الآن، وقد بدأت الأمور تهدأ، وتعود إلى وضعها الطبيعي، ويبدأ تناول ملابسات ما حدث بعيدًا عن صخب الإعلام، وضجيج التحريض والتهييج الذي تشهده الساحة الإعلامية منذ أكثر من شهرين.
ذلك أنه منذ أعلن الأستاذ المرشد عدم رغبته في تجديد مدة ولايته التي تنتهي بنهاية يناير المقبل، وأنه يُفوض الدكتور محمد حبيب النائب الأول القيام بأعماله وإدارة شئون الجماعة، ريثما يتم تسمية مرشد عام جديد، وفقًا للائحة المعمول بها في هذا الشأن، منذ ذلك الإعلان والأحداث تتابع، ووسائل الإعلام تتبارى في متابعة تداعيات ما حدث، ويدلي كل كاتب بدلوه، فمنهم المعتدل الذي ينشد الحقيقة، ومنهم المتحامل الذي يبحث عن المعايب والمثالب، ويبرز جوانب- ما يحسبه- خلافات وشقاقات في الجماعة، بل ويذهب إلى تصوير ذلك كله على أنه صراع بين- ما يزعمه- إصلاحيين ومحافظين، أو بين حمائم وصقور، ومنهم من يَهْرف بما لا يعرف، بأن يخوض في قضايا ليس له باع فيها، ولا يدري شيئًا عن مكوناتها ولا ملابساتها، ثم يُصدر أحكامًا، تعكس رؤاه الخاصة، وتفضح توجهه وتكشف مكنونات نفسه التي لا ترى الجوانب المضيئة في العمل الإسلامي الذي تقوده الجماعة في هذه الظروف الصعبة التي يمر بها العالم الإسلامي.
- نماذج من الكتابات المعتدلة والهادئة:
1- يبرز اسم الوالد الأستاذ الدكتور محمد فريد عبد الخالق كأحد الحكماء البارزين الذي يزن الأمور بميزان دقيق وبحكمة وأناة وتريث، فتراه كما كتب في جريدة (الدستور) بتاريخ 9/11/2009م، يشير إلى تغليب المؤمن لحسن الظن بإخوانه لا على الشك والسوء، وفي ذلك توجيهه إلى منهج الإسلام في مواجهة الأمور، والوصول في الحكم عليها، فلا يسقط المؤمن في حمأة السوء والباطل، مؤثرًا الظن الحسن فتسلم للمؤمنين محبتهم وحركتهم نحو أهدافهم وتحصيل مرضاة ربهم، لا تزيدهم المحن إلا قوةً وتعاونًا في حقهم، ولا يمنع ذلك من مراجعة النفس في كل أمر؛ مما يعود بالخير على الدعوة التي نذروا لها حياتهم، وأوقفوا على خيرها كل ما يملكون في رضا وقناعة، متواصون بالحق والصبر على تكاليفه.
ويمضي الأستاذ فريد في التذكير بهذه المعاني التي من شأنها أن ترد الجميع إلى الأصل الذي انطلق منه الإخوان، وهو الحق الذي آمنا به وبايعنا عليه، وهو كذلك الذي يجمع القلوب ويعمق الأخوة والحب بين الجميع؛ حتى المختلفين في الرأي.
ويرى أن الجماعة تعالج أمورها في مختلف المجالات بوسطية الإسلام وشموليته وسماحته، وبالرفق لا بالعنف، ولا يجب أن يُخلط بين الشأن الخاص والشأن العام، فلكل دائرته ومجاله، لا يختلطان ويحذر- بارك الله فيه- من استدراجات إعلامية لبعض المتحدثين؛ لما فيه نيل من الجماعة وإضرار بها.
