- اختيار مادة الخشب لأنها طبيعية ومستدامة ورخيصة - إمكانية ربط المنزل بالبنى التحتية سهلة وبسيطة وسريعة - آمنة في حالة حرب مستقبلية وتناسب ذوي الإعاقات - يمكن تطوير المشروع واستبداله بعشوائيات مصر حوار- هند محسن: "هناك الأمل الكثير ولدينا الإرادة على تنفيذ ما نريده".. هذا هو الشعار الذي رفعه المهندس الدكتور هشام جريشة رئيس قسم العمارة بـ"جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا" وصاحب مشروع منازل غزة الخشبية أو "Gaza houses"، محاولة منه لكسر حصار غزة، ومشاركة في إعادة إعمارها بعد حرب المجزرة التي شنها الكيان الصهيوني على القطاع. بدأ جريشة فكرة المشروع بعد شهر واحد من الحرب على غزة، وانتهى منها أيضًا خلال شهرٍ من الدراسة والتدقيق، واستخدم مادة الخشب؛ لأنها طبيعية وعصرية ومستدامة، ومن ثَم قدَّم المشروع لحكومة حماس التي أبدت إعجابها الشديد بالمشروع وتقديرها الكبير له، وتقوم حاليًّا بدراسته. إلا أن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد، فدخل حيز التنفيذ الفعلي؛ حيث قام جريشة بتصميم وإنشاء منزل خشبي للدكتور أحمد عبد العزيز استشاري العظام، والذي زار غزة بعد الحرب الأخيرة، وقد تطوع بمساحة 250 مترًا مربعًا من أرض مزرعته على طريق مصر إسكندرية الصحراوي؛ وذلك بسبب تحمس الدكتور عبد العزيز لفكرة المشروع. جريشة قص لـ(إخوان أون لاين) كل ما يتعلق بالمشروع من مكوناته، وهدفه، وإمكانية تنفيذه، وتكلفته، وتطويره، ومدى استمراريته، وكان الحوار: البداية نشرة أخبار * بدايةً.. ما الذي دفعك لفكرة مشروع "Gaza houses" أو منازل غزة؟ ** نَشَرَت الأخبار أيام الحرب على غزة صور البيوت المهدمة والأهالي المشردين، فكان الدافع إنسانيًّا بحتًا، وكانت مشكلة الإيواء بعد الحرب من أهم المشاكل التي تواجه القطاع، فالإيواء ليس به مشكلة في حد ذاته لكن بالنسبة لغزة تكمن المشكلة في منع الكيان الصهيوني استيراد الحديد والإسمنت والمواد الرئيسة للبناء، وكان يجب أن نجد مادة بديلة من المواد المحلية، وكان الخشب إحدى هذه المواد. * ممَ تتكون هذه المنازل؟ وهل تتكون أيضًا من عناصر تكميلية كالزجاج والأبواب؟ ** يتكون المنزل من أعمدة رفيعة اقتصادية وأرضيات وأسقف خشبية، والجدران من الأكياس الرملية لعزل الحرارة أو البرد، ويتم تبطينها من الداخل بشرائط خشبية لمنع دخول الحشرات أو الزواحف وما شابه، وهناك أيضًا قواعد الأساسات للمنزل من خشب الأورمة، ويكون سُمْكُ الجدار 70 سم، كما أنه يُطل على حديقة أمامية، يمكن أيضًا عزله من الحريق، ويتم دهان الأعمدة الخشبية بالغراء لإعطائه لمعانًا محببًا ولعزله عن الأمطار؛ حيث إن الخشب عندما يُبَلَّل ينفش وينتفخ ويبدأ في الذوبان مع الوقت، وبالمنزل شبابيك وأبواب ومخارج أيضًا. قليل التكلفة
