سن الشباب أكثر؛ لاعتقادهم أنهم بذلك يبحثون عن الموتة المثلى التي لا يوجد بها عذاب، وسيذهبون بها إلى الراحة، مؤكدة أن الفراغ الفكري والنفسي الناشئ عن البطالة هو سبب اللجوء إلى الحالات النفسية السيئة واللجوء إلى الانتحار والتفنن فيه.
وتوضح أن تلك البطالة تخلق نوعًا من أنواع التمرد لدى الفرد لإهدار أبسط حقوقه، ولعدم وجود فرصة لتحقيق طموحاته وأحلامه، فبالتالي ينمو العنف لديه، ويتضاعف وفقًا لتأثره بتلك الضغوط وعدم وجود مدعم، مختتمة حديثها بأن الأمل يتجدد في عام 2010م بأن يكون هناك تعديل حقيقي وبداية لفكر مخلص لتصحيح الأوضاع؛ لأن الناس في تعطش دائم لحياة مريحة وجديدة.