ويرى كذلك أن أزمة تصعيد عضو في الجماعة إلى عضوية مكتب الإرشاد؛ شأن خاص بالجماعة لا محل فيه بالشأن العام، ويكاد يرد بذلك على الذي حاول أن ينال من الجماعة، ويدعي أن لائحة الشورى العام في 2005م مزورة، وهذا كذب وافتراء وجهل، ورد عليه بشكل حاسم وموضوعي فضيلة نائب المرشد، إذ إن تعيين عدد من الشخصيات ذات الكفاءات التي ربما لا تأتي عن طريق الانتخاب القاعدي، ومثال ذلك تعيين الأخ المرحوم عبد المنعم سليم جبّارة، وهو الذي كان يقوم على الجانب الإعلامي وغيره.
2- ويذكر الأستاذ أحمد عز الدين في مقال له بتاريخ 27/10/2009م بموقع "العرب نيوز" تحت عنوان "الإخوان.. خلاف لائحي": "إن الجماعة تتعرض في مصر لحملات انتقاد شديدة ومتعاقبة، وبتنويعات مختلفة بما يؤكد أن هناك "حوافز" سخية يتلقاها من يكتب في هذا الموضوع بتلك الطريقة"، ويقول: "أصبحت هناك ألف عين ترقب وتكتب وتذيع، ولكن وراء هذه الأعين الظاهرة عدد أكبر من العيون الخفية التي ترفع توصيات تنبني عليها سياسات وقرارات"، أرأيتم خطورة المعركة وشراسة المواجهة مع الجماعة في ميادين غاية في التأثير في الرأي العام الذي تشكله مجالات الإعلام المختلفة.
ويشير الأستاذ أحمد عز الدين إلى أن الخلاف الأخير خلاف لائحي، وهو تفسير معقول بعيد عن اتهام النوايا، ويبين أن ذلك أمر شائع في كل التنظيمات والمنظمات والهيئات، وأن الإخوان قد اختلفوا في اللائحة ولم يختلفوا حول المنهج، ولم يفترقوا حول المبادئ، والاختلاف في اللائحة لا يفسد للود قضية كما يُقال.
3- أما الدكتور "رفيق حبيب" فيرى أن اختلاف الرأي داخل الجماعة جزء من حيويتها، وجزء من التنوع الداخلي، ويقول: "إن الجماعة تجد نفسها أمام خيارات متعددة، وعليها حسم الخيار بين عدة آراء، وهنا تظهر الصورة النمطية عن وجود أكثر من اتجاه وعن الاختلاف بينهم".
وجدير بالذكر، أننا في حواراتنا في الجماعة وفي كل المستويات نرحب بالحوار والمناقشات والرؤى التي تثرى العمل في مجالاته المختلفة، ولا نضيق ذرعًا بذلك طالما هو في إطار ثوابت الجماعة، ولا يتصادم مع القيم التي تنادي بها وتعمل لها، ويدعم وحدة الصف، ويعمل في إطار تأكيد الأخوة وتعميق الحب في الله عزَّ وجلَّ، والحرص على تحقيق أهداف وغايات الإسلام، والسعي لإصلاح شأن الأمة بإقامة المنهج ونزول الناس طواعية، على تحكيم شرع الله في واقع الحياة؛ حيث في ذلك سعادتهم وعزهم المفقود.
وليس من المسئولين في الجماعة من يخشى التغيير والتطوير في مجالات الدعوة ودعم الجديد المستحدث، إذ إن ذلك لا يتعارض مع شرع الإسلام وقيمه الثابتة، وأظن أننا نشاهد هذه الحقيقة على مدار تاريخ المسلمين من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحتى الآن، مرورًا بالخلفاء الراشدين والدولة الأموية والعباسية، إذ لم يمنعهم التمسك بشرع الله أن يأخذوا بمستحدثات الحضارات الأخرى المجاورة، بل إنهم هضموا ذلك، وأخرجوا ثماره علمًا وفلكًا وطبًّا وتفوقًا في كل المجالات، وكان ذلك كله منبثقًا من روح الإسلام وثوابته وأصوله.