نموذج لأحد المنازل الخشبية * وما تكلفتها الفعلية؟ ** تكلفة المتر 400 جنيه بعد التشطيب، وهذه تكلفة بسيطة جدًّا؛ نظرًا لأنها تصل في واقعنا اليوم إن كانت المكونات من الخرسانة والحديد والإسمنت إلى 1300 جنيه للمتر، ولنفترض أن مساحة الوحدة السكنية تبدأ من 30 مترًا مربعًا إذن التكلفة للوحدة 12000 جنيه فقط أي ما يعادل 2000 دولار. * ما المساحة التي يمكن أن تُقام عليها هذه المنازل؟ وما مدى ارتفاعها عن مستوى الأرض؟ ** يمكن أن تُقام المنازل على أية مساحة حسب الطلب، أما ارتفاعها عن الأرض يبلغ 80 سم لمنع الرطوبة، ويمكن أن تكون المسافة أقل بحسب نوعية الأرض نفسها؛ حيث إنها تكون متعرجة، وبالتالي يتم أخذ ذلك في الحسبان. * نعلم أن الأسر الفلسطينية أسر كبيرة العدد كما أنها تتكون من عائلات كبيرة، هل تناسب هذه المنازل هذه الأعداد؟ ** تناسبها حسب احتياجات الأسرة الواحدة، فهناك أكثر من نموذج، والتي تناسب الأسر المكونة من 3 أفراد، وهناك الوحدات المكونة من طابقين، أو قد تصل لـ 4 طوابق للعائلة الكاملة. * هناك أنقاض المنازل التي تُعتبر أهم مخلفات الحرب الصهيونية على غزة، هل بالإمكان بناء هذه المنازل فوقها؟ ** لا توجد أية مشكلة في بناء المنازل الخشبية على الأنقاض إطلاقًا، بل ويمكننا إكمال بناء المنزل النصف مهدم بالبناء الخشبي. * إذًا كيف يتم تثبيتها؟ ** نقوم بصنع قواعد لتثبيت الأعمدة الخشبية من خشب الأورمة نظرًا لكونه ضخمًا وقويًّا وعميقًا كما أنه عريض، لكنه يتم تثبيته على سطح الأرض، فلا يحتاج لغرس قواعده في باطنها، كما أنه من الممكن نقله في أية مكان نرغب فيه، وفي إمكاننا تثبيته في الأرض حسب الوزن وكم الأفراد الساكنين فيه، حتى وإن كان مكونًا من عدة طوابق عديدة. ربطه بالبنى التحتية * كيف يتم ربط هذه المنازل الخشبية بالبنى التحتية (كالكهرباء، والمياه، والصرف الصحي) في القطاع؟ ** المسألة في منتهى البساطة، فالبنى التحتية ما زالت ضاربة في أرض غزة، يمكننا بمجرد بناء المنزل سحب الأسلاك الكهربية وبدء توصيلها بالمصابيح الصغيرة المعلقة داخل أو خارج المنزل، كما يمكننا مد مواسير المياه داخله بسهولة، وأيضًا شق مواسير الصرف الصحي به. * كم استغرق بناء المنزل التجريبي والذي تبلغ مساحته 250 مترًا مربعًا؟ ** استغرق حوالي 3 شهور، رغم أننا والعمال لم نعمل طوال أيام الأسبوع، فقد كنا نعمل 3 أيام فقط، وبالتالي إن قمنا بالعمل يوميًّا سنستغرق شهرًا فقط ليس أكثر. * وهل تمت دراسة طبوغرافيا المنطقة ومدى ملائمتها لمثل هذا المشروع على أرض غزة؟ ** نعم، فطبوغرافيا المنطقة من الظواهر الطبيعية والاصطناعية والمناخية واحدة تقريبًا بيننا وبين غزة، ويكون رفعها واقعيًّا أو إسقاطها، وتمثيل أي مشروع على ميدانها يُعد سهلاً، وبالتالي ثبت أنه يناسب غزة تمامًا. طبيعي وعصري * ما مدى تأثر هذه المنازل بالأمطار الغزيرة شتاءً والحر الشديد صيفًا؟ ** هذه المنازل تم عزلها عن الأمطار عن طريق مادة عزل "أول سيماد"، وقد استخدمنا رولات منها، وغلفنا بها الأخشاب، حتى لا تتأثر بالمطر فينفش ويتلف بسبب الرطوبة، ومن ثَم يبدأ في الاعوجاج، كما أنه عازل للحرارة ورائع بالصيف جدًّا. * لماذا مادة الخشب؟ ** مادة الخشب مادة عضوية طبيعية جميلة، ذات رائحة منعشة، كما أن منها أنواعًا تمثل عطورًا كخشب العزيزي، وهو مادة تفوق الأسمنت من ناحية القيمة، وهو أيضًا مادة ذات تكلفة رخيصة، وعندما تُدمر لن أخسر الكثير فيها أو أحزن عليها، وطالما هذه المنطقة معرضة للقصف في أي وقت فيجب بناء مبانٍ رخيصة وليست غالية لتناسب الوضع الراهن حتى يتغير، وهناك مَن يبني المباني الطينية أو المصنوعة من قش الأرز وكلها مبانٍ رخيصة الصنع، لكنني أفضل الخشب كمادة طبيعية مستدامة وصديقة للبيئة، وإذا كان الكيان الصهيوني سيمنع استيراد مواد البناء فلدينا القدرة على صنع مبانينا بما هو متاح، وفي ذات الوقت مسكن آدمي مناسب. نجاح المشروع
