- غياب التأمين ووسائل الإنقاذ والحيوانات تزاحم البشر

- المحسوبية وضعت كوبري البدرشين في ثلاجة المحليات

- أصحاب المعديات يرفعون شعار البلطجة على المواطنين

 

تحقيق- أحمد الجندي:

"معديات الموت".. لا يوجد وصف يناسب المعديات التي تصل بين ضفتي نهر النيل أكثر من هذا الوصف، فالكوارث متعددة ومتعاقبة، وكان آخرها حادث تصادم معديتي رشيد في أواخر نوفمبر الماضي.

 

وكنا نعتقد أنه بعد هذه الكارثة أن تتحرك الحكومة لحفظ ماء وجهها، والحفاظ على ورقة التوت الأخيرة التي تغطي سوءاتها، انتظرنا منها توفيقًا لأوضاع سائقي المعديات أو تفكيك المعديات المتهالكة وبيعها "خردة" أو حتى وضع وسائل أمان مناسبة تحفظ حياة آلاف البسطاء الذين يستقلونها كل يوم باحثين عن لقمة العيش.

 

ولكن، وكالعادة، لم يتحقق هذا أو ذاك، إنما استمرت الحكومة في تجاهل تلك الأوضاع المزرية وتعمدت وضع آلاف المصريين على أعتاب الموت، متجاهلةً في تبجحها وعنادها دماء ضحايا الإهمال التي لم تبرد، واستعدت لبناء مقابر جديدة تحوي ضحاياها المنتظرين على ضفتي النيل.

 

(إخوان أون لاين) تجول بين عدد من المعديات راصدًا لكم الإهمال البادي فيها، ومحذرًا من كارثة إنسانية محتملة إذا لم تتدخل حكومتنا الرشيدة في وضع حل لها.

 

ديكور فقط!!

 الصورة غير متاحة

محرك المعدية الذي عفا عليه الزمن

بدأت جولتنا من معدية "المعادي" التي تربط بين المعادي في البر الشرقي لنهر النيل و"منيل شيحة" والمناطق المحيطة بها في البر الغربي وتنقل آلاف المواطنين يوميًّا بين الجانبين، إذ إنها الرابط الوحيد لأهالي منيل شيحة وجيرانها بالقاهرة حيث مقر أعمالهم وجامعاتهم كما أنها تحمل الفلاحين القادمين من خط الصعيد وقرى مركز العياط والمسافرين إلى هذه المناطق أيضًا.

 

ووجدنا كمًّا هائلاً من البشر على مختلف وظائفهم وأعمالهم، فها هم بائعو الجبن والألبان والطيور من الفلاحين الذين يأتون لعرض بضائعهم وبيعها في أسواق القاهرة، وكذلك عمال شركات القطاع الخاص بالمعادي وعمال المصانع الحربية ومصانع الإسمنت، وعلى الرغم من قدم العبارة التي يقدر عمرها بأكثر من 30 سنة وغياب إجراءات السلامة والتأمين التي ما هي إلا ديكور فقط، والتحميل الزائد والمخاطر والأهوال التي تنتظر المواطنين في كل يوم لا بد لهم من ركوبها ولسان حالهم يقول في خضوع "المضطر يركب الصعب مش هيركب معدية؟!".

 

بهدلة وزحام

يقول محمود علي (طالب بجامعة حلوان يسكن بمنيل شيحة): إنه لا بد له من ركوب المعدية يوميًّا للذهاب إلى الجامعة؛ لأنه ليس هناك وسيلة مواصلات غيرها كما أن المعدية وسيلة مختصرة تختصر الوقت والجهد "وبالرغم من كثرة العدد، وتدافع الناس وتعرضنا للمخاطر وغياب إجراءات الأمن والسلامة فنحن مضطرون إليها لأنه لا يوجد غيرها".

 

وأضاف: "لو الحكومة عاوزة تحل المشكلة وتحافظ على حياة الناس هتعمل كوبري على النيل يربط بين المعادي ومنيل شيحة".

 

أما أحمد عبد الله "حارس أمن" فيقول: الحمد لله إن فيه معدية أصلاً ده حتى ركوب المعدية متعة ويعتبر فسحة في النيل"!!.

 

وبسؤاله عن المخاطر التي يمكن أن تحدث قال: "كلنا فلاحين وبنعرف نعوم من صغرنا"، فكان سؤالنا عن الأطفال والنساء فرد: "ربنا يستر وميحصلش حاجة".

