- الأهالي: "تحويشة العمر" ضاعت
- هدم البيوت سيكون على رءوسنا
- فرح "إبراهيم" تحول إلى مأتم!!
تحقيق- إيمان إسماعيل:
"أين كانت الحكومة وقت بناء المساكن ذات الطوابق الـ12؟، وأين كانت وقت إدخال المرافق لها من ماء وكهرباء وصرف صحي؟، وأين كانت وقت بناء مدرسة كاملة بداخلها؟!".. هذا هو لسان حال أهالي منطقة "الزرزارة" بعزبة الهجانة بمدينة نصر، والتي بدأت محافظة القاهرة في تنفيذ قرار إزالة لمساكنها بحجة أنها مناطق تضر بحركة الطيران، وأنشئت من غير تراخيص، فضلاً عن كونها أراض زراعية غير صالحة للبناء!!.
وعلى الرغم من قرار رئاسة الحي بوقف تنفيذ إزالة 28 عمارة سكنية بعد الاشتباكات التي وقعت بين قوات الأمن والأهالي، إلا أن حالة من التذمر والغليان والترقب ما زالت تسود المنطقة؛ تحسبًا لإعادة تنفيذ القرار مرة أخرى.
ويعزز من تلك المخاوف ما أكده الأهالي من انتشار رجال الأمن "بزي مدني" وسط صفوفهم لنقل تحركات الأهالي وما يدور بينهم، وذلك على الرغم من انسحاب قوات الأمن إلى حدود المنطقة.
(إخوان أون لاين) عاش أحداث منطقة الزرزارة بين الأهالي الذين يتم تطبيق قرار الإزالة على منازلهم، باحثًا مع أصحاب العقارات والمقاولين الخطوات التي سيتخذونها، وناقلاً مشاعر أقارب المواطن حسين محمد إسماعيل (60 سنة) الذي توفي إثر إصابته بأزمة قلبية حادة بعد هدم منزله.
فزع
أحد المنازل بعد هدم جزء منه
بدايةً التقينا بالأهالي الذين يتم تطبيق قرار الإزالة عليهم؛ حيث نفوا أن قرارات الإزالة تم تطبيقها على المساكن التي ليس بها أهالي فقط، كما أوضح محافظ القاهرة من قبل، مؤكدين وجود العديد من الأهالي الذين ليس لهم سوى ذلك المنزل ومقيمين فيه منذ سنين، وبالرغم من ذلك تم تنفيذ قرارات الإزالة على مساكنهم.

وبالفعل حاولنا الصعود إلى أحد المنازل السكنية التي تم هدم 4 طوابق منها، واتجهنا إلى الطابق الثاني وقابلنا الدكتورة لمياء محمد استشاري بمستشفى عين شمس التخصصي، والتي لديها طفلان، واستبعدت تمامًا ما يتم اتهامهم به أنه إشغال صوري، مؤكدةً أن ذلك المنزل هو منزلها الوحيد تسكن فيه منذ 3 سنوات، وقالت: "أين سنذهب أنا وزوجي وأطفالي وهم لم يعطوا لنا فرصة حتى في النزول من المنزل وقت الهدم، حيث استيقظنا على صوت معاول الهدم لدرجة أفزعت ابنتي من نومها وقامت وهي تصرخ وتبكي بكاءً شديدًا، وتقول "العمارة بتقع يا ماما".
وتضيف د. لمياء: "لدينا كل ما يثبت صحة المسكن من أوراق وعقود مختومة في المحكمة، وتعاقدنا مع شركة مدينة نصر للإسكان والتعمير وهي شركة حكومية، فما المطلوب منا بعد ذلك؟ وكيف كنا سنشكك في القرار فمدارس الأطفال هنا وكل ما نملك من أموال قمنا بوضعه في ذلك المنزل ما المطلوب منا بعد ذلك وماذا يريدون منا؟".
وتابعت والدموع تنهمر من عينيها: "الآن تم هدم ما فوقنا والشقتين التي بجوارنا ونحن هكذا في المنتصف، فبالتأكيد أثر الهدم على أساسات العمارة ونحن نتلفظ الشهادة يوميًّا قبل النوم خاصةً أنه ليس لدينا مسكن بديل"!!
مش مليونيرات!!
صرف صحي يؤكد دخول المرافق إلى المنطقة
بالقرب منها رجل يقف في أسى شديد يتابع إزالة الجزء الباقي من منزله؛ حيث كان ممن نال نصيبًا من الهدم منذ يومين، وجاء ليرى ما حدث فقال لنا في حسرة شديدة: "تكلفة الشقه 150 ألف جنيه قمت بدفع نصفها والباقي كنت في المرحلة الأخيرة من تقسيطه".

