الموعد الرابع مع العظمة

الأخ الحبيب..

تحية من عند الله مباركة طيبة.. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد؛

فلا يتطرق بنا الحديث عن عمر العظيم والسيرة العمرية.. إلا ويستوقفنا حدث من أخطر وأجل الحوادث في تاريخ الأمة في عهد عمر رضي الله عنه، وأقصد بذلك حدث عزله لخالد رضي الله عنه؛ وهو في قمة لياقته وانتصاراته العسكرية، بل وهو في الميدان الذي أحبه وعشقه وقضى فيه حياته، وأثبت أنه رجله الذي لا يُنازع في التاريخ.

 

لقد جرت العادة أن يُعزل القادة العسكريون إذا أخلوا بواجباتهم، أو فشلوا في المهام الموكلة إليهم، أو جاءت الهزيمة على أيديهم.. وتطالب بذلك الشعوب قبل القيادات السياسية، وأما إذا كان النصر حليفهم، فالوضع يأخذ منحًى مغايرًا؛ إذْ يُنعم عليهم بالأوسمة والنياشين والأنواط، ويرقّون إلى الدرجات الأعلى، ويحاطون بكل أنواع التكريم والتقدير والاعتزاز والإجلال والاحترام.

 

لكن عمر العظيم لا يأبه بهذا النسق من التفكير، ولا يقيم وزنًا لهذا النمط من السلوك.. إنه يأخذ الخطوة التي يختلف فيها مع المعهود من البشر.. عمر العظيم لا يقف عند القشور لكنه ينفذ إلى اللباب، ويقرأ ما بين السطور بتدبر وتأمل وعمق.. لا يقف عند ظاهر الحدث؛ لكنه يتعداه إلى جوهره ومغزاه ودلالاته، وما يمكن أن يؤدي إليه الحال ويصل إليه المآل.. هو لا ينتهي عند حدود اللحظة الراهنة.. وإنما يتجاوزها إلى ما بعدها.

 

الأخ الحبيب..

إن النفس الإنسانية تحتاج إلى من يتفحصها جيدًا، يتعمق في فهمها، يسبر غورها، يعرف تقلباتها، يضع يده على مكامن القوة أو الضعف فيها، كيف يمسك بزمامها أو يكبح جماحها، خاصة وأنها أمّارة بالسوء كما جاء في القرآن العظيم ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف: من الآية 53).

 

فما بالك بالحالة النفسية لشعب بأكمله فيه من التناقضات والتباينات والغرائب والعجائب ما لا يخطر على بال إنسان؟ إن عمر العظيم لا ينساق مع الفرحة الغامرة التي تنتاب شعبًا، في موقف أو مرحلة ما، ثم تقع الكارثة أو تحدث المأساة بعدها.. هو يؤسس لقاعدة مهمة وهي أن الاستمرار في النصر، أو الانتقال من نصر إلى نصر أكبر هو الغاية المنشودة لأي أمة تبغي السيادة والسعادة.. وهذا وذاك يتطلب:

- ألا يرتبط أو يتوقف النصر على شخص أو أشخاص بأعيانهم.

- أن الأمة يجب أن تكون ولودًا، فتضع من الخطط والبرامج ما يؤدي باستمرار إلى إفراز أبطال وقيادات على مستوى التحدي، وإلا توقف النصر برحيل هذا الشخص أو وفاته أو عجزه.

- الوعي بالتاريخ ومستجداته، وأن لكل مرحلة رجالها وأهلها، وأن ما يصلح لزمن قد لا يصلح لزمن آخر.

- إدراك أن النصر لا يصنعه رجل واحد مهما علا شأنه وارتفع قدره، ومهما أظهرت الأحداث نبوغه وعبقريته، وإنما يصنعه رجال أو مؤسسات قادرة على التخطيط والتدبير والتنفيذ والتعامل مع الأزمات.

 

الأخ الحبيب..

