- مياه الصرف والمصانع تروي المزارع.. والنيل يصب بمنتجعات الكبار!
- المزارعون يستخدمون "روث الفراخ" والأغذية الفاسدة طعامًا للسمك!
- رئيس "الثروة السمكية": 40% من الاستزراع تتم بدون ترخيص!
تحقيق- أحمد الجندي:
في ظل ارتفاع أسعار اللحوم والدواجن وما يلاحقهما من أمراض، تفرض الأسماك نفسها على الأسواق باعتبارها مصدرًا أساسيًّا من مصادر البروتين الحيواني، خاصة مع أسعاره المنخفضة.
ومع حاجة المواطن المصري الملحة للبروتين الحيواني، وفي ظل فقر البحار والمصايد الطبيعية في مصر وقلة إنتاجها وعدم توافر تكنولوجيا الصيد الحديثة؛ كان لا بد من اللجوء للاستزراع السمكي لرفع الإنتاج وسد تلك الفجوة الغذائية.
وبالفعل تحققت طفرة كبيرة في مجال الاستزراع السمكي في مصر على صعيد الأرقام والحسابات؛ حيث جاوز إنتاج المزارع السمكية حد الـ50%من إجمالي إنتاج الأسماك في مصر، إلا أن زيارتك الميدانية إلى المزارع السمكية في مصر تكتشف أن أكثر من 90% من هذه المزارع تعتمد على مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي المحملة بالأمراض والمبيدات الحشرية والأسمدة والمخصبات عالية السمية والرصاص والمعادن الثقيلة، والتي تستقر جميعها في أجسام الأسماك، وأصبحت بمثابة قنابل بيولوجية موجهة إلى الشعب المصري بحكم القانون الذي يحظر إقامة المزارع السمكية على مياه الري الطبيعية، ويقر إقامتها على مياه الصرف دون النظر إلى معالجة هذه المياه ومدى سلامة إنتاجها وخلوها من الأمراض التي قد تدمر صحة المواطنين.
وبينما تتجاهل الحكومة النظر إلى ترخيص إقامة المزارع السمكية على مياه الري الطبيعية، بحجة ترشيد استهلاك المياه؛ تقوم الحكومة بإجراء تعديلات وزارية من أجل توصيل المياه إلى منتجعات رجال السلطة والمال؛ لإقامة البحيرات الصناعية، ولري ملاعب الجولف التي تستهلك كميات كبيرة من المياه.
ويبدو من المشهد أن حكومة رجال الأعمال تشن هجومًا بيولوجيًّا منظمًا يستهدف تدمير صحة المواطن المصري الغلبان، والقضاء عليه نهائيًّا؛ لأن شكله (مبيعجبش البهوات) من رجال السلطة والمال.
(إخوان أون لاين) زار المزارع السمكية لينقل المشهد ويقف على أهم السلبيات الموجودة فيها:
"كوتشينر"
محطة رفع مياه الصرف لري المزارع السمكية

بداية يقول د. أحمد سني صاحب مزارع سمكية بكفر الشيخ إن المشكلة الأساسية التي نعاني منها هنا في كفر الشيخ هي مشكلة المياه المستخدمة في ري المزارع السمكية؛ حيث إنها كلها مياه صرف صحي وزراعي وصناعي من مصارف عدة أسوأها (كوتشينر)، وهو صرف المحلة الكبرى (صرف صناعي) مختلط بصرف صناعي وزراعي ومصرف (نمرة 5) ومصرفا (نمرة 7) و(نمرة 8) اللذان تنتشر على جانبيهما المزارع السمكية بكثرة.
ويضيف أن هذه المياه بما تحمله من الأمونيا ومركبات الفوسفور والمبيدات الحشرية تسبب موت كميات كبيرة من الأسماك في المزارع؛ وهو ما أدى إلى خسارة كبيرة لأصحاب المزارع السمكية، وترتب عليه انخفاض إنتاج كفر الشيخ من الأسماك من 60% من إجمالي إنتاج مصر إلى 50% من هذا الإنتاج.
