- د. حمدي عبد العظيم: الأسواق العشوائية الوكر الرئيسي لترويج هذه السلع
- د. جهاد صبحي: رجال الأعمال استغلوا الركود الاقتصادي لترويج بضائعهم
- صلاح الجندي: التجار يتفننون في عمليات التهريب والدول الأجنبية المستفيد الأول
- "حماية المستهلك": 12 مليار جنيه حجم السلع المهربة داخل الأسواق المحلية
تحقيق- الزهراء عامر:
شاع الحديث في الآونة الأخيرة عن شفاء الاقتصاد المصري من تداعيات الأزمة المالية العالمية التي ألقت بظلالها على مصر خلال الأشهر الماضية، وقد غفل المسئولون عن أن الأزمة المالية العالمية تركت خلفها أثرًا سيئًا يؤثر سلبيًّا على معدلات النمو، ولا يستطيع الاقتصاد القومي الشفاء منه، وهو تزايد معدلات السلع والبضائع المهربة التي عجز المنتجون في الخارج عن توزيعها في أسواق دولهم؛ بسبب الركود والكساد الذي أصاب هذه الأسواق.
والسلع المهربة بجميع أنواعها- المتمثلة في بعض الأجهزة الكهربائية، والدراجات النارية، والماس، والذهب، وبعض أنواع الساعات، وأجهزة التليفون المحمول التي بها خاصية التشفير المصرح بها لأجهزة الأمن ولا يوجد لها رقم تسلسل، والكاميرات، وأجهزة التسجيل (الميكروفيلم)، والملابس الجاهزة والأقمشة- تنفذ إلى الأسواق بطرق غير شرعية، ولا يسدد عليها ضرائب أو رسوم جمركية، وهي سلع مجهولة المصدر ورديئة، وأحيانًا تكون ضارة بالصحة؛ لأنها رخيصة الثمن، مما يدفع المستهلك إلى الإقبال عليها، ولهذا أُطلق عليها "الاقتصاد الأسود".
وللأسف الشديد هذه السلع يتم بيعها على مرأى ومسمع من أجهزة الدولة؛ مما جعل المصانع المحلية غير قادرة على الإنتاج؛ لعجزها عن تصريف المخزون لديها، وأدَّى ذلك إلى إغلاق أكثر من 65 مصنعًا في المحلة وشبرا الخيمة.
ووصل حجم التهريب في مجال قطاع صناعات الغزل والنسيج والأقمشة والملابس الجاهزة إلى أرقام فلكية- تصل إلى أكثر من 7 مليارات جنيه- بسبب بطء اتخاذ الإجراءات المناسبة والسريعة منذ سنوات طويلة؛ مما أدَّى إلى تفاقم ظاهرة التهريب، وأدَّت إلى توقف العديد من ضغوط الإنتاج في المصانع.
وأكد المتخصصون أن 80% من حجم التجارة الموجودة في الأسواق تجارة عشوائية، حيث يقوم "باعة الأرصفة"- الذين يبلغون مليونًا ونصف مليون تاجر في القاهرة ولا يدفعون أية رسوم- بالتجارة في البضائع المهربة والتي بعضها سلع ضارة بالصحة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: أين الضوابط التي تحكم هؤلاء الباعة؟ وأين دور الجهات الرقابية في حماية السوق من الإغراق السلعي الأجنبي؟
"إخوان أون لاين" حاول الوصول إلى أسباب تفاقم هذه الأزمة ومحاولة حلها في التحقيق التالي:
يوضح الدكتور حمدي عبد العظيم الرئيس الأسبق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية أن قضية السلع المهربة قضية تدخل ضمن مصطلح "الاقتصاد الأسود" والتي تشمل جرائم الغش التجاري، والرشوة، والاختلاس، والمنتجات غير المرخصة، والنقود المزيفة، والاتجار بالأعضاء البشرية، والاعتداء على البيئة سواء أكان بصورة مباشرة أم غير مباشرة.
