![]() |
|
د. حسن الحيوان |
- أن فريضة الحج لا يمكن إلا أن تكون مركز تدريب مكثف، روحي ومادي، فهل هناك شعب أو أمة غير المسلمين تتخذ فترة التدريب في حد ذاتها كهدف من هذا المركز؟ أم أن البديهي أن يكون الهدف هو أيضًا فترة ما بعد مركز التدريب؟
- القرآن الكريم يؤكد ذلك ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة)، ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِي يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197)﴾ (البقرة).
- أي أن الحكمة من الصيام هي التقوى والتي تمثل في الآيه الأولى الهدف في حد ذاته، وفي الثانية عن الحج نجد أن التقوى تمثل الزاد أي الوسيلة، وحيث إنه لا يمكن وجود هدف بدون وسيلة ولا وسيلة بدون هدف، فالربط واضح بين الأركان، أي أن الحج (مثل الصيام والذي أشرنا إليه في مقال سابق) لا بد أن يكون هدفًا ووسيلة في نفس الوقت.. ونلاحظ أن الآية الأولى لا تشير إلى أولي الألباب؛ لسهولة فهم أن أركان الإسلام تمثل أهدافًا إيمانيةً روحيةً في حد ذاتها بأداء العبادة لإسقاط الفريضة؛ لكن الآية الثانية تؤكد أن التوجيه لأولي الألباب لإدراك إستراتيجية المنهج الإسلامي من خلال ضرورة اتخاذ أركان الإسلام أيضًا كوسيلة عملية مادية لتفعيل الحياة لضرورة وحتمية ربط العقيدة بالشريعة التي توجب إعمار الأرض لتحقيق النهضة، ونحن بصدد ركن الحج مثلاً وليس حصرًا:
- المساواة: فالإسلام هو أول من أسَّس للمساواة على أساس الآية الكريمة: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13)، الأمر الذي يتضح في كل خطوات الحج مع توحيد الملبس لجميع الحجاج، كما تشير الآية؛ لأن التقييم بالتقوى عند الله، وليس فيما بين البشر بشأن شتى القضايا الدنيوية، والتي أقر الإسلام تقييمها على أساس الحقوق والواجبات ومبدأ الكفاءة في العمل ونزاهة اليد؛ وذلك لتأكيد قيم الحرية والعدل، وصولاً لإقرار السلام على شتى المستويات المجتمعية والعالمية.
- السعي: هدف وجزء أساسي من الحج؛ لكنه أيضًا وسيلة لتفعيل الحياة في إطار رسالة الإسلام الحضارية بالاستخلاف وإعمار الأرض، أي السعي لاستفراغ الحد الأقصى من الجهد المادي الدنيوي، كل في تخصصه، كفريضة وشريعة وفقًا لأحدث ما وصل إليه العصر في كل المجالات، كما أن للسعي في الحج إطارًا ومسارًا وليس يمينًا أو يسارًا، وهي إشارة لأن السعي الحضاري في الحياة، مثلاً وليس حصرًا في سبل الكسب والإنفاق؛ له مسار وضوابط وفقًا لمرجعية شرعية تؤسس لمبدأ أن الغاية لا يمكن أن تبرر الوسيلة.
- ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ (الحج: من الآية 28)، الآية تشمل الجانب العملي الدنيوي، وهو تحقيق المنافع المادية، وكذلك الجانب الإيماني الروحي الأخروي المقصود بذكر الله سبحانه، والعقلانية والمنطقية أيضًا واضحة في عظمة الآية بتقديم الجانب الدنيوي على الأخروي؛ لأن الحج يحتاج إلى كثير من الترتيبات اللازم إنجازها مسبقًا مثل أنشطة شركات السياحة والنقل، ثم شتى الاحتياجات من المأكل والملبس والإقامة اللازمة أثناء فترة الحج، ولا حرج من تحقيق المنفعة المادية، بشرط أن لا تتحول الوسيلة إلى هدف محض؛ وبحيث لا يطغى الجانب المادي على الجانب الروحي، وهو ما نرمز له بتوحش العلمانية.
- توحش العلمانية: تحويل تأشيرات الحج إلى تجارة ووساطة سياسية مع المغالاة الشديدة في أسعارها، وظاهرة الحج السريع، في ثلاثة أيام لتحقيق أعلى ربح مادي لشركات السياحة، مقابل أعلى مستوى من الرفاهية، واختصار الوقت للحاج، مع استخدام أكثر ما يمكن من الرخص الفقهية- المقصود بها فقط استيعاب الحالات الاستثنائية- بحيث يتحول الحاج من عابد إلى سائح، لا يمارس الحج روحيًّا، بل يتفرج على الشعيرة، ويملأ فراغات في "بروجرام" رحلة دقيقة وخاطفة.
- فالعلمنة أخيرًا بدأت بتصريح غير مسبوق، يصادم الدستور، للدكتور نظيف في 2006م بأن مصر دولة علمانية، ثم برفع طلب للرئيس بإلغاء الحج 2009م بسبب الإنفلونزا، مع تجاهل تام للأزهر ودار الإفتاء ودون أي احتجاج من هؤلاء على هذا التجاهل المتعمد، ونحن لا نحتاج للمقارنة بين وباء الطاعون والكوليرا في 1947م؛ حيث لم يتجر أحد على ركن الحج، بالرغم من ضعف الإمكانيات الصحية مع هول الوباء في ذلك الوقت، كما أننا لم نلاحظ تركيز الدولة على حماية المجتمع من الإنفلونزا إلا في التعليم والحج، بالرغم من وجود تجمعات ضخمة في أماكن ضيقة مغلقة؛ مثل المسارح والسينمات، وما يسمى بالمراقص الليلية، كما أن الدولة لم تفكر في منع دخول الوافدين من الدول التي انطلقت منها الإنفلونزا؛ مثل المكسيك وأمريكا، فما المقصود من كل ذلك؟
- صحيح أن العلمنة كسيحة ومعدومة الجذور الشعبية في بلادنا لأسباب بديهية؛ لكن التركيز الغربي على التصدي بشتى الوسائل الظالمة للمد الإسلامي الماثل في الغرب قبل الشرق (مع ضعف المسلمين كأمة ودول ومجتمعات)، وكذلك دعم الأنظمة العربية لكل ما هو علماني لمجرد إقصاء التيار الإسلامي المؤهل لإحداث التغيير السلمي في اتجاه الديمقراطية وتداول السلطة، يدعونا جميعًا لتحمل المسئولية الفردية الإسلامية تجاه توحش العلمانية.
- إنها مسئولية العلماء والمفكرين نحو ضرورة استثمار وتوجيه الصحوة والمد الإسلامي تجاه الإسلام كعقيدة وشريعة.. كمنهج ونظام متكامل لكل مجالات الحياة، كما أنها مسئولية الجميع نحو القيام بالواجب الشرعي؛ الفردي الخاص والمجتمعي العام، اللازم بالضرورة لتفعيل هذا المنهج وصولاً لتحقيق النهضة.
----------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار
