- د. حلمي القاعود: الثقافة الرسمية السائدة روَّجت ضد العروبة فتناسى الفن غزة
- فهمي هويدي: لا يوجد فن مستقل ليتناول مجزرة غزة دون بصمة السياسة
- عزت العلايلي: الأدباء والمؤلفون مسئولون عن خذلان الفن لذكرى المجزرة
- وجدي العربي: هناك ضغوط موجهة ومسيَّسة ومحظورة لمنع أعمال لغزة
- محسنة توفيق: مَن تابع الحرب جيدًا يعلم مَن هو المسئول وراء تخاذل الفن؟!
تحقيق- هند محسن:
"الفن رسالة" هكذا يردد كل الفنانين دائمًا، وعلى الرغم من أن الفن بكل أنواعه هو مَنبع الإبداع وشاشة العرض التي تبث أحوال الأمة وقضاياها، إلا أن ما حدث وبعد مرور عام على مجزرة غزة في 27 ديسمبر 2008م كان عكس ما هو مُتوقع من الفن وأهله!!
فكان التخاذل هو السمة الأساسية للفن، والتغاضي عن الهجمة الصهيونية النازية رسالة يوجهها الفن للأمة، على الرغم من أن الفنان أول مَن يشعر بهموم وطنه، ويعبر عنها بأعماله الفنية!! فضلاً عن يد النظام التي كممت أفواه بعض الفنانين الذين حاولوا تخليد ذكرى هذه الوحشية التي مارسها الكيان الصهيوني على قطاع غزة للتاريخ، إضافةً إلى موجة الإسفاف والسطحية والخلاعة التي تُغرق الفن الحالي.
لكن البعض لم يقف ساكنًا فأنتجت تركيا مسلسلاً يرصد أحداث مجزرة غزة بكل تفاصيلها وأيامها وويلاتها تحت عنوان: "آير يليك" أو "الفراق"، والذي أثار غضب الصهاينة بشدة، وطالبوا الدولة التركية بوقف بثه إلا أنَّها رفضت ذلك، في حين سعت وسائل الإعلام العربية بكل جهدها لمنع عرض هذا المسلسل على شاشاتها؛ لتساهم في غسيل الذاكرة العربية من هذه الأحداث المؤلمة!!
(إخوان أون لاين) حاول رصد أي تناول فني لأحداث مجزرة غزة، إلا أن النتيجة كانت مُخذلة ومُؤلمة في ذات الوقت، فطرح عدة تساؤلات أهمها: لماذا لم يتم تناول فني لمجزرة غزة؟ وكيف لم تستغل وسائل الإعلام والفن أحداث غزة لتنتج أعمالاً فنِّية تعيدها للريادة من جديد؟ ولماذا هذا التخاذل الفني؟ ومَن المسئول الرئيسي عن ذلك؟ ولماذا لم تتبن أي مؤسسات ثقافية وفنية تنظيم مهرجانات تمنح من خلالها جوائز لأفضل أعمال غزة؛ لتحفيز إنتاج مثل هذه الأعمال؟ وما واجب الفنان كي يجدد ذكرى قضايا الأمة وعلى رأسها مجزرة غزة حتى لا ننسى؟ مُؤملاً من هذه التساؤلات أن يجد إجابات عليها من قِبل أهل الفن:
الثقافة الرسمية وراء التخاذل
د. حلمي محمد القاعود

بدايةً يوضح الدكتور حلمي القاعود الكاتب الكبير وأستاذ الأدب والنقد ورئيس قسم اللغة العربية السابق بكلية الآداب جامعة طنطا؛ أن السبب وراء هذا التخاذل الفني الواقع الثقافي الحالي الذي نعيشه؛ فالأدباء والمؤلفون والمفكرون انشغلوا بمواضيع سطحية وتافهة وخليعة، فلا أحد يتوجه بعملٍ فني يعالج القضية، وإنما الكل بعيد كل البعد عنها، مشيرًا إلى أن هذا الوضع يُعدُّ رسميًّا فالثقافة الرسمية تُسرب وتُروج منذ زمن لأفكار مثل: "مصر أولاً وأخيرًا" و"العروبة شيء تافه" و"الإسلام غير موجود بل كان في الماضي"!!
وأضاف القاعود أما الأفكار الجيدة الهادفة لا يُتاح لها النشر، إذًا فالوضع طبيعي ألا يتناول الفن القضية الفلسطينية بمجملها؛ حتى إن الشعب لم يعد يخرج في مسيرات تنديدية، ووسائل إعلامنا العربي دافعت باستماتة عن الكيان الصهيوني أثناء الحرب وبعدها أفضل مما كانوا سيدافعون عن أنفسهم، فالخلل واضح في التركيبة الثقافية والفنية في البلد.