 

حياة رخيصة

 الصورة غير متاحة

المواطنون في انتظار المعدية المزدحمة

وتضيف منى السيد (طالبة جامعية): "بنتبهدل كل يوم في المعديات علشان نروح الجامعة وزحمة شديدة ومفيش عدد محدد للركاب لو 1000 واقفين على الأرض هيركبوا مش مشكلة يقفوا أو يقعدوا المهم يوصلوا وكمان ممكن حد يغرق وعادي جدًّا مفيش مشكلة عند أصحاب المعدية"!!.

 

ويؤكد سالم محمود (عامل): "مفيش تأمين في المعدية الواحد بيبقى قاعد وإيده طايلة الميه يعني في لحظة ممكن أي حد يغرق والناس اللي بيبعوا شاي على المعدية بيستغلوا الناس ويبيعوا كوباية الشاي بجنيه ونص واتنين جنيه، وكمان الناحية التانية في منيل شيحة مفيش رصيف الناس تنزل عليه من على المعدية وحطين حتة خشبة بقالها 100 سنة ممكن تنكسر في لحظة وكمان لو راجل كبير أو واحدة ست متعرفش تنزل من عليها ممكن تقع".

 

معدية أثرية

من جانبه يقول الريس أسامة الحوت (صاحب معدية) إنه يعمل في المعدية منذ أكثر من 30 عامًا؛ حيث ورثها هو وإخوته عن أبيه وأجداده، وكانت تعمل قبل ذلك بالأشرعة وتم تطويرها حتى أصبحت تعمل بماكينات "الجاز والزيت" فهي تصنع يدويًّا في ورش حلوان وتم تزويد إحداها بطابق علوي ويتراوح ثمنها من 100 إلى 150 ألف جنيه جديدة.

 

وأضاف أن هذه المعدية مرخصة من المحافظة وتعمل تحت إشراف ومتابعة شرطة المسطحات المائية؛ حيث يتم تجديد رخصتها كل أربع سنوات كما أنها تدفع ضرائب للحكومة، وأشار إلى أن حمولة المعدية 100 شخص أجرة الفرد 50 قرشًا وتعمل من الساعة 6 صباحًا حتى منتصف الليل.

 

ولفت نظرنا قاربان خشبيان صغيران حمولة الواحد لا تتجاوز الـ7 أشخاص أحدهما في الطابق العلوي والآخر في مؤخرة العبارة فسألناه عنهما فأجاب أنهما قوارب الإنقاذ فكان ردنا إنهما لا يكفيان لإنقاذ 20 فردًا، فأشار إلى بعض الأطواق التي لا تتعدى الـ30 طوقًا قائلاً: "ما كمان عندنا أطواق نجاة زي ما حضرتك شايف إحنا أهم حاجة عندنا التأمين دي أرواح ناس حتى شوف عندنا مرسى من الحديد تقف عليه العبارة علشان الناس تنزل وتطلع بأمان مش زي المعديات التانية اللي بتقف من غير مرسى من العبارة للأرض على طول ويحطوا لوح خشب الناس تعدي عليه"!!.

 

بلا رقابة

وكانت المعدية الثانية في جولتنا هي معدية "طرة" التي تربط بين "طرة البلد" في البر الشرقي وقرية "طموه" في البر الغربي، وعلى الرغم من المنظر الرث الذي تبدو فيه المعدية والتهالك الواضح على أجزائها، وافتقادها إجراءات الأمان والسلامة وغياب الرقابة تباينت آراء المواطنين فمنهم من رضي بالأمر وطالب بأن تكون هناك معدية ثانية لأنهم ينتظرون طويلاً على البر حتى ترجع المعدية، ومنهم من طالب بحل جذري من أجل المحافظة على أرواح الناس وتجنيبهم المخاطر التي قد يتعرضون إليها بسبب هذه المعديات المتهالكة وغير الآمنة.

 

معدية "تانية"

فيرى أحمد أبو سريع "أعمال حرة" من قرية "طموه": "بنركب المعدية من سنين طويلة ومفيش وسيلة غيرها ومحصلش حاجة إلا مرة واحدة بس اتعطلت فيها المعدية في وسط البحر، ولكن صاحب المعدية صلحها على طول".

 

وأضاف: "عايزين بس يوفروا لنا معدية كمان أصل إحنا مستنيين المعدية اللي راحت تودي الدور من ½ ساعة ولسه مجتش".