![]() |
|
د. حمدي عبد العظيم |
ويقول: إن هناك ارتباطًا شديدًا بين السلع المهربة والأسواق العشوائية، التي تعتبر وكرًا لترويج السلع المهربة بعد أن كانت وسيلة لترويج السلع المصرية، خاصةً أنه يتم فيها بيع ما يقرب من 25% من السلع المتداولة في الأسواق المحلية.
ويشير إلى أن هذه الأسواق تعتبر جزءًا من الاقتصاد الخفي الذي لا يخضع لرقابة، ويعتمد على أسلوب المنافسة غير المتكافئة، وبالتالي تُكبِّد الاقتصاد المصري خسارة تقدر بخمس مليارات جنيه سنويًّا.
ويشدد د. عبد العظيم على ضرورة فرض الضرائب والرقابة على هذه الأسواق؛ لأنه السبيل الوحيد للسيطرة عليها، موضحًا أنه من حق وزير التجارة فرض رقابة على السوق الداخلية لمنع تهريب السلع من الحدود والجمارك وذلك عن طريق التفتيش على الفواتير التي تم شراء السلع بها، وسداد الرسوم المستحقة عليها، إلى جانب مكافحة وملاحقة الأموال الناتجة عن الاقتصاد الأسود؛ وذلك في إطار اتفاقات تتم بالتعاون مع الدول الأخرى.
وطالب بتقديم كل من يثبت عليه التهرب الجمركي أو القيام بإدخال السلع الضارة للمحاكمة، مثلما حدث في قضية القمح الفاسد المحمل بالحشائش والمواد المسرطنة وتحويل المتهمين إلى المحاكمة.
وأشاد بما تفعله الدول المتقدمة من سياسيات حماية الإنتاج المحلي في بلده من منافسة المنتجات الأجنبية.
منافسة غير متكافئة
ويُرجع الدكتور جهاد صبحي أستاذ الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر أسباب التهرب من سداد الرسوم الجمركية على بعض السلع إلى انخفاض مستوى دخل الفرد داخل المجتمع؛ مما يشجع رجال الأعمال أن يقوموا باستيراد السلع التي لا تُفرض عليها جمارك من أجل بيعها في الأسواق المحلية بأسعار منخفضة، بجانب قلة الإجراءات الرقابية في المنافذ الجمركية؛ وذلك نتيجة الفساد في الأجهزة الإدارية الخاصة بتلك الأماكن، وهو ما أكده مؤخرًا وزير التنمية الإدارية.
![]() |
|
د. جهاد صبحي |
ويضيف أنه نظرًا لإشباع هذه السلعة لحاجات فئة كبيرة جدًّا من المواطنين في المجتمع فإن إقبال الناس على شرائها عالٍ، وإن كانت هذه السلع رديئة.
وفيما يتعلق بكيفية الحد من هذه الظاهرة التي تؤثر سلبًا على المجتمع؛ أكد أنه كلما ارتفع دخل الفرد فإنه سوف يتنازل عن هذه السلع ويقبل على السلع الجيدة، والعكس صحيح، بالإضافة إلى تفعيل الأجهزة الجمركية لتقوم بالدور المنوط بها، مما يقلل من ظاهرة تهريب السلع الداخلة إلى سوق.
موضة قديمة
ويوضح أمير الكومي رئيس جمعية حماية المستهلك أن أكثر السلع التي يتم تهريبها تُستخدم في أحيان كثيرة في التجسس، مثل: الكاميرات، وبعض أنواع الساعات والدبابيس والقطع الذهبية والماس التي تحتوي في أحيان كثيرة على "ميكروفيلم "، مشيرًا إلى أنه دائمًا يتم استخدام الطرق الملتوية لتهريب السلع التي تمثل خطورة من الناحية الأمنية.
وحذر من استهلاك السلع المهربة وتداولها في الأسواق، مؤكدًا أنها تُلحق الضرر بالمواطن المصري من جرَّاء شرائه سلعًا مجهولة المصدر لها مواصفات رديئة، ولا يوجد لها أي ضمان في حالة تلفها، وتُلحق الضرر بالاقتصاد المصري نتيجة عدم تسديد المستحقات الضريبة والجمركية.
ويؤكد أنه ما زال يوجد داخل الأسواق المصرية سلع مهربة بتكلفة 12 مليار جنيه، مما يؤثر على حركة بيع وشراء الصناعات المصرية.