ويشير إلى أن الخطورة لا تكمن في تدمير الثروة السمكية في مصر فحسب بل تمتد إلى ما وراء ذلك من تدمير صحة الإنسان الذي يتناول هذه الأسماك وإصابته بأمراض خطيرة.
ويتفق معه عبد الله عبد الحميد جبريل صاحب إحدى المزارع؛ حيث قال إن المياه المستخدمة في ري المزارع السمكية ملوثة؛ لأنها مياه صرف صحي وزراعي وصناعي قادمة من مصرف الزهيري.
ويشير إلى أن هناك فاقدًا كبيرًا في الأسماك بسبب هذه المياه الملوثة، وخاصة في موسم زراعة الأرز؛ حيث تزداد نسبة تركيز المبيدات الحشرية في المياه، بسبب استخدام الفلاحين للمبيدات بكثرة للقضاء على الحشائش من الأرز، مؤكدًا أنه لا توجد بكفر الشيخ مياه ري نيلية غير هذه المياه، والتي تستخدم في ري الأراضي الزراعية أيضًا.
ويوضح أن أسعار الأعلاف مرتفعه جدًّا؛ بسبب احتكار رجال الأعمال لمكونات العلف، وهذا يؤثر أيضًا على مربي الأسماك؛ مما يدفعه إلى التوقف عن العمل وتغيير النشاط في الوقت الذي تحتاج مصر فيه إلى الأسماك وتستوردها من الخارج.
![]() |
|
إحدى المزارع السمكية بكفر الشيخ |
أما محمد متولي- مهندس زراعي- يعمل في إحدى المزارع الكبرى، فيؤكد أن سوء المياه المستخدمة في الاستزراع السمكي يشكل مشكلة كبيرة جدًّا؛ حيث يتم ري المزارع السمكية في كفر الشيخ بمياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي بما تحتويه من أمراض ومبيدات وعناصر ثقيلة من مخلفات الصرف الصناعي.
ويقول: تأتينا المياه من مصرف الزهيري وهو (صرف صحي وصناعي وزراعي)؛ ما يؤدي إلى إصابة الأسماك بالأمراض التي تؤثر على الإنتاج، ومن ثم تؤثر على صحة الإنسان الذي يتناولها، ويشير إلى أن ارتفاع أسعار الأعلاف يدفع أصحاب المزارع إلى استخدام السبلة "روث الفراخ" في تغذية الأسماك؛ حيث توفر الكثير لأصحاب المزارع؛ حيث إن سيارة السبلة ثمنها 1000 جنيه، أما طن العلف فثمنه 3000 جنيه.
ويلفت إلى أن بعض أصحاب المزارع يقومون بالاعتماد التام على السبلة وغيرها من المخلفات طوال فترة التربية، ثم يقومون بعد ذلك باستخدام الأعلاف لفترة قصيرة من أجل تنظيف معدة الأسماك، وقال إنهم معذورون في ذلك بسبب ارتفاع أسعار الأعلاف.
ويوضح أن المياه والأعلاف ليست وحدها المؤثر على الاستزراع السمكي في كفر الشيخ فحسب؛ ولكن سيطرة رجال الأعمال الكبار، وغيرهم على مساحات كبيرة من الأراضي، وتحكمهم في أسعار الإيجارات، ورفعها بصورة كبيرة جدًّا يعرض أصحاب المزارع لخسائر كبيرة.
الأعلاف
عمال المفرخات يستخرجون الزريعة تمهيدًا لإطلاقها في المزارع

ويرى سمير الشافعي عبده صاحب مزرعة سمكية (بالعباسة بمحافظة الشرقية) أن المشكلة الكبرى التي يعانون منها هي ارتفاع أسعار الأعلاف؛ حيث يعتمد أصحاب المزارع هنا على السبلة في تغذية الأسماك، وهي الأخرى ارتفعت أسعارها ولم تعد موجودة بسبب حظر الحكومة نقل السبلة عقب أزمة إنفلوانزا الطيور.