نحن في الواقع أمام عظيمين من أعظم عظماء التاريخ، أو إن شئت أمام عظمتين.. عظمة عمر وعظمة خالد.. فعمر العظيم ما كان ليقدم على عزل خالد في هذا الظرف إلا لأنه يدرك عظمة خالد.. فخالد لن يُصاب بانهيار، كما يحدث للقادة الكبار في مثل هذه الظروف.. وخالد لن يحدث له إحباط أو اكتئاب لفقده منصبه، أو لأن رؤساءه لم يقدّروا انتصاراته التي أحرزها، أو لم يحسبوا حساباتهم بدقة.. وخالد لن يترك القتال؛ لأن الأوامر صدرت إليه بالانتقال من القيادة إلى الجندية وهو ما اعتاد إلا أن يكون قائدًا.. لا.. هو يقاتل في أي موقع سواء كان قائدًا أو جنديًّا وتحت إمرة فلان أو علان.. إن بعضًا منا يُصاب بيأس قاتل إذا هبط من موقع القيادة إلى موقع الجندية، وحالة التوحد بين الإنسان وموقعه حادثة بيننا وتصيب الكثيرين منا.. ويحتاج الأمر إلى علاج.. علاج حاسم وسريع.

 

لقد كان عمر العظيم أمام جبل أشم.. أمام قوة نفسية هائلة تتحمل مثل هذه المواقف وما هو أشد منها.. وكما نَفَذَ عمر إلى ما بين السطور، كذلك فعل خالد العظيم الذي فهم المعنى وما وراء المعنى، كان عمر موقنًا أن عظمة خالد سوف تمنعه من الاستماع إلى من يحرِّضون على الفتنة بالعبارة أو الإشارة، كما أنه لن يلقي بالاً إلى نظرات الشماتة في عيون أعدائه أو خصومه، ثم إن عمر العظيم كان يعرف عن خالد مدى ثقته بنفسه، وعمق إيمانه، وارتباطه بالإسلام، فلا القيادة ترفعه، ولا الجندية تضعه.. وخالد العظيم لم تساوره نفسه أن يبعث إلى عمر يسأله لمَ فعل ذلك معه، أو ليستعطفه كي يبقيه في موقعه.. لا.. فالكبرياء الإنساني، والتسامي والترفع عن الدنايا عند خالد فوق كل اعتبار.. إن الفارس النبيل لا يطأطئ رأسه أبدًا ولو في مقابل حياته، وخالد العظيم الذي عاش عمره كله فارسًا نبيلاً، بل أشجع وأنبل فرسان التاريخ يظل رافعًا رأسه حتى وهو على فراش الموت، "وها أنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء".

 

إن عمر العظيم لم ينتظر حتى تنتهي المعارك ويعود خالد إلى المدينة ثم يعلنه بقراره.. فخالد لم يرتكب خطأً، أو يقع في هزيمة ساحقة ماحقة تستوجب استدعاءه على الفور لمحاسبته ومحاكمته، وبالتالي إيقاع العقوبة المناسبة به، لقد كان خالد في قمة الانتصارات، ولمّا يزل في ميدان المعركة، والجيش في حاجة إليه، فما الذي جعل عمر يصنع ذلك؟ وهل كان قراره متعجلاً؟ في ظني- والله أعلم- أن عمر أراد أن يلقن الجيش المقاتل (دفاعًا عن الحق والعدل والحرية)- في هذه اللحظات الحرجة- أنه قادر على إحراز النصر بغير قيادة خالد.. أراد أن يبث في القيادات الأخرى ثقتها بنفسها.. أراد أن يلقي في روع العدو أن هناك العشرات، بل المئات مثل خالد يمكن أن يدفع بها إلى القيادة، ويتحقق على يديها النصر، وهذه القيادات المؤهلة موجودة بالفعل في ميدان المعركة، وإلا ما تعجَّل عمر إصدار هذا القرار.. أراد عمر أن يقول للأمة والتاريخ إن الفتنة في قيادة ارتبط النصر بها خطر على الأمة، وخطر على القيادة نفسها، وخطر على كل القيادات من حولها، بل وخطر على الجيش المقاتل ذاته، قبل خوض المعركة وأثناءها.

 

الأخ الحبيب..