تناول ساذج
وأشار د. القاعود إلى جانب آخر، موضحًا أن الفن حتى عندما يتناول القضية الفلسطينية يكون التناول ساذجًا وغبيًّا، ليُثبتوا للشعب أن الكيان الصهيوني حقيقة واقعة لا فرار منها، على الرغم من أن واجب الفن في الأساس هو توجيه الشعب لمبدأ "كيف نأخذ حقوقنا المعتدى عليها"، ويرى أن السياسة الثقافية السائدة هي المسئولة أولاً وأخيرًا عن التخاذل المريع، والذي أدى إلى البُعد عن القضايا الحقيقية رغم أن فلسطين قضية أمن قومي؛ لأنها في خاصرة مصر وعدونا واحد، كما أن غزة على حدودنا، وقد يغافلنا العدو الصهيوني ليدمرنا ويكون الأوان قد فات!
ويدعو القاعود الأدباء أصحاب الضمير الحي أن يعالجوا القضية الأهم في حياتنا معالجة فنية إنسانية حقيقية، وأن يخلصوا للقضية الفلسطينية وللأمة وللحرية والاستقلال، وعليهم جهد كشف حقيقة العدو الصهيوني وخذلان الأنظمة العربية للقضية وتوعية الشعوب بالواقع الحالي، كما طالب مثقفي الحظيرة الثقافية الرسمية بأن يتقوا الله في الشعب ويكفوا سمومهم عنه.
السياسة طبعت على الفن
فهمي هويدي

أما الكاتب الصحفي الكبير فهمي هويدي؛ فيؤكد أن كل شيء أصبح مرتبطًا بالسياسة بما في ذلك الفن، وبالتالي فلا يوجد أي فن مستقل يمكنه أن ينتج أعمالاً تخالف توجه النظام، هذا إلى جانب أن السياسة قد طبعت بصماتها على كل الأنشطة، ومن ضمنها الفن الذي يُمثل رسالة للناس.
ونفى هويدي ما ردده البعض من أن التقصير يقع على الأدباء والمفكرين والكتَّاب، مؤكدًا أن هذا الكلام غير دقيق وإن كان بعضه صحيحًا، فالفنان لا يحتاج لعمل أدبي ليبني عليه دوره، وقد أثبت ذلك الفنانون السوريون بقيادة الفنان دريد لحام عندما ذهبوا لغزة إحياءً لذكرى المجزرة، وتأكيدًا على حقها في الصمود والحياة، فلم يحتج الأمر عملاً أدبيًّا كما يدعي البعض ليذهبوا وراءه وإنما صنعوا الفن بأنفسهم!
الأدباء والمؤلفون السبب!
ويختلف معه الفنان عزت العلايلي، والذي أرجع أسباب التخاذل إلى الأدباء والمفكرين والمؤلفين، موضحًا أن بعض الفنانين أعلى صوته، وناشد بضرورة وجود عمل فني يُؤرخ مجزرة غزة إلا أنه لم يُستجب له.
وأكد العلايلي أنه يجب أن ينبع الإحساس بحجم المأساة وعمق القضية من جهة الأديب والمؤلف؛ لينتج عملاً يرصد أحداث القضية؛ ليتبلور بعدها على الشاشة، وهذا لم يحدث حتى الآن!!
ثقافة الصراع
وجدي العربي

ويرى الفنان وجدي العربي أن أكبر عملٍ نقوم به فعليًّا لنصرة غزة وإحياء ذكرى المجزرة هو ما نقوم به كل عام من تنظيم مهرجانات إنشادية بنقابة الأطباء فقط، موضحًا أن ما تواجهه كافة مستويات الوسط الفني ما هو إلا ضغوطًا مُوجهة ومسيَّسة ومحظورة؛ لمنع أي عمل يتناول مثل هذه القضايا من الخروج للنور، لعلمهم مدى تأثيرها على الشعوب، في حين نرى أنه تم السماح لكل ما هو مُسفه وخليع بل وفرضه على المشاهد، فكل وسائل الهدم موجودة، مما يُعد تخاذلاً كبيرًا مُتعمدًا تجاه قضايا الأمة!!
ويؤكد العربي حاجتنا الماسة كعرب لثقافة جديدة هي "ثقافة الصراع" لتوضيح الحرب القائمة بيننا وبين الكيان الصهيوني، وكيفية توجيه دفتها لصالحنا والتعامل مع ما هو خفي، كما يجب إعادة ثقافة الأجيال الحاليَّة والقادمة بالواقع الذي يعيشونها، إضافةً إلى وجوب وجود أقلام جيدة ونظيفة لتناول أحداث مجزرة غزة بمصداقية ودقة وشفافية، ويجب أيضًا مواجهة الشعب وتوعيته بحقيقة واقعه التي باتت صعبة هذه الأيام.