ويضيف أن المياه التي نعتمد عليها هي مياه صرف صحي من مصرف بلبيس مختلطة بمياه الصرف الزراعي وصرف المزارع السمكية، وهو ما يسبب موت كميات كبيرة من الأسماك بسبب المياه الملوثة، وأشار إلى أن الحكومة تحظر علينا استخدام المياه الطبيعية في ري المزارع السمكية؛ حيث لا تصل للمنطقة بأكملها مياه ري طبيعية، كما أن الزراعات الحقلية هي الأخرى تسقى بمياه الصرف.
ويتفق معه في الرأي عامر عبد النبي صاحب مزرعة سمكية، مؤكدًا أن الحكومة تمنع عنهم استخدام مياه الري الطبيعية في مزارعهم، في حين أنها توصل المياه للمزارع الحكومية ومزارع الشركة العربية (مزارع الأجانب) عبر ترعة أسمنتية من ترعة الإسماعيلية التي يفصل بيننا وبينها طريق بلبيس فقط، ومع ذلك الحكومة لا تراعي توصيل المياه إلى آلاف الأفدنة ما بين مزارع سمكية وزراعات حقلية، تسقى جميعها بمياه الصرف الصحي؛ وهو ما يسبب موت الأسماك وقلة إنتاجية المزارع.
ويؤكد أن أسعار الأعلاف مرتفعه جدًّا ما يدفع بعض أصحاب المزارع إلى اللجوء إلى استخدام المخلفات مثل اللانشون الفاسد من مخلفات المصانع في تغذية الأسماك، وكذلك الطماطم والخضروات الفاسدة؛ الأمر الذي يؤثر على الأسماك، وينقل الأمراض للإنسان.
ومن جانبه يرى الدكتور محمد فتحي عثمان رئيس الهيئة العامة للثروة السمكية أن مشكلة ارتفاع أسعار الأعلاف محكومة بمتغيرات السوق العالمية، ولا يوجد أي احتكار لخامات الأعلاف؛ حيث إن المستورد يعتبر ناقلاً للخامات وهو مرتبط بالأسعار العالمية.
ويضيف أن من يستخدم السبلة في تغذية الأسماك هو الذي يدمر مزرعته؛ لأن السبلة تساعد على نمو الطحالب الخضراء بكثرة، والتي تعتبر غذاءً للأسماك وتمدها بالأكسجين نهارًا من خلال عملية التمثيل الضوئي، ولكنها تسحب الأكسجين من المزرعة ليلاً؛ وهو ما يؤدي إلى اختناق الأسماك وموتها.
ويتابع قائلاً أما الذين يلجئون لطرق غير مشروعة في تغذية الأسماك كأن يستخدمون (اللانشون الفاسد والطماطم والخضروات الفاسدة ومخلفات المصانع) فهم "يخربون" صحة الناس من أجل تحقيق أقصى عائد مادي.
ويشير إلى أن المزارع السمكية القائمة على مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي هي مزارع غير مرخصة؛ وليست تابعة للهيئة العامة للثروة السمكية؛ حيث إن هناك مساحة حوالي 300 ألف فدان مقام عليها مزارع، يتبع الهيئة منها 12% فقط، و50% مزارع مؤقتة، والباقي ملك المحليات وهيئة الأملاك، وهي التي تعتمد على الصرف والمحافظة هي التي تقوم بتأجيرها أما مزارع الهيئة، فهي تعتمد على مياه الري الطبيعية.
ويؤكد أن الهيئة تقوم بالكشف على المزارع، والتي تثبت مخالفتها تتم إزالتها، وكذلك تقوم بالكشف على الأسماك، ويتم إصدار تصاريح بيع للأسماك الخالية من الأمراض وإعدام الأسماك المصابة، كما أننا أقمنا وحدات لمعالجة مياه مصرف بحر البقر، وتقوم لجان بتقييم لمخرجات المحطة ومدى صلاحيتها للأسماك.
وقال معلقًا على قانون سنة 1983م الخاص بإقامة المزارع السمكية على مياه الصرف وحظر استخدام مياه الري الطبيعية.
ويقول نحن معترضون على قانون سنة 1983م الخاص بإقامة المزارع السمكية على مياه الصرف، ومنع استخدام مياه الري الطبيعية، ومتقدمون بطلب لتعديل هذا القانون.