أنا لا أحاول التماس المعاذير أو تقديم التبريرات لما فعله عمر بعزل خالد.. لكنها محاولة مني للفهم والاقتراب والغوص في عمق الحدث، فعمر العظيم المؤيد بالوحي في زمن النبوة آتاه الله علمًا وحكمة وعقلاً ورشدًا، وما كان ليفعل ما فعل إلا لما فيه مصلحة الأمة.. ومصلحة خالد.. ومصلحة كل قيادة.. إن خالد العظيم الذي وصفه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم عقب سرية مؤتة بسيف الله المسلول، وما أدراك ما توحي إليه هذه الكلمات، وما قال عنه الصديق رضي الله عنه وأرضاه: "لأنسين الروم وساوس الشيطان بخالد بن الوليد"، أقول يأتي عمر العظيم، ويعزله وهو في قمة تألقه وتوهجه، وفي لحظة من أشد اللحظات حرجًا في حياة الدولة.. كيف هذا؟ هل جانب عمرَ الصوابُ أم هي أحد الدروس العمرية الفذة؟ هل هي إحدى الفلتات العبقرية التي لا يقدر عليها سوى عمر؟

 

إن الغرور أحيانًا ما يركب القادة الذين تعودوا دائمًا إحراز الانتصارات الكبرى.. صحيح أن خالد العظيم ليس كذلك، ولا يمكن أن يكون كذلك؛ لكن عمر يقول كلمته ويقدم أنموذجه للتاريخ، وللأمم، وللقادة، وهو آمن على أمته وقادته.. فقد تكون هناك لحظة ليس فيها خالد أو أمثاله من القادة العظام، وقد تكون هناك لحظة ليس فيها عمر أو رعية عمر.

 

إن الضعف البشري كما يجري في حق الأفراد، سواء كانوا ساسة أو عسكريين، يجري أيضًا في حق الجماعات والشعوب، وعمر العظيم يريد أن تكون أمة الإسلام ناهضة، قوية، عفية، حية، ذات مناعة عالية، تستشعر الخطر قبل وقوعه، يريد تحصين الأمة من الوقوع في الشرك فتحتاط له.

 

إن عمر العظيم كان رجل دولة من طراز رفيع غير مسبوق، ومنذ ولي المسئولية الكبرى، وهو يعمل لكل شيء حسابه.. تنام عينه ولا يغفل قلبه.. عقله منشغل بكل ما يجري على الساحة داخليًّا وخارجيًّا، وما الذي يحتاجه الرضيع، والصبي، والشاب، والكهل، والأم، والزوجة، والزوج، والبيت، والأرملة، والمطلقة، والفقير، والضعيف، والمسلم، وغير المسلم، والنظام العام للدولة، والاحتساب، والولاة، والقادة، والشورى، والفتوحات، والأمم الأخرى، ورؤساء الممالك، والبعوث.. وحتى الدواب.. هكذا يجب أن تكون الرئاسة والزعامة والنموذج والقدوة والمثال.. هكذا يجب أن يكون الإحساس العالي بالمسئولية تجاه كل الشئون والمجالات والميادين.

 

لقد فتح عمر العظيم أبواب الاجتهاد في أمور شتى لدرجة تصيب المرء منا بالحيرة والعجب والدهشة والذهول حول هذه العقلية العبقرية غير المسبوقة في التاريخ؛ إن المسألة عند عمر لم تكن مقتصرة عند المعنى اللفظي لصفة العدل التي كانت علمًا عليه، فسُمي من أجلها الفاروق؛ لكنها كانت- كما أتصور- أعم وأشمل وأعمق من ذلك بكثير.. إذ ما فائدة عدل دون شجاعة وإقدام وقدوة وطاقة وهمّة وإرادة وعزيمة؟ وهل يمكن أن يكون هناك عدل حقيقي دون سعة أفق، ورحابة صدر، وبعد نظر، ورجاحة عقل؟ وألا يستلزم العدل تفكّرًا وتدبّرًا ومعرفةً وعلمًا وإحاطةً وشمولاً وخبرةً بكل الدروب والمسالك؟ وهل يعمل العدل بمعزل عن الرحمة والرأفة والإحسان؟ يا صاحبي: إن العدل حين يكون صاحبه موصولاً بالله، مقتديًا بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يُرزق الخير كله.. وهكذا كان عمر.

 

نسأل الله تعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يجعلنا من عباده المجاهدين العالمين العاملين، وأن يرزقنا الشهادة في سبيله، وأن يرفع لواءنا ويخذل أعداءنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والله من وراء القصد.

---------

* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين.