- اعتقالنا كان تنفيذًا لمخطط صهيوأمريكي لخنق حماس

- تلقينا تطمينات ربانية كانت أنيسنا في السجن

- أصعب لحظة في حياتي وأنا أفارق الشاطر وإخوانه

- والدتي قالت لي: فرحتي بانتصاركم أكثر من الإفراج عنكم

- مرَّ علينا 20 عقد قران و5 وفيَّات.. ومهجة سبب البهجة

 

حوار- عبد الله إمبابي:

لم يكن معتقلاً، ولكنه عاد من رحلة الحج، أو قل إن شئت: إنه كان في رحلة عمل عاد منها بأثمن الهدايا وأنفس الأشياء، هذا هو الشعور الذي انتابنا ونحن نجري هذا الحوار مع المهندس أيمن عبد الغني- أحد رهائن العسكرية الذين أُفرج عنهم بعد قضاء مدة العقوبة الجائرة (3 سنوات)- فالبشاشة تعلو وجهه، والحفاوة كانت شعاره في استقبالنا رغم أنها المرة الأولى التي نلتقيه فيها، وما بين هذا وذاك روح الدعابة التي طالما سيطرت عليه وهو يلاطف أبناءه الذين حُرم منهم في قضية ملفقة.

 

اجتمع أبناؤه حوله، يستمعون إليه في إنصات وهو يتحدث إلينا، وكأنهم يشاهدون شريط ذكريات والدهم طيلة فترة اعتقاله، فهذا "سلمان" يتدخل في الحوار مع والده وكأنه كان معتقلاً معه، وهذه "حبيبة" تضحك ببراءة عندما ذرف والدها دمعات حينما تذكَّر لحظة الإفراج عنه وهو يفارق جَدَّهَا خيرت الشاطر وإخوانه الذين يمضون فترة عقوبة، بينما يطلب "معاذ" أن يلتقط صورة فوتوغرافية مع والده وسط الزينات التي غطَّت جدران المنزل وتم تعلقيها للمرة الرابعة، بحسب ما أخبرنا المهندس أيمن؛ حيث كان يتم تعليقها عقب كل حكم بالإفراج يحصل عليه رهائن الإصلاح من محاكم الجنايات والإدارية العليا، وكان آخر كلماته معنا: "والله يا أخي كنا في نعيم"، ليخرج من نعيم الطاعة في السجن، إلى نعيم مواصلة العمل لتحقيق الإصلاح المنشود.

 

ضيف حوارنا من مواليد نوفمبر عام 1964م بمدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية، تخرَّج في هندسة الزقازيق عام 1986م بقسم الهندسة المدنية، ويعمل مهندسًا مدنيًّا في شركة "المقاولون العرب"، متزوج منذ عام 1996م، ولديه أربعة أولاد: سارة، وأنس، وسلمان، وحبيبة، وزوجته فاطمة الزهراء إحدى بنات المهندس خيرت الشاطر.

 

والده رحمه الله كان من الرعيل الأول الذي تعرَّف الأستاذ حسن البنا وانتسب لجماعة الإخوان المسلمين إلى أن توفي عام 1979م، وأخوه الأكبر محمد طبيب عيون.

 

اعتقل عدة مرات أعوام 1986م، و1992م، و1994م، و1998م، و2002م، و2004م، وأخيرًا في 2006م، ويقول: إنه قضى في السنوات العشر الأخيرة- هي مجمل سنوات زواجه- 5 سنوات في المعقتل.

 

* في البداية سألناه: كيف ترى القضية العسكرية الأخيرة؟ وما الرسالة التي أراد النظام إيصالها للجماعة من خلالها؟

** هذه القضية لها جزءان: الأول أن النظام دأب على أن يشغل الإخوان بالقضايا والاعتقالات والسجون؛ بحيث يشتت جهودها في إصلاح الوطن بالتعامل مع حملات التضييق ضدها، لصرف تركيزها عن جهود الإصلاح أو انشغالها عن الشأن العام عمومًا؛ والجزء الثاني هو ظرف القضية والذي كان له خصوصية؛ نظرًا لنجاح الإخوان في انتخابات مجلس الشعب ونجاح حماس في فلسطين، فأراد النظام أن يعاقب الإخوان على الالتفاف الشعبي حولهم، ويحاول تشويه صورة الجماعة.

 

مخطط مشبوه

 الصورة غير متاحة

أيمن عبد الغني: تهمتنا الكبرى هي مساعدة إخواننا في فلسطين!!