صرف البقر
مخلفات مياه الصرف تطفو على مسطحات مزرعة سمكية

ويرى الدكتور أمين عبد المعطي الجمل أستاذ الثروة السمكية بزراعة عين شمس أن استخدام مياه الصرف الصحي والزراعي المحملة بالمبيدات الحشرية ومياه الصرف الصناعي؛ يشكل خطورة كبيرة جدًّا ليس على الأسماك وإنتاجية المزارع فقط، ولكن على الإنسان الذي يأكل هذه الأسماك؛ حيث يُصاب بأمراض خطيرة بسبب تناول هذه الأسماك.
وأضاف أن الكثير من أصحاب المزارع السمكية يقومون باستخدام المضادات الحيوية في مزارعهم، وهو أمر خطير جدًّا؛ حيث تتركز في أجسام الأسماك، وتنتقل إلى الإنسان بعد ذلك؛ ما يؤدي إلى حدوث مناعة ضد المضادات الحيوية في جسم الإنسان، وإذا مرض بعد ذلك تجده لا يستجيب للعلاجات والمضادات الحيوية، وفي النهاية تدمر صحة الإنسان.
وأشار إلى خطورة مصرف بحر البقر الذي هو صرف صحي للقاهرة، ويمر بمحافظة الشرقية، وينتهي ببورسعيد؛ حيث مقام عليه آلاف المزارع السمكية التي تصدر آلاف الأطنان من أسماكها يوميًّا إلى الأسواق.
وأرجع ذلك إلى سوء الإدارة الحكومية وغياب التنظيم والتخطيط الذي لا تعرف مصر عنه شيئًا.
ويقول إن مجال الاستزراع السمكي في مصر مثله مثل أي شيء (خربان)، وأنه ليس هناك قانون في البلد اللي عايز يعمل حاجة بيعملها، كما أن القانون يمنع إقامة المزارع السمكية باستخدام مياه الري الطبيعية، كما أنه لا يوجد نظام لمعالجة هذه المياه.
وشكك في احتمالية إصلاح وضع المزارع السمكية في مصر، قائلاً: لا أمل في الإصلاح، ولا يمكن التحدث عن هذا البلد إلا بعد تعديل القوانين، والقضاء على الفساد، ولا أرى أن الحكومة لديها نية للتغيير (مفيش فايدة)، وعلى الشعب أن يسلم أمره لله فلا شيء يتم بصورة صحيحة في هذا البلد.
مستحدثة
عمال إحدى المزارع السمكية ينقلون الأسماك ويظهر على ملابسهم آثار مياه الصرف السوداء

من جانبها، أكدت الدكتورة مي الدسوقي أستاذ أمراض الأسماك؛ أن تربية الأسماك في بيئة غير نظيفة يضع الأسماك في حالة استعداد لتقبل الإصابة بالأمراض المختلفة؛ سواء كانت من أمراض الأسماك المعروفة أو أمراض مستحدثة على الأسماك.
وأوضحت أن استخدام مياه الصرف قد يصيب الأسماك ببعض الأمراض البكتيرية مثل (الاستربتوس المعوي) الذي يصيب الأسماك، بالإضافة إلى الإصابة بميكروب (الأيرمونس) المائي الذي يصيب الأطفال بإسهال معوي يؤدي إلى الجفاف، ومن ثم يعرضهم إلى الموت، وكذلك مرض (فلو مونس) الذي يسبب الطفح الجلدي.
وأشارت إلى أن هذه الأمراض وغيرها تنتقل إلى الإنسان عن طريق تناول الأسماك المصابة، مبينة إمكانية انتقال أمراض عديدة إلى الإنسان بدون ظهور أعراضها على الأسماك.
وطالبت بضرورة معالجة المياه المستخدمة في الاستزراع السمكي بطرق علمية حديثة؛ لتجنيب المواطنين أخطار الأمراض التي قد تنتقل إليهم من الأسماك التي تربت في مياه مليئة بالمبيدات والعناصر الثقيلة والأمراض من مياه الصرف الصحي والزراعي والصناعي.
