الصورة غير متاحة

 د. زكريا سليمان بيومي

تحت هذا العنوان صدر كتاب للعلامة الشهيد عبد القادر عودة في خمسينيات القرن الماضي، وتعجب أو اعترض البعض على إطلاق القول بالعجز العام للمسلمين، وجهل كل العلماء لكنه فسر على أنه وصف جزئي قصد بالتعميم فيه استفزاز واستنفار لمجموع العلماء كي يقوموا بدورهم المأمول في توجيه الأمة إلى تخطي جوانب العجز والجهل فيها.

 

وعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على هذا الكتيب إلا أن قطاعًا هامًّا من المنتسبين لعلماء المسلمين الذين يصفون أنفسهم بالدعاة ويعرفهم البعض بالدعاة الكاجوال ما زالوا على جهلهم، بل ازدادوا جهلاً في حقبة شهدت تسارعًا في زيادة وسائل المعرفة والتقنيات الحديثة قفزت بالعالم إلى ما يعرف بثورة المعلومات تاركة هؤلاء في جمودهم عند قضايا وأفكار عفا عليها الزمن وبأسلوب خشن وجامد أصبح بعيدًا عن القواميس المعاصرة وبخاصة أن هذا الأسلوب قد أصبح يحمل نذيرًا ووعيدًا يهدد الناس بالخروج من الجنة التي لا يعرف طريقها أو يملك مفاتيحها إلا هم باعتبارهم وحدهم أهل الذكر والفرقة الناجية.

 

وسبق أن كتبت مقالاً بعنوان "هل نحن في عصر صكوك الغفران" في يناير 2007م تزامن مع بعض نداءات من بعض الزملاء أملاً في الانتباه إلى خطورة دور المسجد بعد أن اعتلى منبره جمع ممن يسمون بالدعاة لكن ذلك لم يجد نفعًا ولم تشهد رسالة المسجد أدنى تغيير بشكل يؤكد أن الأمر مقصود به تمكين الجهلاء. وبقدر ما يثير هذا من مخاوف إضعاف رسالة الإسلام أو تشويهها فإنه يسهم في توجيه الشباب إلى حمل أفكار متطرفة تسهم في إحداث خلل اجتماعي في أوطاننا تعطل مسيرة التنمية والتعافي الحضاري.

 

فالذي تعارف عليه علماء المسلمين هو أن المنهج الإسلامي لا يقبل الكهنوت فليس في الإسلام كهنة ولا سدنة منقطعون لعلوم الدين ويتعيشون منها ويستغلونها في تحقيق منافع، فالدعوة إلى الله كما عرفها أهل الصلاح والتقوى هي أن تعيش لها لا أن تعيش بها، والنبي صلى الله عليه وسلم كان على الرغم من أعباء رسالته يشتغل بالتجارة ويجمع الحطب، وعلم أصحابه الكسب من عملهم وأن يجعلوا من إخلاصهم في أي عمل وسيلة لتعليم غيرهم أبعاد رسالتهم.

 

وعلى ذلك كان المسلم يطبق منهج شمولية الإسلام لحركة الحياة بإتقانه لعمله مع الإلمام بعلوم دينه بجهده الذاتي دون أن يرتبط بمؤسسة تعليمية، فالعلم متاح للجميع ولا حكر فيه لأحد بعينه أو مؤسسة بعينها.

 

وفي تاريخ مصر الحديث وجد بين المصريين الكثير من علماء الإسلام الذين تلقوا علومهم في جامعات مدنية أو غربية من أمثال الدكتور توفيق الشاوي رحمه الله ومن قبله الإمام حسن البنا والأستاذ عبد الحكيم عابدين والشيخ سيد قطب والشيخ محمد قطب والدكتور رشدي فكّار والأستاذ فهمي هويدي والأستاذ طارق البشري والدكتور محمد سليم العوّا وغيرهم الكثير والذين لا ينتمون في مجموعهم إلى الأزهر كمؤسسة تعليمية لعلوم الإسلام.