ويكمل: "لو كانت الأرض غير صالحة كما يقولون وغير مرخصة فما المطلوب منا الآن؟ ولماذا نحن وحدنا من سنتكبد العقوبة؟ أين أصحاب العمارات والمقاولون وشركة مدينة نصر التي قامت بالبيع لنا؟ أليس كل هؤلاء مخالفون يجب أن توقع عليهم العقوبة؟ أم نحن فقط يظنون أننا مليونيرات ولدينا خزائن الأرض ولا يعلمون أننا شحتنا حتى نحصل على ذلك المنزل؟!".
القروض!!
وتقول فايزة عطية إنها اشترت شقتها منذ 3 سنوات، ودفعت فيها 160 ألف جنيه نقدًا، وكانت في المراحل النهائية في تشطيبها لوضع "عفش" المنزل بها؛ لأنه من المفترض أن يسكن بها ابنتها وزوجها، في نهاية الشهر الحالي.
وتساءلت في ألم: "ما هو مصيرهم؟ وماذا نفعل بعد أن دبروا حياتهم على ذلك المسكن وليس لديهم بدائل أخرى خاصةً أن زوج ابنتي حصل على قروض من البنك حتى يستطيع شراء ذلك المسكن فمن أين سيوفر المال اللازم لسداد تلك القروض بعد ضياع المال والمنزل؟!".
"ابني وأنت مستريح"!
ويقول المهندس محمد السواح (صاحب عمارتين ممن وقع عليهم قرار الإزالة) إنه قام بشراء تلك الأرض منذ عام 93 وكان المتر وقتها بـ100 جنيه والآن وصل إلى 700 جنيه، ويضيف أنه اشترى وقتها أكثر من 2000 متر، من شركة مدينة نصر وهي شركة حكومية، وقام بكافة الإجراءات القانونية من توقيع في المحكمة وغيره من الإجراءات، وأخبره الحي وقتها أن تلك المباني لا يوجد تراخيص لها وهي ليست ملكًا لأحد، حتى أن رئيس الحي وقتها قال له: "ابني وأنت مستريح"!!.
ويكمل حديثه قائلاً: "نحن في حسرة شديدة، وذهول من تطبيق ذلك القرار خاصةً لو قمنا بتعويض كل من تم هدم منزله فقط إلى الآن فسأتكبد وقتها خسارة قدرها أكثر من 850 ألف جنيه عن كل عمارة، وقابلة للزيادة إذا ما عاودوا الهدم من جديد".
ليست للزراعة
منزل مسكون تم هدم كل ما حوله مما أثر على أساسات العمارة
ونفى الأهالي إشاعة ترددت حول كون تلك الأراضي زراعية غير صالحة للبناء، مشيرين إلى أنهم جاءوا إليها وهي صحراء جرداء، فكيف يقال الآن إنها أراضٍ زراعية، خاصةً أن تعاقدهم مع شركة عقارية تابعة للحكومة وهي شركة مدينة نصر التي لم تخبرهم وقتها أنها أرض زراعية بل تم التعاقد على أنها أرض بناء؟.