 

ويتفق معه محمد عبد الفتاح (عامل بمصنع 54 الحربي)، حيث قال: "المعدية هي الوسيلة الوحيدة المتوفرة أمامنا لكي نصل إلى أعمالنا، يعني علشان نركب ونرح لكوبري المنيب ونرجع من المنيب لطرة تاني هناخد وقت كبير وهنتأخر عن الشغل ومحدش بيعذر وكمان هنصرف على المواصلات ½ المرتب عشان كده مفيش مفر من المعدية تغرق بقى ولا متغرقش هنعمل إيه ربنا يستر".

 

بيزنس

 الصورة غير متاحة

خروف يركب مع صاحبه في المعدية!

بينما يرى خالد محمد (طالب) إن المعدية تفتقد كافة إجراءات السلامة والتأمين وتوجد مبالاة بأرواح المواطنين "لأن صاحب المعدية يهمه الفلوس بس مش مشكلة يحمل أضعاف الحمولة المهم إنه ما يسبش نص جنيه على الأرض لأن صاحب المعدية عنده 5 معديات في أماكن مختلفة يعني نظام بيزنس عالي"!!.

 

وأضاف: "مفيش مرسى للمعدية بس عاملين لوح خشبي متهالك ممكن ينكسر في أي لحظة أثناء نزول الناس من عليه.

 

ووجه حديثه إلى المسئولين: ارحمونا واعملوا كوبري علشان أرواح الناس المهددة، ولازم كمان تراقب المعديات وتمنع تحميل الحيوانات والطيور والموتوسيكلات مع المواطنين".

 

حاملة السيارات

انتقلنا إلى أكبر المعديات حجمًا وتربط بين "المعصرة" و"الحوامدية" ويرجع تاريخ المعدية التي تتبع مجلس مدينة الحوامدية إلى 15 سنة بشكلها الحالي وسنوات أبعد لم يستطع أحد تحديدها إذ تعد هي الرابط الوحيد بين المعصرة والحوامدية منذ سنوات سحيقة؛ حيث مرت المعدية بمراحل تطور عدة من مركب شراعية إلى معدية تعمل بماكينات الجاز والزيت وتحمل أشخاصًا فقط حتى أصبحت بشكلها الحالي الكبير الذي يحمل السيارات وغيرها.

 

قد تتعجب حينما تذهب إلى المعدية حيث يروعك العدد الكبير من السيارات الذي تجاوز الـ40 سيارة على اختلاف أحجامها وتنوع وتثاقل أحمالها، وكذلك المحاريث الزراعية والعربات الخشبية التي تجرها الخيول حيث تسع العبارة 13 سيارة، كما أنها تحمل على ظهرها الحيوانات والمواشي بمختلف أنواعها إلى جوار الناس.

 

وتخدم المعدية الآلاف من العاملين بالمصانع الحربية ومصانع الترسانة لتصنيع السفن وشركة المقاولون العرب بالمعصرة ومصانع الجلود في طرة وعمال شركة إليو مصر للألومنيوم وشركة إيكون وعمال شركة النصر للسيارات وشركة حلوان للصناعات الهندسية، وكذلك مصنع السكر في الحوامدية، فضلاً عن آلاف الطلبة الذين يأتون للدراسة في جامعات القاهرة وحلوان والأزهر.

 

الكوبري هو الحل

 الصورة غير متاحة

عبوات الجاز على المعدية التي تحمل موقد شاي مشتعلاً

يقول محمد عبد المجيد (سائق نقل) وهو ينتظر دوره على المعدية إنها تحمل السيارات بجميع أنواعها محملة وفارغة "وكمان مفيش فيها أي إجراءات سلامة وتأمين ولا يوجد سوى 15 "سترة" أحضرت بعد المعديتين في رشيد لن يكفوا الركاب الذين يتجاوز عددهم 200 شخص يزاحمون السيارات والحيوانات.

 

وأضاف: "إحنا مضطرين لركوب المعدية علشان نعدي للبر التاني لأن مفيش كوبري إلا في المرازيق على مسافة 15 كيلومترًا فعشان أروح 15 ك وأرجع من الناحية التانية 15 ك تانيين هتأخر جامد وكمان الكوبري اتجاه واحد رايح جاي ولو عربية عطلت على الكوبري الطريق بيقف".

