-  كثير ممن اعتقلونا طالبونا بالصبر والاحتساب

-  أبنائي كانوا في رعاية إخواني أثناء غيبتي

لا شك أنها تجربة غاية في الغرابة تلك التي فاجأت فيها جحافل الأمن بالإسكندرية المهندس أحمد عباس صاحب الوجه البشوش دومًا؛ حيث واجهته بحصار مروِّع لتختطفه من بين زوجته وأطفاله؛ ليجد نفسه قد خرج من قضية دعم غزة إلى قضية تنظيم دولي، لاكتها الصحف وصاغت الأقلام المسمومة فصولها الدرامية!.

 

وقد تمخَّض جبل "الأهرام" في قضية التنظيم الدولي فولد فأرًا، تمَّ تصفير القضية، وخرج كلُّ المعتقلين على ذمتها.

 

طوال الحوار كان الجو مشبَّعًا بروح إيمانية، وشعور لا ينقطع بمعية الله وفضله والحياة في كنفه ورعايته، لكنَّ الوجه البشوش اكتسته ملامح الجد فجأةً، وهو يؤكد جُرم الجناة في تلك القضية، وأن الإخوان سائرون على دربهم وما ارتضوه، سواء أغيَّر النظام من ممارساته أم ثبت عليها.

 

وإلى تفاصيل الحوار:

* اعتقالك في شهر مارس كان نقطة البدء لحملة تصفية الحسابات ضد الإخوان ردًّا على فعاليات نصرة غزة، هكذا تردَّد.. إلى أي مدى تعتقد أن هذه الرؤية صحيحة؟ وهل لديك من المعلومات ما يؤكدها؟

** القضية لم تتعدَّ فعلاً مسألة تصفية الحسابات، وكان واضحًا أن كل الأسئلة في النيابة ومحضر التحريات تدور حول جمع تبرعات لغزة، ومساعدة أهل غزة، بالإضافة إلى التهم المكررة في هذا الإطار!.

 

فقد تم اعتقالي في 2/3 على ذمة القضية المعروفة باسم د. مصطفى الغنيمي، وتنقَّلت في هذه الفترة بين أمن الدولة في مدينة نصر وسجن المحكوم ونيابة أمن الدولة؛ حيث حصلت على إخلاء سبيل قبل أن أمكث 3 أيام في مقر مباحث أمن الدولة بطنطا، ثم صدر قرار باعتقالي، وتم ترحيلي إلى وادي النطرون، إلى أن تمَّ إخلاء سبيلي فعليًّا، لكنني لم أمكث بالخارج إلا فترة قليلة؛ حيث تم اعتقالي من جديد على ذمة قضية أخرى.

 

* بعد خروجك بأيام تمَّ الزج باسمك في قضية أشد تعقيدًا هي قضية التنظيم الدولي، ما ملابسات ذلك؟

** القضية المسماة بالتنظيم الدولي تعرَّفت عليها من خلال الصحف، ولم يكن بيننا وبينها أي رابط، لكن أحد الإخوة أخبرني بعد أيام من الإفراج عني أن اسمي نُشر في تحقيقات "الأهرام"، ولما رجعت إلى الجريدة فوجئت أنني معتقل على ذمة القضية، وبالفعل تمَّ ضمُّ خمسة من معتقلي قضية د. الغنيمي إلى قضية التنظيم الدولي، هم: د. محمد وهدان، وم. خالد البلتاجي، وأ. عادل عفيفي، وم. مسعد قطب، ود. عثمان النادي، وكنت أنا السادس، لكن الغريب في الأمر أنني كنت مطلق السراح في ذلك الوقت، على العكس منهم.

 

* ماذا فعلت بعدما ذكرت "الأهرام" اسمك ضمن قضية التنظيم الدولي؟

** كنت أتحرك بشكل طبيعي، وذهبت إلى الإسكندرية لقضاء بعض الوقت مع زوجتي وأولادي، لكنني قررت أن أسلِّم نفسي حينما علمت أنه تمَّ دهم منزل أسرتي في المحلة أثناء حفل خطبة إحدى بنات الأسرة بشكل همجي، وتمَّ التعامل بطريقة غير إنسانية مع الحاضرين، واتصلت بالمحامي للاتفاق معه على ذلك، لكن حينما خرجت من نادي المهندسين بالإسكندرية فوجئت بسيارة تلاحقني، وفي لحظة حاصرني حوالي 50 شخصًا على طريقة الأفلام الأمريكية، وأخرجوني من سيارتي بالقوة، وحملوني أمام أطفالي ووضعوني في إحدى السيارات، ولما سألتهم زوجتي: من أنتم؟ قالوا: مباحث الأموال العامة، وبعدها استقبل الضابط سيلاً من المكالمات، فضحكتُ وقلتُ: ليست لديَّ مشكلة مع cia أو الموساد، ليتم اختطافي بهذا الشكل، ونُقلت إلى مقر أمن الدولة ثم إلى سجن المرج.