وفي استياء بالغ قال محمد عبد العزيز (أحد الأهالي المتضررين) إن صاحب العمارة أعطى له صورة من العقد بإمضاء من المحكمة، وتم توقيع العقد في شركة مدينة نصر، فضلاً عن دفع فواتير الماء والكهرباء ووجود كافة المرافق حتى الصرف الصحي، فتساءل: كيف يقال بعد كل ذلك إنها منطقة عشوائية؟!.
مخازن "السلاب"!
حسن محمود (محاسب) جلس أمام منزله واضعًا يده على خده قائلاً: "أنا بعت اللي ورايا وقدامي ودخلت في جمعيات واستلفت من المعارف حتى أستطيع الحصول على الشقة ومنذ 10 سنين ونحن على ذلك الحال، لماذا الآن فقط اكتشفوا أنها غير صالحة وغير مرخصة؟".
وتساءل مستنكرًا: "لماذا لم يتم المساس بممتلكات نائب الوطني عن تلك الدائرة وهو مصطفى السلاب والذي لديه مخازن في تلك المنطقة ملاصقة لبعض العمارات التي تم هدم جزء منها ولم يتعرض أي مسئول بالحديث عنها أو عن مصيرها؟! أم أن المخازن على أرض عشوائية ليست بمشكلة"؟!
كابوس مفزع
عواطف حسانين (أم لـ9 أطفال) بدت ساخطةً ومتعجبةً مما يحدث وكأنه حلم، بل كابوس مزعج قالت: "لو كلف المسئولون نفسهم شوية ونزلوا المنطقة قبل ما يهدوا البيوت كانوا اتأكدوا إن إحنا عايشين هنا من سنين وبندفع كهربا ومية، مش يقولوا إنها بيوت غير آهلة بالسكان"!.
وقال أشرف محمد (40 عامًا) إن اختيار المحافظة لـ28 منزلاً موجودة في أنحاء متفرقة وليسوا بجوار بعضها البعض ثم يقال بعدها إن السبب في ذلك هو أنها تعوق حركة الطيران، شيء غريب وبه غموض فلماذا تلك المساكن بالأخص التي تم اختيارها والباقي لا؟!.
المأتم
أدوات السباكة التي كان يعمل بها قبل وفاته
انتقلنا بعدها إلى منزل أهل المواطن حسين محمد، الذي لقي حتفه بعد هدم منزله، والتقينا زوجته فاطمة عبد العزيز والتي نطقت اسمها بصعوبة بالغة نتيجة صدمتها لما حدث، واستفسرنا منها عن ملابسات الحادث؛ حيث تعددت الشائعات عن سبب الوفاة فقالت لنا إنه وقعت اشتباكات بين أهالي المنطقة وبين الأمن حتى لا يصلوا إلى المساكن ويقوموا بهدمها، وكان زوجها من ضمن هؤلاء الذين حاولوا منع قوات الأمن من الوصول إلى منزله فتم ضربه من قِبَل قوات الأمن أكثر من مرة في أجزاء متفرقة من جسده، إلى أن استجمع قواه وعندما استطاع الوصول إلى منزله وجده قد تم هدمه تمامًا؛ فأصيب بأزمة قلبية حادة توفي على إثرها في الحال.

وتابعت: "النائب مصطفى السلاب عرض علينا بعدها التكفل بمصاريف العزاء إلا أننا اعترضنا لأنه أنكر الحقيقة، وقال إن زوجي مات لوحده وهو ماشي في الشارع رغم أنه مات نتيجة ضرب الأمن والصدمة من هدم البيت".
وقالت ابنته بكلمات مقتضبة والدموع تنهمر من عينيها إن أباها كان يعمل سباكًا وهو مصدر الرزق الوحيد لهم، فمن سيتولى أمرهم من بعده خاصةً أن أخويها عاطلان عن العمل.
أما ابنه عبد العزيز (27 عامًا) لم يردد سوى: "حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب.. حسبي الله ونعم الوكيل في كل ظالم.. حسبي الله ونعم الوكيل في اللي بييجي على حق الفقراء".
مدارس "عشوائية"!
المدرسة الأزهرية بقلب العزبة جاءها قرار إزالة
وتردد على لسان مسئولي الحي أنه من ضمن أسباب قرارات الإزالة في تلك المنطقة أنها عشوائية وغير مرخصة، إلا أن الأهالي أرادوا أن يثبتوا لنا خلاف ذلك، ففضلاً عن وجود كافة المرافق من صرف صحي وماء وكهرباء، وقيام الأهالي بدفع فواتير كل ذلك إلا أن المفاجأة التي أخبرنا بها الأهالي هي وجود مدرستين كاملتين بداخل تلك المنطقة وجاء لها قرار إزالة أيضًا بعد بنائها والتحاق الأطفال بها منذ 5 سنوات مضت، المدرستان هما مدرسة "العلا"، ومدرسة "ابن الأرقم" الأزهرية.

توجهنا إلى مدرسة ابن الأرقم، للوقوف على بعض التفاصيل، وقابلنا مدير المدرسة الدكتور طلعت الحسيني والذي قال لنا في أسى إن كل الخدمات والمرافق من الكهرباء والماء والصرف الصحي موجودة لديه، فضلاً عن وجود ترخيص من الأزهر بعمل المدرسة وعن ترخيص تشغيل المباني قال إن الحي أخبره منذ 10 سنوات مضت أن يبني ما يريده فالمنطقة عشوائية، موضحًا أنه صرف على تلك المدرسة 5 ملايين جنيه حتى تكتمل، لتخدم أبناء المنطقة من الفقراء والمحتاجين خاصةً أنها مجانية.
وأشار صاحب المدرسة إلى أن القرار الصادر من محافظة القاهرة سنة 2005م الذي يقضي بتنظيم وتخطيط المناطق العشوائية بمنع بناء أي مساكن باستثناء المدارس والمستشفيات، وذكر أنه قام برفع دعوى قضائية على المحافظ بسبب قرار الإزالة ذلك خاصةً أنه قام بدفع "دم قلبه" في بناء ذلك الصرح الخيري الذي لا يعود عليه بأي دخل.