هذه خواطر أبثها إليكم إخوتي الأحبة؛ لعلها تجد منكم آذانًا صاغيةً، كما عوَّدتموني دائمًا، ثم هي معذرة إلى رب الأرض والسماء، ثم هي حجة على مَن قرأها، ولم يتدبرها، ويعمل بما فيها وينقلها إلى غيره ما دامت صوابًا، وهذا والله الذي لا إله إلا هو جهد المقل، أسأل الله أن يستعملنا ولا يستبدل بنا، إنه على ما يشاء قدير.

 

الخاطرة الأولى:

هل تُهزم الأمة بذنوب بعضها؟ وبصيغة أخرى: هل ذنوبي وذنوبك أخي الحبيب هي السبب فيما يحدث لإخواننا في فلسطين؟ هل ما يعانيه أقصانا هو نتيجة لتخلفي- وإياك- عن صلاة الفجر يومًا ما كسلاً بغير عذر؟ هل يتحكم فينا اليهود لأننا ارتضينا الربا سبيلاً لتعاملاتنا المالية؟ هل العري والفحش في شوارعنا وإعلامنا، وهل شيوع الحرام في العلاقة بين الرجل والمرأة من أسباب تحكم أعداء الأمة في مقدراتها؟!

 

أخشى أن تظن أخي الحبيب أنه لا ارتباطَ بين الذنب والبلاء.

 

فقط أذكِّرك ونفسي بما حدث يوم أُحد.. هُزم المسلمون في أول الأمر لمخالفة أربعين من الرماة للنبي صلى الله عليه وسلم في أمرٍ لا يُقاس بما تخالف فيه الأمة نبيَّها في زماننا هذا، ورغم هذا هُزم المسلمون وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا محاباة في دين الله عز وجل، قال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (165)﴾ (آل عمران)، وكان هذا تعليقًا على فعلة الرماة يوم أحد، فلا يؤتينَّ الإسلام من قبلك، ولا تكن سببًا في انكسار أمتك بذنوبك، كبيرها وصغيرها.

 

خاطرتي الأولى إذن؛ مقاطعة!! نعم مقاطعة، ولكنها للذنوب أولاً، مقاطعة الذنوب قبل المقاطعة الاقتصادية لمنتجات الأعداء، وتوبة نصوح، عاجلة، لا تسويف فيها.

 

واجبنا الأول إذن صلوات على وقتها، وصلة أرحام مقطَّّّعة، وبر آباء وأمهات كم عققناهم، وكسب أموال حلال لا شبهة فيها، وحفظ أعضاء وهبنا الله إياها عن الحرام.

 

الخاطرة الثانية:

وهي متعلقة بالأولى؛ لماذا تتوالى الطعنات؟ ولماذا تتتابع المصائب على أمتنا؟ متى يمكَّن لدين الله في الأرض؟ سؤال سألته لنفسي مرارًا، ثم وجدت إجابته في كتاب الله الذي فيه تبيان كل شيء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ (105)﴾ (الأنبياء)، وقال تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)﴾ (الأعراف).

 

إخوتاه.. لن يرث أرض فلسطين.. لن يرث القدس.. لن يرث أرض بيت المقدس إلا الذين تحققت فيهم العبودية الحقة لله رب العالمين، والذين حققوا الصلاح في أنفسهم، في بيوتهم، في أعمالهم، في شوارعهم، في بلدانهم، في كل أحوالهم، فقِس نفسك على هذه الصفات؛ لتعلم أين نحن من ميراث وعد الله عز وجل به في كتابه العزيز ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً (108)﴾ (الإسراء).

 

وأذكر نفسي وإياك أخي الحبيب بقوله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي أمامة عند الإمام أحمد بسند حسن: "لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرُّهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك" قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: "ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس".

 

وأبشِّرك بأنك أخي الحبيب ممن يحيا في أكناف بيت المقدس، فكنْ من الطائفة المنصورة، اعرف الحق، وعِش عليه، وتمسَّك به، واعمل من أجله، ولا يقعدنَّك خذلان المتخاذلين عن نصرة دين محمد صلى الله عليه وسلم في نفسك وفيمن حولك.

 

خاطرتي الثانية إذن، هي ضرورة وحتمية إصلاح نفسي، وبيتي، وعائلتي، وجيراني، وعملي، ثم الأمة، إن كنت أرغب في جهاد اليهود حقًّا.