طلاب جريشة والانبهار بتحقيق التجربة ** هي ملائمة لهم بكل تأكيد، فيمكن تصميم مَطلع بها من الأرض وحتى مسافة ارتفاعها عن السطح والتي تبلغ 80 سم؛ ليناسب ذوي الاحتياجات الخاصة ومراعاتهم، ولها قابلية التنفيذ. * اشرح لنا كيف تمَّ تنفيذ المشروع على أرض الواقع؟ ** تمَّ تنفيذ المشروع على أرض مزرعة الدكتور أحمد عبد العزيز استشاري العظام الذي زار غزة بعد الحرب الأخيرة، والكائنة بطريق مصر الإسكندرية الصحراوي؛ حيث إنه أبدى تحمسًا كبيرًا للمشروع؛ خاصةً أنه لإعمار غزة، وتمَّ تنفيذه على مساحة بلغت 250 مترًا مربعًا، وبتكلفة 80000 جنيه، فأصبح المشروع قابلاً للتحقيق، وقد بناه عمال مصريون، فأصبح الإنتاج بأيدٍ مصرية، ونستطيع أن نطلق عليه "صنع في مصر". * من وجهة نظرك، هل يناسب هذه المشروع إمكانيات أهل غزة؟ ** هو بالفعل مناسب لإمكانيات غزة؛ لأن الخشب متوفر فعليًّا هناك، في ورش النجارة والموبيليات وتجار الأخشاب وغيرها، كما يمكن استيراده بسهولة، وإن تعذر وجود الخشب المستورد فلديهم خشب الأشجار ولا ضرورة لجودته؛ لأنه جيد بطبعه فيمكن تقطيعه بما يناسب بناء الوحدات السكنية. * وهل هناك مكاتب هندسية وشركات مقاولات لديها الاستعداد لتبني مثل هذا المشروع؟ ** في الحقيقة لم يتبن هذا المشروع غير الدكتور أحمد عبد العزيز؛ ولكن يمكننا نشر ثقافة المشروع ليخرج مَن يتبناه في النهاية. إمكانية التطوير * بعد نجاح تنفيذ المشروع.. هل يمكن تطوير الفكرة لتشمل بناء المدارس والمستشفيات؟ ** بالتأكيد يمكننا بناء كل المباني كالمدارس والجامعات والمساجد والمستشفيات، بل ويمكن تطبيق هذا المشروع في مصر أيضًا؛ نظرًا لأننا نعاني من المنازل العشوائية، فيمكن استبدالها بالمنازل الخشبية ذات التكلفة البسيطة جدًّا والشكل الحديث الجميل، وفي ذات الوقت نكون قد أوينا أسرًا مهددة بيوتها بالانهيار، ولن تكون مكلفة للدولة، كما أنها ستُكسب هذه المناطق مظهرًا راقيًا، وكون استخدامنا للخشب ليس فكرة أبدعناها؛ فمصر القديمة كان الكثير من مبانيها خشبية، هذا غير أن الجيش المصري ينفذ ذلك فعليًّا عندما يعسكر في موقع ما، والأكياس الرملية تذكرني بخنادق جيشنا في حرب أكتوبر. * هناك مَن يُطالب بإنشاء وتشييد ملاجئ آمنة لحماية أهل القطاع.. هل نعتبر هذه المنازل آمنة؟ ** نعتبرها آمنة لوقت محدد حتى يختبئوا في الملاجئ، وقد ذكرتني ببحث قمت به منذ فترة بعد مجزرة جنين، وكان عن هذه الملاجئ أسميته "المنازل الدفاعية"، وملخصه بناء ما يشبه القبو تحت الأرض بعمق 8 م له مخرج يصل لمكان آخر بعيدًا جزئيًّا عن موقع الحرب. منازل دفاعية * بسؤال آخر.. هل يمكننا قول إن هذه المنازل ستُجنب أهل غزة أكبر قدر من العدوان الصهيوني المستقبلي؟
** بالتأكيد ستعمل على حمايتهم من الرصاص؛ لأن الأكياس الرملية ستكون كمصدات لها، كما أنها عازلة للحرارة، فستصمد المدة الكافية حتى يحتمي أهل غزة في منازلهم الدفاعية؛ لأنه مهما يكن فهو منزل خشبي سينهار مع قوة القصف.
