مع قدوم عام جديد لا بد لنا من أن نستعرض ونرصد لأهم ما تم فيه من أحداث أثرت في العمل الإسلامي على وجه العموم ونحاول من خلاله بيان الوضع العام في مختلف المجالات ومدى انتشاره والأسباب التي تساعد على ذلك، أو ما قد يؤدي إلى انحساره.

 

أولاً: المد الإسلامي في دول العالم بين الانتشار والانحسار والجمود:

شهد عام 2009م كثيرًا من التحديات التي واجهت الإسلام والمسلمين في كل بقاع الأرض شرقًا وغربًا، وذلك بسبب الانتشار المتزايد للإسلام وسط البلاد الغربية والشرقية على السواء.

 

فقد شهد هذا العام محاولة تحجيم هذا المد بسن القوانين التي تحجم هذا المد، كقانون حظر الحجاب والنقاب، وحظر المآذن بسويسرا، أو العنصرية ضد أهله كالتحرش بالمسلمين أو التعدي عليهم وعلى مؤسساتهم، مثلما حدث لمروة الشربيني أو للمسلمين بالصين والهند وغيرها من الدول.

 

فمن خلال هذا التحدي نتساءل هل الإسلام في انتشار متزايد أو في انحسار أم ما زال الغرب ينظر إليه على أنه دين جامد لا يساير الواقع.

 

الواقع يؤكد أن الإسلام عام 2009م، شهد انتشارًا كبيرًا في كثير من الدول، وشهد إقبالاً كبيرًا من الناس، فقد جاء في تصريح الكردينال "فرانك روديه" في لقاء معه عبر إذاعة "صوت الفاتيكان"- بأنه في زيارته إلى "البوسنة" في الفترة ما بين 19 إلى 21 يونيو 2009م، قد وجد أن "سراييفو" في طريقها إلى الأسلمة، كما أشار إلى أنه في الأعوام الماضية قد تم بناء 100 مسجد جديد.

 

يشار إلى أن الدول الأجنبية خاصة الأوروبية تشهد في الفترة الأخيرة، دخول أعداد كبيرة في الإسلام، حيث كشفت دراسة أجراها المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا مؤخرًا، عن أن عدد المسلمين المقيمين في أوروبا يزيد على 53 مليون نسمة، وأنهم منتشرون بنسب متفاوتة في دول الاتحاد الأوروبي، حيث تراوح عدد المسلمين مثلاً في ألمانيا عام 2009 ما بين 3.8 و4.3 ملايين نسمة يشكلون نسبة 5%.

 

وتشهد ألمانيا في السنوات الأخيرة تزايدًا ملحوظًا في الإقبال على اعتناق الإسلام من قبل المواطنين الألمان، ويعزو البعض ذلك إلى كثرة الحديث حول الإسلام في وسائل الإعلام الأمر الذي يدفع المواطنين إلى دراسة وتعلم المزيد عن الإسلام، ويوجد في ألمانيا حوالي 400 هيئة ومؤسسة إسلامية، وعشرات من المراكز الإسلامية، وتشير التقديرات الرسمية إلى وجود 2500 مصلى في ألمانيا، الكثير منها هي عبارة عن مجرد غرفة لأداء الصلاة. ويوجد في ألمانيا فعليًا 147 مسجدًا حاليًا.

 

وكما جاء في تقرير أن الصحف العالمية الصادرة في الأول من ديسمبر من هذا العام تؤكد سرعة تنامي الإسلام وانتشاره في سويسرا هي السبب الرئيسي الذي دفع نحو 60% من الشعب السويسري للتصويت تأييدًا لطلب حظر بناء مآذن المساجد هناك.

 

وتساءلت مجلة (دير شبيجل) الألمانية في نسختها بالإنجليزية على الإنترنت عن الأسباب الحقيقية التي دفعت السويسريين إلى التصويت ضد بناء المآذن في سويسرا على الرغم من وجود أربع مآذن فقط بسويسرا في حين يصل عدد المساجد هناك إلى 160 مسجدًا.

 

وقالت إن كافة استطلاعات الرأي كانت تشير إلى أن السويسريين سيرفضون حظر بناء المآذن إلا أن نتائج التصويت والتي أظهرت معارضة أكثر من 57% من السويسريين لبناء المآذن تؤكد نجاح الدعاية الموجهة ضد الإسلام في إقناع السويسريين برفض أي شيء يكون في مصلحة المسلمين.

 

واعتبرت المجلة أن رسم صور نساء مسلمات منتقبات تقف بجوار مآذن تشبه الصواريخ ونشرها في كافة أنحاء سويسرا ربما هي التي أرعبت السويسريين الذين خافوا من انتشار الإسلام في بلدهم؛ حيث وصل عدد المسلمين هناك إلى 400 ألف مسلم.

 

ولقد شهد عام 2009م حدثًا دعويًّا قويًّا يدل على مدى إقبال الناس على الإسلام ومدى قبولهم له إذا قام أبناؤه بحسن عرضه وتغيير الصورة التي رسمها الإعلام الغربي.

 

ففي يوم الجمعة 25 سبتمبر 2009م قام 8 آلاف مسلم بالصلاة أمام مبنى الكونجرس الأمريكي؛ حيث قاموا بافتراش سجاجيد وسترات وأغطية وقاموا بأداء الصلاة.

 

كما شهدت السجون الأوروبية موجة إسلامية جديدة أقوى من مثيلتها خارج القضبان، فأعداد المسجونين الذين يرغبون في دخول الإسلام يزداد يومًا بعد يوم بصورة لافتة للنظر، مما أثار الرعب والهلع داخل الأوساط الأمنية الغربية، وتحذيرهم من تنامي التيارات الأصولية الإسلامية داخل السجون كما يدعون، وهذا ما حذر منه تقرير أخير للمخابرات الفرنسية حول انتشار الإسلام بصورة كبيرة بين السجناء الفرنسيين.

 

وأظهر استطلاع للرأي نشرته صحيفة (لوباريزيان) اليومية الفرنسية أول ديسمبر، أن 54% من الفرنسيين يرون أن الإسلام يتوافق مع أسلوب الحياة في المجتمع الفرنسي.

 

وقال 14% من المشاركين في الاستطلاع: إن الإسلام يتوافق تمامًا مع أسلوب الحياة في المجتمع الفرنسي، بينما رأى 40% أنه متوافق إلى حد كبير مع المجتمع الفرنسي، و19% قالوا: إنه غير متوافق إلى حد كبير مع المجتمع الفرنسي، في حين رأى 21% منهم أن الإسلام غير متوافق على الإطلاق مع المجتمع الفرنسي.

 

ومن أسباب انتشار الإسلام:-

1- الإسلام دين الفطرة والتوحيد.

2- دراسة القرآن الكريم.

3- القدوة الحسنة.

4- شمول وتوازن المعمار الإسلامي.

5- احترام الإسلام للرسل.

6- الانبهار بجوانب خاصة من المعمار الإسلامي الكبير.

7- غياب الوساطة بين الخلق والخالق، أو صكوك الغفران.

8- الاطمئنان النفسي وتحقيق إنسانية الإنسان.

وبالرغم من هذا الانتشار السريع ما زالت حكومات الغرب تضطهد المسلمين هناك، فالحكومات تقوم بمحاربة المتدينين وإغلاق المساجد ومنع الناس من دخولها لأداء الصلوات المفروضة ومنع الناس من الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان إلا بتصاريح خاصة من الجهات الأمنية. ومنها القرارات الحكومية التي صدرت بإغلاق آلاف المعاهد والمدارس الدينية وتوقيف آلاف الخطباء ومنعهم من الخطابة وتغيير المناهج الدراسية استجابة لمطالب القوى الكبرى والهدف هو تجفيف منابع الإرهاب كما يقولون.

 

ومن مظاهر محاربة الشعائر الإسلامية القرارات الرسمية التي صدرت في بعض الدول بمنع رفع الآذان في الكثير من القنوات التليفزيونية.

 

ومن مظاهر محاربة المظاهر الإسلامية منع المرأة المسلمة من لبس الحجاب في بعض الدول والتضييق على المحجبات والمنتقبات وفي المقابل توفير الحماية الكاملة للسافرات وشبه العاريات!

 

ومنها تدخل الجهات الحكومية في تحديد بدايات ونهايات بعض الشهور الهجرية وهذا الأمر يتكرر كل عام عند استطلاع هلال شهري رمضان وشوال وشهر ذي الحجة أيضًا وبات هذا الأمر خاضعًا لأهواء الساسة وأمزجتهم.

 

وما زال المسلمون يعملون على محاولة تحسين الصورة السيئة التي رسمها لهم الإعلام الغربي.

 

ثانيًا: الراحلون عام 2009م:

لقد رحل عن عالمنا في عام 2009م عدد من الدعاة ومن العاملين في الحقل الإسلامي، فقد رحل:-

1-  المجاهد علي نعمان:

والمجاهد علي نعمان أحد الذين التحقوا بدعوة الإخوان المسلمين وبايع الإمام البنا، وكان ضمن المجموعة التي ذهبت لحرب فلسطين حيث حارب ضد اليهود عام 1948م، ضمن الكتيبة التي كان على رأسها المجاهد كامل الشريف ومحمد فرغلي.

 

اعتقل ضمن المجاهدين بعد حل الجماعة وعودتهم من فلسطين، وبعد خروجه ظل مع إخوانه مترقبًا حتى حرب القنال عام 1951م حيث شارك فيها حتى انتهت.