 

والغريب في الأمر أن أحد الذين يطلقون على أنفسهم لقب داعية من أصحاب اللحى قال بأسلوب تعجبي ساخر على شاشة قناة فضائية دينية إنه صادف من يتناول علوم الإسلام وهو طبيب أسنان وعلق على ذلك بقوله "مال طبيب الأسنان وعلوم الشريعة؟ هل يتدخل الفقيه في طب الأسنان؟

 

ونسي أو جهل أن علوم الدين من منطلق شمولي تشمل كل شيء في حركة الحياة ولا تنحصر في دائرة بعينها، وأنه وغيره قد تعلموا من اجتهادات علماء تخصصوا في الطب مثلاً كالدكتور مصطفى محمود رحمه الله أو في الثقافة الإسلامية كالدكتور عصام العريان متعه الله بالصحة.

 

وعلى قناة فضائية حكومية مصرية طالعنا شيخ آخر من دعاة الفضائيات بضرورة صدور قانون يحرم ويجرم تناول علوم الإسلام والإفتاء على غير خريجي الأزهر وبخاصة كلية الشريعة وأن حدوث غير ذلك يستوجب إغلاق كلية الشريعة، وأن أي استفسار حول هذه الأمور تفرض سؤال أهل الذكر، أي هم وحدهم دون غيرهم.

 

والتقيت بأحد المشايخ الذي يعمل مدرسًا للفيزياء في مدرسة ثانوية بالقاهرة ويقوم بالخطابة في المساجد بعد تأهله بثوب قصير ولحية كثيفة وبرصيد من الخطب المنبرية الموروثة، واشتكى لي من موقف الموجه في الإدارة التعليمية الذي يحاربه في رزقه لأنه يريد نقله من مدرسته إلى مدرسة ثانوية صناعية يقل فيها عدد التلاميذ الذين يأخذون الدروس الخصوصية، وحين سألته عن مشروعية الدروس الخصوصية طرح مبررات ملتوية تجعلها حلالاً شرعًا.

 

والذي يدعو للغرابة والتعجب أن أغلب هؤلاء الدعاة الجدد لا يدركون أنهم بجهلهم يسيئون إلى دينهم، ولا يدركون أنهم أناس عاديون فيهم المسيء والضال والخبيث والتقي والنقي أيضًا، وأنهم ليسوا أهل الذكر حتى في علوم الدين، فالعلماء في المجالات المتعددة من مسلمين وغير مسلمين هم أهل الذكر، والدعاة يأخذون ما يستطيعون من علم هؤلاء العلماء ليطرحوه بأسلوب بسيط للعامة من الناس. لكن الحادث هو ابتعاد هؤلاء الدعاة عن العامة في الإصرار على أسلوب سقيم عقيم يصاغ بمصطلحات لغوية قديمة، والإصرار على التميز بلباس ومظهر محدد ليس في أغلبه من الدين في شيء وهو اللحية الكثيفة والثوب القصير فهو أقرب إلى الرهبنة حين يبدو وسيلة لتميزهم عن بقية الناس، كما أن سعيهم لفرض نموذج مضيء يتخطون به الزمن ومتغيراته ووسائله أمر لا يقره الإسلام نفسه وكذلك يستحيل حدوثه. والأمر في الغالب يشير إلى تأثرهم بعصر الخصخصة فقرروا ألا تكون تعاليم الإسلام لكل الناس مثل القطاع العام وأن تتحول إلى شركات خاصة يمتلكونها وحدهم بصفتهم الفرقة الناجية وأهل الذكر ليحققوا من خلالها منافع موازية لمنافع التحول الرأسمالي.

 

إن الانقطاع للدعوة في حد ذاته رهبنة وكهنوت يرفضه منهج الإسلام، وأن الدعوة الواجبة تكون من خلال دور المسلم في ميدان عمله في أن يكون نموذجًا في الأداء الصحيح والصفات الحميدة كالصدق والأمانة وغير ذلك. والداعية الحقيقي هو كل مسلم يصدق الله في ميدان عمله بإخلاص وسلوك مشهود يلتزم بمنهج الله، وأن يجعل الدعوة سبيله من خلال دوره فيعيش لها لا أن يعيش بها أو يتريش منها كما هو الآن من شأن دعاة اليوم. فالجندي المدافع عن أمن وطنه ويلتزم بتعاليم دينه داعية، والفلاح المثابر على تأمين معيشة بني وطنه داعية، والعامل الذي يجيد عمله ويتحمل المشاق داعية، وستظل الدعوة إلى الله ملك للجميع لن تصيبها الخصخصة مهما حاول الدعاة الجدد، وسيقل من يقتنع بهم مع مرور الوقت إلى أن يثوبوا إلى رشدهم ويتعلموا منهج ربهم.

--------------

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر- جامعة المنصورة