وأعرب العربي عن استيائه الشديد؛ لأننا على مستوى الشعوب نثور ونثور ونثور للحظات على ما يحدث في فلسطين ثم نخمد ونفتر تدريجيًّا، فكيف بالفن الذي نحن بصدده، هو بالتالي لن يفعل إلا كما تفعل الشعوب!!
وشدَّد العربي على وجوبية إحياء ذكرى المجزرة بعمل مسرح عالمي باسم غزة، وبتنظيم مهرجانات تحت عنوان: "غزة كي لا ننسى"، كما يأتي دور الفنان البارز المؤثر عندما ينسى كم سيحصل على الدور الذي يقوم به، وأن يلتفت للكيف الذي يقدمه في عرض قضايا الأمة وعلى رأسها قضية فلسطين وغزة، كما يجب أن يكون هناك وعي ثقافي، وعلى الفنانين والمثقفين المحترمين ألا يتركوا الساحة لغيرهم من المبتذلين المنافقين الخائفين!!
لم نكن أمة
ويستبعد المهندس محمد عبد المنعم الصاوي مؤسس ساقية الصاوي وجود عمل فني واحد يتناول مجزرة غزة الأخيرة، موضحًا أن ذلك ليس موقفًا فنيًّا تخاذليًّا فقط، وإنما هو موقف عربي وإسلامي عام، خان به العرب والمسلمون أهل غزة، وطعنوهم في ظهورهم!!
وأكد الصاوي أن قيمة مجتمعات الأمة تكمن في أنها تحمي بعضها البعض، ولا نستطيع أن نصنف الأمة العربية والإسلامية بأنها حقًا أمة، فالأمة تهتم بأوصالها وتحميها لكننا نتألم في صمتٍ فقط، لم يحدث في غزة ردة فعلٍ آخر؛ ولأن الفن جزء من أنظمة الأمة ووجه مُكثف للحياة؛ فكان يجب أن يتناول بكثافة الأحداث المفجعة في حرب غزة؛ لكن لماذا يكون الفن مختلفاً عن ردود فعل الأمة ذاتها؟!، قائلاً: "لا أرى غير صورة منشورة بمية نار هي أفضل حل لتُوقظنا، وأقوى من أي شيء آخر".
واعترض الصاوي أن تكون المسئولية على الحكام فقط، مؤكدًا أن المسئولية تقع على الشعوب المسئولة عن اختيار مَن يحكمها، فإن كانت قوية بما يكفي لكان اختيارها تغير منذ زمن، وبالتالي سندفع الثمن غاليًا جدًّا.
وأضاف الصاوي أنه لا يرى داعيًا لوجود حافز؛ كي يقوم الفنانون بأعمال ترصد مجزرة غزة، فما حدث فيها هو أكبر حافز للقيام برسالة الفن على أكمل وجه، كما أن الفنان أكثر الشخصيات التي تشعر بهموم وطنها وأمتها، والدافع كافٍ أن يكون إنسانيًّا، لكن الوضع مُخجل جدًّا، وما نحتاجه فعلاً هو إعلاء صوت مَن ينادي بالوحدة والتعاون والتكتل لنكون قوة كبيرة تتصدى لأي عدوان، متسائلاً: لماذا نتحدى دروس التاريخ ولا نتعلم منها؟! فلم ينتصر أبدًا فرد بمفرده أو شعب وحده إنما كان النصر مع الوحدة والأمة.
ويرى الصاوي أن واجب الفن إعادة تسليط الأضواء على القضية من جديد وعدم إهمالها، وقد قمنا في ساقية الصاوي بتنظيم احتفالية لنصرة الأقصى والقدس اللذين يتآكلان كل يوم تحت غفلة العرب والمسلمين الذين سيحاسبون أمام الله تعالى عن ذلك.
وأعرب الصاوي عن سعادته لتذكير موقع (إخوان أون لاين) له بذكرى مرور عام على مجزرة غزة؛ الأمر الذي دفعه للقيام بتنظيم برنامج كامل لساقية الصاوي إحياءً لذكرى العدوان الغاشم على غزة، ولتظل القضية الفلسطينية في ذاكرة الأذهان، ولنرفع شعارًا "كي لا ننسى".
الكل يعرف المسئول
من جانبها، نفت الفنانة محسنة توفيق أن يكون هناك أي تناول فني من أي نوع لمجزرة غزة، وقد حاولت هي شخصيًّا القيام بتوعية الفنانين، ودفعهم للقيام بإنتاج أعمال فنِّية تتحدث عن القضية إلا أنه لم يحدث شيئًا، كما أنه بكل تأكيد لم يتغير شيء، وهذا هو واقعنا الذي نعيشه والذي نأسف لحاله!!
وأشارت إلى أنه مَن تابع جيدًا ما حدث أثناء الحرب على غزة، وما بعدها يعلم جيِّدًا مَن هو المسئول عن التخاذل، ليس الفن فقط وإنما خذل النظام أيضًا غزة وأهلها.