 

وعن الكوبري قال: "الحكومة مش عايزة تجيب كوبري علشان المعدية بتدخل لهم فلوس كل يوم ده بياخدوا على العربية الكبيرة 4 جنيه والصغيرة 2 جنيه والفرد ½ جنيه هيسيبوا بقه الفلوس اللي بتجيلهم ويعملوا كوبري يدفعوا فيه فلوس؟!".

 

آدمية مفقودة

ويؤيده أحمد محمد الذي قال إن المعدية قديمة جدًّا ومتهالكة وغير آدمية بالمرة ويوجد لا مبالاة بأرواح الناس ولا توجد أي إجراءات للسلامة وكل الأشياء الموجودة ليست صالحة للاستخدام يعني ديكور فقط لزوم التفتيش والروتين.

 

وعندما توجهنا إلى القائمين على المعدية لمواجهتهم بأقوال المواطنين رفضوا التحدث إلينا، وقالوا "منعرفش حاجة روح مجلس المدينة في الحوامدية وهما يقولولك على اللي أنت عايزه"!!

 

معدية الميتناوي

 الصورة غير متاحة

 مجرد لوح خشبي لنزول البشر والحيوانات والموتوسيكلات

"بلا رصيف مجرد لوح خشبي عرضه لا يتجاوز 20 سم، يعبر عليه البشر والحيوانات والموتوسيكلات" هكذا كان حال معدية "ركن فاروق" التي تربط بين حلوان و"البدرشين" وبالرغم من تهالكها وقدمها وعدم توافر أي من مقومات الأمان والسلامة والإنقاذ إلا أنها تحمل يوميًّا آلاف المواطنين.

 

يبلغ عمر العبارة 50 عامًا، حيث كانت تعمل قديمًا خلف نادي 99 الحربي للأفراح، وتم نقلها بعد ذلك على بعد 500 متر من النادي، وهي ميراث لعائلة الميتناوي في البدرشين الذين يملكون عبارتين في هذا المكان إحداهما تحمل السيارات والأفراد والعربات الخشبية والموتوسيكلات والماعز والحيوانات والمواشي والأخرى من المفترض أنها الأفراد فقط، ولكنها تحمل معهم أيضًا الموتوسيكلات والحيوانات الصغيرة.

 

لفت نظرنا "موقد نار" كان مشتعلاً لعمل الشاي بجانب عبوات الجاز والزيت التي تعلو سطح المعدية في لا مبالاة واضحة بحياة الناس، وهو الأمر الذي اتضح لنا من تعليقات المسئولين عن المعدية حول خطر تواجد الموقد بجانب عبوات الجاز والبنزين.

 

ويقول عصام محمد إنه كان من المخطط إقامة كوبري في هذه المكان ولكن سلطة أصحاب المعدية أبعدته عن المكان وذهب الكوبري إلى بني سويف وهو الآن مكتوب عليه كوبري البدرشين.

 

وشكا محمد من سوء معاملة عائلة الميتناوي أصحاب المعدية وبلطجتهم حتى أنه حذرنا من بطشهم، إذا اكتشفوا حقيقة عملنا وسبب تواجدنا على معديتهم.

 

وأضاف علي درويش أن المعدية غير آمنة وتسببت في غرق الكثير من الأطفال قبل ذلك في هذا المكان بسبب اللوح الخشبي الضيق وعدم وجود رصيف، وأضاف أن الكوبري نقل من هذا المكان لخدمة كبراء البلد في طريق الصف حيث قام سعيد الجمال عضو مجلس الشعب ورئيس لجنة الأمن القومي بالمجلس بنقلة إلى بلدته حيث يربط بين غمازة الكبرى ونزلة علوان.

 

ضحايا المصالح

ويؤيد الرأي الأول عزت منير الذي بدا منفعلاً بعدما أوشك على الوقوع في الماء أثناء نزوله على اللوح الخشبي حيث قال: "المعدية دي ورث لعائلة الميتناوي من أكتر من 50 سنة ومفيش فيها أي تأمين للركاب وغرقت عربية كانت على المعدية قبل كده وغرقت أسرة كاملة كانت فيها وكمان عطلت في وسط البحر وراحت في الميه لحد المعصرة".

 

ووجه حديثه إلى المسئولين قائلاً: "يا ريت المسئولين ييجوا يشوفوا البهدلة اللي إحنا فيها مفيش خدمات في البلد حتى شوية الميه النضاف مش عارفين نشربهم ومفيش صرف صحي ومفيش كوبري طب الحكومة بتدينا إيه بقى؟!".