 

* هل كانت الاتهامات هذه المرة تدور حول نفس الإطار السابق؟

** الاتهامات هذه المرة كانت مختلفة، وكانت تتحدث عن تدريب على عمليات إرهابية وغسيل أموال وعلاقات بشخصيات رسمية، مثل رئيس مجلس النواب العراقي.

 

* ماذا كان شعورك وأنت مخطتف من الشارع تحت سمع وبصر زوجتك وأبنائك بهذه الطريقة المأساوية؟

** الموقف كان شديد الصعوبة على الأبناء الصغار (عائشة، وخالد)، لكن صلابة الزوجة أثناء عملية اختطافي وما تلاها بعث في نفسي بشيء من الاطمئنان، أما أنا وقد خرجت من الحدث.. فقد هدأت نفسي ليقيني أن الذي اختطفني ليس ملك الموت، وأنه ما زال أمامي في العمر بقية، وبالنسبة لبقية أبنائي فقد تعودوا هذا الأمر، والله سبحانه وتعالى ألقى في قلوبهم السكينة والاطمئنان، كما أن استيعاب الزَّوجة للحدث ساعدهم في الخروج من مأساوية الموقف.

 

 الصورة غير متاحة

 أحمد عباس يقبل يد والدته

وخوفي كله كان على "خالد" الصغير.. كنت قلقًا أن تترك عملية اختطاف والده شيئًا من الضغينة في نفسه، لكن والدته عالجت الأمر بشكل جيد.

 

* الحياة في ظل المطاردة، كيف كانت تبعاتها عليك وعلى أسرتك؟

** لم أعِش في ظل أي مطاردة، الأوضاع كانت طبيعية جدًّا، وكنت على وشك تسليم نفسي بعدما قرأته في "الأهرام".

 

* هل رتبت أفكارك وضبطت شئونك على أنك ستبقى رهن الاعتقال لفترة طويلة، وأن هذه المرة ليست كسابقاتها؟

** كنا على يقين أن الله سيخرجنا من هذا الأمر، كنا مع الدعاء والاستغاثة واللجوء إلى الله نشعر أن السماء تهتز، كما أن أحد الإخوة رأى في المنام رؤيا تؤكد أنه لن يكون هناك أحد من الإخوان في هذه القضية بعد يوم 2/12 وقد كان.

 

وكنا على الدوام نرفع شعار "نذهب إلى النيابة بالأمل، ونرجع بالرضا بقضاء الله".

* متى شعرتم أن انفراجةً حدثت في القضية؟

** شعرنا أنه حدثت انفراجة في القضية بعد خروج م. مسعد قطب، ود. عثمان النادي، ووصولهما إلى منزليهما، وبعد الإفراج عن أ. عبد الرحمن الجمل (71 عامًا، الذي يعاني من عدد من الأمراض) أدركنا أن المسألة انتهت.

 

* قضية التنظيم الدولي حظيت بعشرات التفسيرات والتحليلات، ما هو تفسيرك للقضية وأنت كنت جزءًا منها؟

** أعتقد أن هذه القضية تم التخطيط لها على عجل، وأنها كانت "قص ولصق"، فمعظم الإخوة تعرفت عليهم للمرة الأولى داخل المعتقل، فضلاً عن عدم معرفتي ببقية الإخوة في الخارج، وأعتقد أنها أُعدت لإرباك الإخوان والضغط عليهم، لكن النظام نفسه تعرض لضغوط من الخارج بسبب الزج بشخصيات سياسية على وزن إياد السمرائي في القضية.

 

* الحياه بدون عائل مشكلة، كيف تعاملت أسرتك معها؟

** تعجبت لرعاية الله لأسرتي في حال غيابي، والحمد لله، فقد فوجئت أن ابني طارق (ثانية ثانوي)- على سبيل المثال- رغم حبه للكرة قد أرسل رسائل محمول يدعو فيها زملاءه لعدم مشاهدة مباراة مصر والجزائر، طالما أن مشجعي الفريقين خرجوا عن الروح الرياضية إلى حالة اقتتال، بينما كان أخوه محمد يصلي ويدعو وقت المباراة، ولو كنت بينهما لشاهدنا المباراة معًا، كما أن الإخوان غبطوني أن أولادي كانوا الأسرع في تلبية نداء الصلاة في المسجد رغم غيابي.