د. جريشة اختار مادة الخشب لأنها طبيعية ومستدامة ورخيصة
د. هشام جريشة مبتكر المشروع:

* وما مدى مناسبة هذه المنازل لذوي الاحتياجات الخاصة الذين زاد عددهم نتيجة الحرب الصهيونية الأخيرة؟


* رأينا في الحرب الأخيرة على غزة استخدام المحتل الصهيوني للفوسفور الأبيض كسلاح يحطم به غزة ويضرب أساسها، ما مدى تأثر منازل غزة الخشبية بهذا السلاح والأسلحة الأخرى؟
** يمكنها أن تصمد فترة أطول إذا وضعنا مادة بديلة عن رقائق الألومنيوم أو النحاس فوق مادة العزل "أول سيماد" التي غلفنا بها خشب الأسقف والأرضية كما شرحنا سابقًا؛ حتى يمنع تأثرها من الداخل بالفوسفور الأبيض، لكن ستشتعل بها النيران من الخارج؛ لأنها منازل خشبية في المقام الأول؛ لذا يمكننا تكثيف الأكياس الرملية من خارج المنزل، وبالتالي لن تُؤثر فيه صواريخ الفسفور الأبيض أبدًا.
* وما عمرها الافتراضي أو الإهلاكي؟
** عمر هذه المنازل عمر الإنسان، يمكنها الاستمرار إلى أبعد مدى، والخشب في الأساس مادة مستدامة خضراء.
فتح عظيم
* هل قابلتك معوقات أثناء دراسة المشروع وتنفيذه؟
** الله سبحانه وتعالى يسَّر لي في هذا المشروع تيسيرًا كبيرًا، وأعتقد أن السبب في ذلك أن نيتنا كانت في المشروع إنقاذ غزة من وضعها المأساوي، فالموضوع منذ بدايته بدأ لله تعالى، ولا يجوز ونحن نشاهد الأخبار المفجعة أثناء حرب غزة ألا نملك غير "مصمصة الشفاه"، فيجب أن يقوم كل بواجبه عمليًّا، ولذلك سهَّل الله لنا مهمتنا جدًّا، فضلاً عن بركة رمضان؛ حيث إنه أتى علينا الشهر الكريم ونحن ننفذ المشروع.
* ما الذي يجعل فكرتك قابلة للتنفيذ وتختلف عن المشاريع الأخرى؟
** سبب بسيط جدًّا أن المواطن العادي البسيط في إمكانه تنفيذها، ما علينا إلا توضيح التصميم ليبدأ هو في التنفيذ، وهذا ما تم بالفعل عند تشييد المنزل التجريبي فقد قام على يد 20 عاملاً مصريًّا أصيلاً من عمال الفيوم، وكان يعمل 5 عمال يوميًّا حتى خرج المنزل في صورته النهائية.
تحدٍّ وحماس
* ما الذي دفع العمال لينجزوا البناء في 3 شهور فقط وبهذا الإتقان الرائع؟
** التحدي في أنهم يقومون بمشروع لغزة، ومشروع جديد لم ينفذوه من قبل على أرض الواقع، فمثَّل لهم تحديًا حتى يروا النتيجة المبهرة التي وصلنا إليها، ووصل حماسهم صعوده حتى تم المشروع كاملاً، كما أنهم كانوا يقومون بتنفيذ المشروع بدقة متناهية وإتقان باهر، فالتحية لهم أولاً وأخيرًا لإتمام المشروع.
* عند تقديمك فكرة المشروع لحكومة حماس كيف كان رد الفعل؟
** أبدَوا إعجابهم الشديد به، وأخذوا المشروع ليتم دراسته هناك في غزة، وبعثوا بجواب شكر لهذا المجهود المضني بعد تنفيذ المشروع، لكني أحب أن أقول إننا على استعداد تام أن نذهب لتنفيذ المشروع بأنفسنا؛ لأنه واجب ديني.
تنفيذ المشروع
* قمت بتدريس مشروع منازل غزة الخشبية لطلابك بالجامعة، ما الذي كنت تهدف إليه من وراء ذلك، وهل أتى ثماره؟
** إن الهندسة المعمارية ليست شكلاً جميلاً، ولكن إيداع حل المشكلة وإرادة التنفيذ، وكانت ثمارها أن تفاعل الطلاب بشدة وتأثروا، والبعض منهم أراد تنفيذه بأيديهم داخل غزة، كما طرحوا فكرة أنه بإمكانهم أيضًا الاستفادة من المشروع ببناء مثل هذه البيوت لهم والزواج بها؛ حيث إنها أقل تكلفة وعبئًا عليهم، كما يمكنهم مساعدة شباب آخرين لبنائها والزواج بها أيضًا.