* وما الرسالة التي أراد النظام توجيهها للجماعة كما فهمتموها؟

** رسالة خاصة بدعم الإخوان لفلسطين، خاصة فيم يتعلق بالشق المالي من القضية، فأراد النظام أن يقول لنا: دعمكم لفلسطين مقابله مصادرة لأرزاقكم، ومصادرة لشركاتكم وأموالكم، وهذه الرسالة ليست موجههة فقط للقيادات الأربعين الذين تم اعتقالهم، ولكن لكل الداعمين لقضية فلسطين، ففي الأدرن تم التضييق على شركات داعمة لفلسطين، وحدث الأمر نفسه في السعودية.

 

* لكن.. ماذا يضير النظام في تقديم يد العون لإخواننا المحاصرين في فلسطين؟

** الأمر لا يتعلق بالنظام المصري فقط، لكنها مجموعة من الأنظمة تمثل أركان مشروع صهيوأمريكي في المنطقة، والنظام المصري جزء منه، وهناك تنسيق أمني بينهم في هذا الخصوص؛ حيث حذَّر الكيان الصهيوني مصر من دعم الإخوان في مصر حتى لا تتكرر تجربة نجاح حماس في فلسطين بنجاح الإخوان في مصر، وبالفعل دأبت كل الأنظمة التي تتعامل مع المشروع الصهيوأمريكي على التضييق على الإخوان.

 

* ولماذا وُجهت إليكم تهمة غسيل الأموال؟

** تم توجيه تهمة غسيل أموال لتشوية صورة الجماعة بعد الالتفاف الشعبي حولنا كما ذكرت، وتم تغطيتها إعلاميًّا عبر ما أطلق عليه حينها بـ"ميليشات الأزهر".

 

*أي أن وسائل الإعلام لم تكن الشرارة التي استغلها النظام لتلفيق القضية؟

** من السذاجة أن نقول هذا الكلام؛ لأن القضية كانت ستتم في كل الأحوال، بدليل أن كل الطلاب المتهمين في العرض الرياضي أُفرج عنهم بقرار النائب العام كما تم حفظ القضية.

 

* هل فوجئتم بإحالتكم للقضاء العسكري؟

** بالطبع كانت مفاجأة لنا.

 

دعوات أمي

* ما الذي كان يشغلكم أثناء نظر القضية؟

** كان يشغلنا أكثر من الإفراج عنا أن يُصلح ربنا من حال الأمة، وعلى المستوى الشخصي نحن نفكر أننا عندما نخرج سندخل في نفق مظلم عبر انتهاكات أخرى سترتكب في حق شرفاء الأمة، لكن دعوتنا أحب إلينا من أنفسنا، وهذا ليس شعارًا، لدرجة أن والدتي التي تبلغ من العمر أكثر من 70 عامًا زراتني وقالت لي: لا يشغلني أن يُفرج عنكم، ولكن ما يشغلني أن تخرجوا منصورين. وكانت تقصدني وأشقائي المعتقلين أيضًا؛ محمد المريض بجلطة، وعمر الذي أجرى علمية قلب مفتوح، وواصلت أمي: أنا فرحانة بخروجك، ولكني فرحانة أكثر بالثواب الذي حصلت عليه.

 

* ومتى تشعر أن الرسالة التي تعمل من أجلها تحققت؟

** عندما نشعر أن قيم وأعراف المجتمع هي قيم وأعراف رسالتنا، وعندما يتحقق الإصلاح أيضًا.

 

تطمينات ربَّانية

 الصورة غير متاحة

أيمن عبد الغني: دعوتنا أحب إلينا من أنفسنا

* ما هي الأشياء التي كانت تؤنسكم في المعتقل؟

** المولى سبحانه وتعالى كان له ترتيب في معاشنا ورعايته لأهلنا، فكان هناك أكثر من حادثة تعرض لها أبناؤنا نجاهم الله منها، وكنا نقول: إننا لو كنا خارج السجن لن نرعاهم على هذا النحو، فكانت هذه إحدى لطائف المولى، الشيء الآخر.. التضامن الشعبي الكبير، وأنا هنا سأضرب مثالاً بموقف حدث مع زوجتي؛ حيث كانت تُرسل برقية باسم المهندس خيرت الشاطر لتعزية الدكتور أحمد كمال أبو المجد في وفاة شقيقه، فقال لها الموظف الذي تلقى التلغراف: إنه يتضامن معها ومع والدها وباقي الإخوان المعتقلين، وأكد لها أن الأمل معقود على الجماعة لإخراج البلد من كبوتها. وهكذا في العديد من المواقف الأخرى عندما كانوا يشترون ملابس بيضاء لنا كان الجميع يعرف أنهم من أسر معتقلي الإخوان، ويذهبون إليهم ليعلنوا تضامنهم وتعاطفهم معنا، فضلاً عن مدرسي أولادنا، حتى مدرب السباحة الخاص بابني في النادي أظهر تعاطفه الشديد لعدالة قضيتنا.