 

أيضًا دعم الإخوان وجهودهم والتفاف الأهل حول الأبناء خفَّف عنهم، وبعث في نفسي الطمأنينة والرضا، وابنتي حفصة كانت تقول لي: ولا يهمك يا بابا، إيه يعني ثلاث سنوات، إخواننا في فلسطين يعانون أكثر من ذلك، ولسنا أفضل منهم.

 

والزيارة إلى السجن كانت بمثابة رحلة، كنا نأكل ونشرب ونلعب معًا، ثم يغادرون على أمل اللقاء.

 

* كيف تنظر إلى من لفقوا لك القضية؟ هل هم جناة في نظرك أم ضحايا؟

** كل واحد ممن لفقوا لنا القضية يعرف ماذا يفعل، الذي ألقى القبض علينا يعرف، والذي داهم بيتنا يعرف، والذي نُعرض عليه يعرف، والذي احتجزنا كرهائن يعرف، والذي يستجوبنا ولم يقل كلمة حق يعرف، والذي يُمدد لنا فترات الاعتقال وهو يقول: اصبروا واحتسبوا يعرف، وكل منهم قبض أجره، كما نتَحصل نحن على أجرنا، نلقى الظلم ونصبر ونحتسب، ونخبر أهلنا أيضًا أن لهم مثل أجرنا، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًّا يره، المسألة بالمثقال وما دون المثقال، وحينما نقول: "اللهم انتقم ممن ظلمنا" نقصد كل من شارك، سواء بالهمس أو اللمس أو الإشارة أو السكوت، وعليهم أن يراجعوا أنفسهم، القضية ليست شخصية.. إنها قضية الأمة والإسلام، والقاضي الطبيعي قال كلمته في مئات القضايا وأخلى سبيلنا، بينما القضاء الاستثنائي يعتقلنا ويحتجزنا ويظلمنا، وعلى كل المتورطين في هذه المظالم أن يراجع نفسه.

 

*سلبيات الاعتقال والتغييب الكل يعرفها؟ لكن هل خرجت من هذه الفترة بأي إيجابيات؟!

** السلبيات لمن يرتكب الجرم في حقنا.. الإيجابيات كانت كثيرة بالنسبة لنا، سواء على مستوانا أو مستوى الأسرة أو الناس.

 

مشكلتنا الأساسية في هذه الأثناء كانت في ضيق الوقت، أنا كنت مظلوم في قضية شريفة كريمة، والله معي، كنا نستشعر الأمر الإلهي للنار: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا﴾ (الأنبياء: من الآية 69)"، كنا نستشعر عناية الله ورحمته، ونحن تحت سياط القهر والتخويف والإرهاب وفراق الأهل.. لقد تلاشت مرارة ذلك كله أمام الأنس مع الله سبحانه وتعالى، والحياة في معيته وتحت رعايته.

 

كنت أعيش وسط مجموعة من أكرم وأشرف وأفقه الناس، معظمهم مربُّون وعلماء وفقهاء، كنت أحاول أن أنهل من علمهم، لأستكمل مواطن القصور لديَّ، فأستشعر الراحة وتذهب الغصة والمرارة.

 

* عادت الصحف مجددًا لتكتب عن خلافات في مكتب الإرشاد.

** مثل هذه الأمور يجب معها:

أولا: إحسان الظن بإخواننا، قال تعالى: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ(12)﴾ (النور)

 

ثانيا: الثقة في القيادة، والتأكيد أن لهم قواعد ولوائح يرجعون إليها عند الاختلاف، كما تسود بينهم روح الأخوة والحب.

 

ثالثا: تقديم النصيحة مع مراعاة آدابها، ونرجو بها تقوية البناء وتحسين الأداء.

 

رابعا: الدعاء لإخواننا وقيادتنا أن يلهمهم الله الرشد والصواب.

 

* ما مستقبل العلاقة بين الإخوان والنظام، تبعًا لرؤيتك كمعتقل سابق؟

** مستقبل العلاقة بين النظام والإخوان يحددها النظام.. الإخوان لا يريدون لهذا البلد سوى الخير، والنظام يرفض ذلك على شاكلة ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ(56)﴾ (النمل)، هؤلاء أهل إفساد ويبغونها عوجًا، والإخوان أهل إصلاح وسيظلوا على ما هم عليه سواء تغير النظام أم لم يتغير، التحذير الأول للرسول صلى الله عليه وسلم في صدر البعثة النبوية "وسيخرجك قومك" نحن ندركه تمام الإدراك، ونعلم أننا سنظل عرضةً للمعاناة والظلم، لكن كله يهون في سبيل الله.