وما نستهدفه في دعوتنا كما تعلمنا من الأستاذ البنا- رحمه الله- هو أن نتوازن في كافة مجالات العمل الإسلامي؛ بحيث لا يطغى جانب على الآخر، وأن نحقق جانب الشمول الذي هو أصل من أصول الفهم العشرين.
والقضية التي يثيرها الدكتور رفيق حبيب أن الجماعة وهي تعمل على حسم الخيارات المختلفة تعمل بشيء من التوازن بين الخيارات المتعددة، وغالبًا ما يكون هناك اختلاف في كل ما يستجد من قضايا ورؤى مستحدثة، والنقاش والحوار حول هذه الأمور يترتب عليه- وبشيء من البحث والتأني- الخروج بقرارات ومحددات لا تتصادم مع الأصول، وتواكب في نفس الوقت الجديد والحديث، وتتجلى هنا عظمة دين الإسلام، الذي لا تجده أبدًا جامدًا أو متقوقعًا.
- أبرز الدروس المستفادة:
1- لا مانع من الخلاف في الرأي، بل إن ذلك أمر طبيعي؛ ولكن المحذور أن يُعجب كل ذي رأي برأيه، ويكوِّن فريقًا أو مدرسة فكرية داخل جسم الجماعة وهيكلها، ثم يتراشق الجميع، ويكيلون الاتهامات بعضهم لبعض، ومن هنا كان حرص الغيورين على الجماعة على وحدة القلوب، وتعميق آصرة الأخوة، وذوبان كل الأطياف الفكرية في حضن الجماعة ولمصلحتها وتحقيق أهدافها.
2- إن ولاء الأفراد يلزم أن يتوجه إلى المبدأ والالتفاف حول الجماعة، والأشخاص في عموم الأحوال إلى زوال، ويبقى المبدأ والقيم، ومن هنا كان الارتباط غير الطبيعي بالأشخاص أمر مستنكر داخل العمل الجماعي والحي لا تؤمن عليه الفتنة، وقد رأينا على مدار تاريخ الجماعة الطويل صدق هذه المقولة وصوابها.
3- وإن ركن الثقة بالمنهج والقيادة، أصيل في دعوتنا، ويتطلب ذلك من الجميع- بلا تردد- أن نستوثق من صدق وشرعية أي رأي أو مقولة أو معلومة تلقى علينا من هنا أو هناك، فآفة الأخبار رواتها، ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)﴾ (النور)، نقول إن حسن الظن بالمؤمنين مطلوب، ولا نترك للشيطان ووساوسه سبيلاً إلى قلوبنا نحرص عليها أشد الحرص، والأخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر.
4- ما كنت أتمنى أن يأتي اليوم الذي يأخذ فيه الإخوة الكرام أعضاء مكتب الإرشاد قرارًا يتصادم مع رغبة الأستاذ المرشد؛ فإن ذلك شديد على أنفسنا جميعًا، وكنت أفضل التأني والتريث في هذه الخطوة بمزيد من الدراسة والبحث وقراءة العواقب والآثار، فدرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ومع ذلك كله، ومع فداحة الموقف، فإن هذا يحسب للجماعة لا عليها، إذ إن المرشد الذي بمثابة الرأس لهذه الجماعة لا يمكنه فرض رأيه ورغبته على مجلسه أو مؤسسته، وهذا كله يضاف إلى جوانب العظمة في هذه الجماعة، وما تحمله من قيم ومبادئ تمثل حجة على النظم والمؤسسات والأحزاب كلها.
5- إن العمل وفق لائحة لا شك فيه حماية للجماعة من الاختراق، والهوى، والآراء الشخصية والنزاعات والانضباط المطلوب في بعض الأحيان، ولكن على الوجه الآخر يلزم، ونحن نطبق ذلك أن يكون هناك شيء من المرونة، وقراءة الآثار المترتبة والجانبية، وأن ندرس الحالات المعروضة بشيء من الهدوء والروية والتأني، وأن ننظر إلى بعيد لا تحت أقدامنا؛ حتى تستقيم خطواتنا دون عثرات بإذن الله.
وبالله التوفيق.