د. جمال نصار

 

كتبت في مقال سابق لي قبل عيد الأضحى بعنوان: "كل عام ومصر والجزائر بخير"، وكان يدور هذا المقال حول ضرورة توافر الروح الرياضية، وروح التسامح والود والحب؛ لأننا في النهاية أشقاء عرب ومسلمين، ولا بد أن نتمسك ببعضنا البعض، وكل منا يشد من أزر أخيه، وأن نكون يدًا واحدة أمام أعدائنا حتى لا يشمت بنا الأعداء.

 

أما ما دعاني لكتابة هذا المقال هو ما حدث لي على وجه الخصوص؛ حيث كنت ذات يوم ببيتي بعد مرور أيام عيد الأضحى المبارك- أعاده الله علينا ونحن أمة واحدة يسودها الحب والتعاون والتأخي والتماسك- فإذا بهاتف البيت الأرضي يرنّ رنة واحدة فقط، وبعد فترة ليست بكبيرة يرن مرة أخرى، فلا أتمكن من الرد، وظل الهاتف على تلك الحالة حتى في الساعات المتأخرة من الليل، وكلما نظرت لرقم الطالب الذي ظهر عندي على شاشة الهاتف، وجدته رقمًا غريبًا ليس من مصر.

 

وظل الأمر لمدة يومين، ثم بعد ذلك ظل هذ الرقم يرن باستمرار فتمكنت من الرد عليه، وإذا بي أجد شخصًا يقول لي وهو يضحك متهكمًا: "أنت يهودي والمصريون يهود"، ودهشت من تلك العبارة، وقلت له: من معي، قال: أنا محمد من الجزائر وجزائري الأصل، وقد كرهت المصريين؛ لأنهم ضربوا إخواني الجزائريين في مصر والسودان، وسمعته إلى آخر كلامه، ولم أقاطعه حتى يخرج كل ما بداخله، وقلت له: ومن أين أتيت برقم هاتفي؟ قال: أنا لا أقصدك أنت فقط، ولكن أقصد كل المصريين، فنحن نضرب أرقامًا عشوائية بمصر، وقلت له: يا أخي الحبيب ألسنا كلنا عرب وإخوة أشقاء؟! ألم نقف في يوم من الأيام الصعبة بجوار بعضنا البعض؟ ألم يحك التاريخ ويتكلم عن صمودنا سويًّا ومحاربتنا للمحتل الغاشم؟! أم هذا التاريخ قد مات وأصبح ماضيًا في طي النسيان؟! وكل ذلك بسبب مباراة كرة قدم أصبحنا أعداءً! هل هذا سبب وجيه لكي نفترق ونضرب بتاريخنا وقيمنا ومبادئنا وأخوتنا عرض الحائط  ونصبح بعدها أعداء؟!

 

لا يا أخ محمد.. يجب علينا أن نتمسك بأخوتنا، ولا نتفرق بسبب مباراة لكرة القدم، ونضع الموضوع في حجمه الطبيعي، فنحن شعبان كبيران لهما تاريخ عظيم، وما حدث كان نتيجة لخروج قلة لا تتسم بالروح الرياضة، وأحدثت توترات هنا وهناك؛ سواء على المستوى الإعلامي أو الشعبي، وعلينا أن نتفرغ لما هو أهم لصالح بلادنا في السعي الدؤوب لنهضتنا ورقينا في جميع المجالات الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية والسياسية والإعلامية، وغيرها، ومحاربة الفساد والاستبداد كل في مجاله وتخصصه، وننصر قضايا أمتنا التي ننتمي إليها، ولنكن يدًا واحدًا لإنقاذ مقدساتنا في فلسطين من أيدي أبناء القردة والخنازير.

 

هذا هو المطلوب منّا يا أخ محمد على مستوى الشعوب، ولا يجب أن ننجرّ وراء العصبية البغيضة والنعرات المقيتة؛ علّها تكون فرصة سانحة لكي نرتب أولوياتنا في حياتنا.


وتحياتي لك ولجميع الأشقاء في الجزائر.. مع رجاء التواصل.

----------

* nassareg2000@gmail.com