 

وأنا أنتهز الفرصة لأتقدم بالشكر للمجتمع الذي وقف بجوارنا ولا يعرفنا، وأظلَّنا بمنتهى التعاطف، كما نشكر كل مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الحقوقية في كل الفعاليات التي قاموا بها؛ لدرجة أننا وجدنا لافتات في كوريا وعواصم أوروبية تطالب بالإفراج عنا.

 

* هل شعرتم بتعاطف بعض ضباط الداخلية معكم؟

** أغلب رجال الداخلية الذين تعاملنا معهم في الترحيلات والسجن وفي قسم الشرطة شعرنا في نظرات عيونهم وفلتات كلامهم بشيء من المواساة، وكنا نقرأ في عيونهم أنهم لا يصدقون الاتهامات التي توجه لنا.

 

* كيف استقبلتم الأحكام التي صدرت في حقكم؟

** تواصينا قبل صدور الأحكام أن نردد الآية الكريمة ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)﴾ (البقرة) وأن ندعو جميعًا: اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلفنا خيرًا منها. وبعد سماع منطوق الأحكام الجائرة انشغل كلُّ أخ بمن حصل على حكم أكبر منه واستصغر الضرر الذي وقع عليه، فنجد من حصل على براءة منشغل بمن حصلوا على أحكام، ومن حصل على حكم 3 سنوات منشغل بمن حصل على 5 سنوات أو7 سنوات وهكذا.

 

فراق الأحبة

 الصورة غير متاحة

 المهندس خيرت الشاطر وإخوانه

* صف لنا لحظة خروجك من السجن وأنت تودع إخوانك ليلة الإفراج عنك؟

** لم أكد انتهي من السؤال حتى غلبت المهندس أيمن دموعه التي غمرت عينيه ليقول: لم أمر بلحظة في حياتي أصعب من لحظة فراق المهندس خيرت الشاطر وإخوانه، وأقسم بالله إني كنت أتهرب من مفكرة النتيجة كلما اقترب يوم 14 ديسمبر، فهذا شيء مؤلم أن أفارق إخواني الذين عشت معهم أكثر من الفترة التي قضيتها مع أولادي، مر علينا أكثر من 20 عقد قران وبناء، بالإضافة إلى الاحتفال بنجاح أولادنا، ووفاة والدينا مثل وفاة والدة المهندس خيرت الشاطر، ووالدة المهندس مدحت الحداد، ووالد محمد مهنا، ووالدة أحمد عز، كما فقدت عمي وخالي، وعشنا أيضًا أوقات الفرح (هنا هدأ المهندس أيمن، وتبدلت الدموع بالبشاشة عندما سرد قصة الاحتفال بتفوق مهجة ابنة الدكتور عصام عبد المحسن) وقال: ظللنا أسابيع نحتفل بتفوق مهجة وحصولها على المركز الأول في الدراسة على مستوى محافظة الجيزة، وكانت كلما تأتينا تورتة من أحد أسرنا ننظم حفلاً على "حس" مهجة عصام عبد المحسن.

 

لكن عاودته الدموع مرة أخرى عندما سألته:

* ماذا عن آخر لقاء جمعك بالشاطر قُبيل الإفراج عنك.. ماذا قال لك؟

** قال لي الشاطر: إن الفرحة الحقيقية عندما يُفَرِّجُ المولى كرب هذا البلد، فهذا أكبر من فرحتنا بالإفراج عنا.

 

* كيف تمت إجراءات الإفراج عنك؟

** واجهتُ تعنتًا كالعادة، فبدلاً من الإفراج عني بعد "فاكس" النيابة العامة والنيابة العسكرية أنني لست مطلوبًا في قضايا أخرى؛ قمت وإخواني المفرج عنهم بعمل نموذج فيش وتشبيه، ولم يكن هناك مبرر إطلاقًا أن نذهب إلى مديرية الأمن ومحكمة شمال القاهرة بالعباسية، ثم ذهبنا لمقر أمن الدولة بلاظوغلي ونحن لا نعلم ماذا سيُفعل بنا رغم استيفاء مدة العقوبة المقررة والجائرة "3 سنوات" لكننا لم نستغرب على النظام أن يفعل بنا هذا لأن القضية ملفقة من الأساس.