 

الخاطرة الثالثة:

 الصورة غير متاحة

المسجد الأقصى المبارك

سؤال سألته لنفسي وأنا أرى الصهاينة من أحفاد القردة والخنازير وعبد الطاغوت يدنِّسون حرمة الأقصى بنجسهم، ويمنعون المسلمين من دخوله؛ ليمكِّنوا مجرميهم من إقامة شعائرهم الباطلة.. هذا السؤال أوجهه لكم أيها المسلمون: هل نحن قوم صادقون؟ وبصورة أكثر وضوحًا؛ هل حدثنا أنفسنا بالغزو والجهاد في سبيل الله؟.. بصدق؟! أخشى على نفسي وإياكم أن نكون من المنافقين، ألم يقل صلى الله عليه وسلم: "من مات ولم يغزُ، ولم يحدث نفسه بالغزو؛ مات على شعبة من النفاق" (رواه مسلم من حديث عقبة بن عامر).

 

الحقيقة المرة أننا لم نفعل، إلا من رحم الله، أتعرف لماذا؟ لأننا لم نستعد للموت أصلاً؛ لأننا مصابون بمرض الوهن؛ الذي أخبر عنه رسولنا صلى الله عليه وسلم في حديث ثوبان عند الإمام أحمد: "يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها"، قيل: يا رسول الله أمن قلة بنا؟ قال: "لا ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع المهابة من قلوب عدوكم منكم، ويوضع في قلوبكم الوهن"، قالوا: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا وكراهية الموت".

 

هو حب الدنيا إذن أخي الحبيب.. هو مرض الوهن الذي منعنا من تمني الشهادة في سبيل الله بصدق، ومن أدلة ذلك أننا جعلنا كل اهتماماتنا بالصوم مثلاً؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة)، ولم نهتم معشار ذلك بأمر آخر، قال الله عز وجل فيه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 216)، وهي كما ترى أخي الحبيب نفس الصيغة؛ ولكننا كما ترى نتعامل مع كتاب الله وفق الهوى، وهذا من أدلة عدم الصدق مع الله عز وجل.

 

خاطرتي الثالثة إذن.. تخفَّف من الشواغل الدنيوية شيئًا ما؛ ليضعف التعلُّق بالدنيا قليلاً حتى أعالج الوهن في قلبي لأفسح فيه مكانًا لنية الجهاد لاسترداد بيت المقدس أو الشهادة في سبيل الله؛ لأن العائق الأكبر عن التحرك لنصرة الإسلام واسترداد المقدسات هو الخوف.. على النفس، وعلى الأولاد، وعلى الأموال، وعلى المناصب.. وعلى.. وعلى..

 

الخاطرة الرابعة:

كيف أدَّعي طلب الشهادة في سبيل الله وأنا لم أقدِر على مجاهدة نفسي إذا اشتهت طعامًا أو شرابًا ينتجه أعداء أمتي الإسلامية؟ هزَّتني بقوة هذه الآية: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾ (الأنبياء).

 

قلت لنفسي: أي ميزان هذا الذي يزن مثقال الذرة؟ إنه لا يزن ثقل السيئة فقط، بل يحسب أثرها، وهذا هو ميزان القسط في اللغة وفي التفسير؛ فقلت لنفسي: لو دفعت جنيهًا في منتج من منتجات اليهود أو الأمريكان في بلدي وما أكثرها، وتجمعت جنيهات أمثالي فتحوَّلت سلاحًا في أيدي اليهود، فقتلوا به إخواني في فلسطين لوجدت ذلك في ميزاني يوم القيامة.

 

 الصورة غير متاحة

أتراني إذن سأحمل كفلاً من دم الشيخ المجاهد "أحمد ياسين" الذي أحسبه عند الله شهيدًا والله حسيبه؟

 

خاطرتي الرابعة إذن.. أنا وأنت هو وهم، كلنا آثمون إن كنا رافدًا ماديًّا اقتصاديًّا يتموَّل منه أعداء ديننا؛ فيزدادوا قوةً بأموالنا؛ لضعف إرادتنا أمام شهوات المأكل والمشرب والملبس، وليس لأحد عذر أمام الله يوم القيامة.. دماء المسلمين في رقابنا جميعًا.

 

فاحذر أخي الحبيب من سؤالٍ عن دم مسلم، يسألك الله عز وجل عنه..! فماذا نحن قائلون له غدًا؟ وهو يعلم السر وأخفى من السر!.

 

أسأل الله لي ولك السلامة، وصلى الله وسلم وبارك على سيد المجاهدين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.