 

اعتقل عام 1954م، وأصيب برصاص في وجهه في مذبحة طرة سنة 1957م التي نظَّمها قادة سجون عبد الناصر للإخوان داخل هذا السجن.

 

ثم اعتقل عام 1965م، وبعد خروجه في السبعينيات ظل على عهد بدعوته حتى توفاه الله يوم الأربعاء 2/12/2009م.

 

2-  المجاهد منير عبد الوهاب غلاب:

والحاج منير غلاب من قيادات الإخوان بشبرا وشمال القاهرة، وهو من مواليد عام 1928م، ومن الرعيل الأول لجماعة الإخوان المسلمين، وتربَّى على يد الإمام حسن البنا، وشارك في حرب فلسطين، ومن أشهر معاركه ضد الصهاينة "معركة التبة 86"، وتمَّ اعتقاله بعد حرب فلسطين، واعتقل في عام 1954م، وحُكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات.

 

عاش الحاج منير غلاب طيلة حياته وسط الإخوان، وعمل في مجال الجمعيات الأهلية؛ حيث عمل أمينًا لصندوق جمعية شريف الإسلامية بشبرا، ثم رئيسًا لمجلس إدارة جمعية الكردي بروض الفرج، وكان محطة مهمة لكل الأحزاب والقوى السياسية؛ لكي يتفاوضوا معه نيابةً عن الإخوان، وقبيل انتقاله إلى المستشفى كان حريصًا على الوجود وسط الإخوان، ولم يتخلف عنهم أبدًا، وتوفي يوم 27/9/2009م.

 

 

 الصورة غير متاحة

 أ. محمد هلال

3-  الأستاذ محمد هلال:

 

من مواليد 18/8/1920م، بمحافظة الدقهلية وتخرج في كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًّا)، وانضم لجماعة الإخوان منذ عام 1943م، وتم اعتقاله أكثر من مرة، وتولى مسئولية القائم بمنصب المرشد العام بعد وفاة المستششار المأمون الهضيبي ولحين انتخاب المرشد الحالي الأستاذ مهدي عاكف، كما أنه عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين منذ ما يقرب من 15 عامًا. وتوفي يوم الإثنين 21/9/2009م عن عمرٍ يُناهز التسعين عامًا.

 

4-  الداعية محمود عيد:

رحل الداعية محمود عيد- رحمه الله- الذي ظل خطيبًا لمسجد السلام باستانلي بمدينة الإسكندرية لفترة طويلة، ووصفه العلامة يوسف القرضاوي في مذكراته بقوله: الواعظ البليغ والخطيب الشهير، وقد توفي يوم 18/9/2009م الموافق 27 من رمضان.

 

 الصورة غير متاحة

 الحاج فرج النجار

5-  الحاج فرج النجار:

الحاج فرج إبراهيم شحاتة النجار، ولد في يوم الأحد 5 رمضان 1341هـ، الموافق 2/4/1923م، في قرية ميت خاقان مركز شبين الكوم محافظة المنوفية، تعرف على الإمام البنا عام 1939م، والتحق بالنظام الخاص، وأصبح مسئول قطاع وسط الدلتا، حكم عليه بالأشغال الشاقة في عهد عبد الناصر غير أنه ظل هاربًا لما يقرب من ربع قرن، وشارك في انتخابات 2000م، وظل مع إخوانه حتى توفاه الله يوم 9/9/2009م.

 

6-  حسن هويدي:

وهو النائب الثالث للمرشد العام، وقد ولد بسوريا عام 1925م، درس الطب كما درس العلوم الشرعية على يد الشيخ حسين الخالدي، وبدأ رحلته مع الإخوان عام 1943م، معاصرًا الأستاذ مصطفى السباعي، واعتُقل عام 1967م بدير الزور، وسُجن في سجن المُزة بدمشق عام 1973م، وتوفي يوم 13/3/2009م.

 

 الصورة غير متاحة

 د. حسن هويدي

كما شهد عام 2009م، رحيل الكثير من الدعاة أمثال الحاج جلال عبد العزيز مسئول الإخوان في كفر الشيخ وهو أحد الرعيل الأول، والحاجة زينب الكاشف زوجة الأستاذ سعد سرور، والأستاذ عباس عبد السميع واللواء بحري أحمد رمزي الذي اعتقل عام 1954م وحكم عليه بالإعدام إلا أن الحكم خفف عليه، وقال عنه الأستاذ سليم جبارة "أصيب أحمد رمزي في مذبحة طرة عام 1957م برصاصة في جانب فمه، وخرجت من رقبته، وكُتبت له الحياة"، وقد نعاه الأستاذ عاكف، والداعية السوداني حسن عبد الماجد وغيرهم رحمهم الله جميعًا رحمة واسعة.