 

* صف لنا الفرق بين ليلة اعتقالك ولحظة دخولك المنزل عقب الإفراج عنك؟

** صمت قليلاً وأخذ نفسًا عميقًا يعبِّر عن البَوْن الشاسع بين الموقفين وقال: ليلة اعتقالي كانت صعبة جدًّا لأكثر من سبب؛ الأول أنني كنت أتأهب لأداء فريضة الحج مع زوجتي، وكان ميعاد السفر يوم السبت 16 ديسمبر 2006م وتم اعتقالنا يوم الخميس 14 ديسمبر، السبب الآخر أنني وجدت المهندس خيرت الشاطر وهو مقبوض عليه، خاصة وأنه يسكن نفس العمارة التي أقطنها، فكانت لحظة عصيبة على نفسي، وأصبح أولادي في وضع لا يحسدون عليه؛ حيث إن جدهم ووالدهم وعمهم في السجن في وقت واحد.

 

فين جدو يا بابا؟!

 الصورة غير متاحة

المهندس أيمن عبد الغني وفرحة العودة إلى فلذات أكباده

* وماذا عن لحظة دخولك المنزل؟

** كانت صعبة أيضًا، يكفي أن حبيبة ابنتي سألتني فين جدو يا بابا؟! وتركتني وخرجت لتبحث عنه في العمارة، فكانت فرحة منقوصة، وستكتمل بالإفراج عن إخواننا، وتحقيق الإصلاح الذي نسعى إليه بمشيئة الله.

 

* لكننا نرى أجواء بهجة بالبيت وزينات معلَّقة احتفالاً بالإفراج عنك.

** هذه الزينة الموجودة بالبيت تم تعليقها أربع مرات، لدرجة أن أبنائي شعروا أنه مهما حصلت على أحكام إفراج فلن تنفذ، وانتابهم شعور أننا ندور في دائرة من العنت، فقال لي ابني سلمان منذ نحو أسبوع: "هيضحكوا عليك يا بابا ومش هيطلعوك".

 

* هل تشعر الآن بعد الإفراج عنك أن القضية انتهت؟

** بالطبع لا.. فمسيرة الإصلاح لن تتوقف، كما أن النظام لن يتوقف عن خصومته غير الشريفة معنا؛ حيث يستغل كل مقدرات البلد ويسخرها في إطار تلك الخصومة غير الشريفة، فنجده يُسَخِّر أجهزة غسيل الأموال مثلاً لمدة شهور تفتش في قضية ملفقة بدلاً من أن يبحثوا عن الفساد المالي المستشري في البلد، وفي النهاية لم تخرج بأي إثبات شكلي لتهمة غسيل الأموال، فضلاً عن تسخير الأجهزة الأمنية لملاحقتنا بدلاً من ملاحقة المجرمين، وأيضًا القضاء والذي كان يضرب النظام بأحكامه عُرض الحائط.

 

* بعض المراقبين يرون في القضية العسكرية وما تبعها من حملات الاعتقال في صفوف الإخوان محاولةً من النظام لتجفيف منابع الجماعة الاقتصادية.. هل تتفق مع هذا الطرح؟

** أراد النظام أن يحارب الناس في أرزاقهم لكي يخشى الناس الاستمرار على نهج الإصلاح، وهو أحد أنواع تغليظ الخصومة غير الشريفة، وليس لتجفيف منابع الجماعة الاقتصادية؛ لأن منابعنا من جيوبنا.

 

* كلمة أخيرة للإخوان.

** أقول لهم: إن إخوانكم المعتقلين كان دعاؤهم أن يُفَرِّج الله هَمَّ الأمة كلها وكربها؛ لأنهم اختاروا أن يكون طموحهم لصالح الأمة وليس طموحًا شخصيًّا؛ لذلك أعانهم الله على تحمُّل الظلم واستطاعوا التضحية، ونحن كإخوان مسلمين لو بذلنا كل ما في طاقتنا من جهد وجهاد فسوف يأتي نصر الله وسيتحقق الإصلاح، فعلينا العمل، وننتظر النتيجة من المولى سبحانه وتعالى؛ لأننا نعيش وضعًا مأساويًّا من نظام اختزل قومية بلد ووطنيتها في مباراة لكرة القدم!.

 

وأؤكد أننا كنا في نعيم كبير، فبمجرد دخولنا لمقر أمن الدولة لاستكمال إجراءات الإفراج مرت أمام عيني فترة الثلاث سنوات، وشعرت بأنها مرت علي كلحظات، كما أني سعيد أني قضيت 3 سنوات في طاعة الله ومشغول الآن بقبول الله لهذا العمل أكثر من شعوري بأي ألم أو أي فرح.