القدوة لا شك أنها عنصر مؤثر من عناصر التربية والتوجيه؛ حيث إنها أكثر الوسائل والقنوات التربوية تأثيرًا، لأنها تكون عن اقتناع، وعن إعجاب، وعن حب، فالتأثر بها أكثر من التأثر بالتلقين المجرد؛ لأن التلقين المجرد قد لا يكون معه اقتناع داخلي، ولكن القدوة لا تكون إلا مع الاقتناع التام، ولهذا فإنها أشد إمضاءً من التلقين، وأكثر أثرًا، وأبقى في النفس، وأدنى إلى توجيه سلوك هذا المقتدي.
لقد كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم صورة حية وقدوة صالحة لما كان يربي عليه أصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم، فما من فضيلة حثهم عليها إلا كان متحليًا بها، بل سبق بالتمسك بها غيره، وما من رذيلة حذَّرهم عنها إلا كان أبعد الناس عنها وفي سيرته المطهرة صلوات ربي وسلامه عليه شواهد كثيرة تدل على ذلك، ومنها ما يلي:
1- الإكثار من ذكر الله تعالى.
2- الاهتمام بالمحافظة على الصلوات الخمس.
3- عظم الجود.
4- حسن معاشرة النساء.
5- شدة العناية بإيفاء العهد حتى مع الأعداء.
6- الإيثار.
7- العفو عن الظالمين.
8- التواضع.
9- الزهد في الدنيا.
10- العناية بالدعوة إلى الله تعالى.
11- المشاركة في بناء المسجد.
12- المشاركة في حفر الخندق.
13- البدء بالإفطار عند الأمر به.
14- نزع الخاتم من ذهب ومنع الصحابة من لبسه.
والناظر في السيرة النبوية المطهرة يجدها ذاخرة بالكثير من المواقف العملية للنبي صلى الله عليه وسلم، يربي فيها أصحابه بالقدوة وليس بالكلام، نذكر منها ما يلي:
1- صلح الحديبية:
لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قضية كتابة الصلح قال لأصحابه: "قوموا فانحروا ثم احلقوا"، حتى قال ذلك ثلاث مرات، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا نبي الله أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك: نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًّا.
يقول محمد السيد الوكيل: "فقد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمر، وكرره ثلاث مرات، وفيهم كبار الصحابة وشيوخهم، ومع ذلك لم يستجب أحد لدعوته، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخطوة العملية التي أشارت بها أم سلمة تحقق المراد، فالقدوة العملية في مثل هذه المواقف أجدى وأنفع".
فانظر إلى تأثير القدوة أكثر من تأثير الأقوال، وهم يعلمون أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، ووجوب تنفيذه، ثم انظر إلى مَشُورة الزوجة الصالحة الحكيمة، وأن الرأي ليس حِكْرًا على الرجال حتى ولو كانوا أنبياء، بل إن المرأة أحيانًا برأيها الحصين، وعقليتها العميقة، وتوفيق الله لها، قد تكون نعم العون للزوج وللأمير على توجيه مقاليد الأمة، وتسيير أمور الرعية، هذا إذا كانت الزوجة صالحة فاضلة.
2- حمل ابنة البنت على العاتق في الصلاة:
روى الإمام البخاري عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب رضي الله عنهما بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها.
لقد كانت العرب تكره البنات فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغير هذه النظرة السيئة إلى البنات بالتربية العملية، فحمل ابنة ابنته رضي الله عنهما على عاتقه الشريفة أثناء الصلاة، وفي هذا الصدد قال العلامة الفكهاني: "وكأن السر في حمله أمامة رضي الله عنها في الصلاة دفعًا لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن؛ فخالفهن في ذلك حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم، والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول".
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل الدعاة والعاملين للإسلام قدوة حسنة لإخوانهم وللناس كافة.