ويرى أنه مما يدفع المُهَرِّب إلى اللجوء لهذا الأسلوب أنه يجد سوقًا مناسبة لترويج سلعته، وأضاف أنه لا توجد منافسة حقيقية تمنع المستهلك والمواطن المصري من شراء السلع المستوردة المهربة، وهذا دليل على أن الإنتاج المصري لا يفي باحتياجات المستهلك سواء من حيث السعر أو النوع، بجانب عدم مواكبتها للتطورات العالمية.
وأكد أن دولتي "الهند والصين" اللتين أغرقتا الأسواق المصرية بمنتجاتهما استطاعتا دراسة احتياجات السوق المصري، ووضعتا أيديهما على أكثر السلع التي يحتاجها المصريون، موضحًا أن 80 مليون مواطن قوة شرائية تجعل الدول المصدرة تبذل كل ما في وسعها حتى لا تخسر هذه القوة الشرائية.
وأوضح أن أغلب عمليات التهريب تتم من خلال "المناطق الحرة" و"نظام السماح المؤقت" وهذه الأنظمة كان من المفترض أنها للتسهيل على المصدرين لإدخال السلع للأسواق، ولكن هناك بعض معدومي الضمير استغلوا هذه النظم في تهريب بضائعهم التي تم استيرادها بـ"نظام السماح المؤقت" كمستلزمات إنتاج بقصد تصنيعها وإعادة تصديرها، وتدخل هذه السلع البلد بدون سداد رسوم جمركية أو ضريبة مبيعات.
و طالب بضرورة عمل حصر للسلع التي كانت من قبل تمنع من الناحية الأمنية، وأصبح الآن تداولها في السوق بشكل طبيعي مثل: أجهزة التليفون اللاسلكي، وجهاز التليفون "السناوي" التي قامت الشركة المصرية للاتصالات بمنعه، وأصبح ليس له وجود الآن، بالإضافة إلى إعادة النظر في التعريفة الجمركية الخاصة ببعض السلع مثل: الآلات الزراعية، والأسمدة، والإسمنت التي وضعت تعريفاتها الجمركية منذ عام 1945، و1970، و1980م طبقًا لاحتياجات السوق.
وطالب مصلحة الجمارك ووزارة التموين بعمل بعض الحملات التفتيشية المفاجئة للتجار؛ لفحص الأوراق الرسمية الخاصة باستيراد السلع من المصانع الأجنبية.
نظام الترانزيت
![]() |
ويرى أن بعض التجار يستخدمون نظام "الترانزيت" لتهريب بضائعهم عن طريق تفريغ البضائع القادمة من الدول الأجنبية المتجه إلى الدول المجاورة مثل: "ليبيا" في الموانئ المصرية ليتم نقلها بريًّا إلى الدولة المجاورة، وأثناء النقل يتم تفريغ هذه البضائع داخل الأسواق المصرية.
ويؤكد أن الدول الأجنبية هي المستفيد الوحيد من تصدير هذه السلع وليست الدول النامية؛ لأن البضائع المهربة إلى الدول النامية تعتبر مخزونًا راكدًا، وأصبحت عبئًا على بلدها، فتقوم بالتخلص منها؛ لأنها ليست السلع المتميزة التي تصلح لشعوبها، ودائمًا تكون قديمة وموديلاً للعام السابق وليست حديثة.
وأكد أن استخدام الطرق غير الرسمية وغير الصحيحة في استيراد السلع تؤثر بالسلب على الموازنة العامة للدولة، ومن ثمَّ تؤثر على إيرادات الدولة، وتسبب عجزًا كبيرًا في الموازنة.
ويقول: "أولى بنا أن نقوم بإدخال إيرادات ليقل العجز؛ بدلاً من محاولتنا من زيادة العجز نتيجة لانعدام الضمير".
ويُرجع الجندي عدم إقبال المواطنين على شراء المنتج المحلي إلى افتقاد الصناعة المحلية الجودة، ووجود عيب جوهري يغفل عنه الكثيرون وهو عدم الاهتمام بالشكل والرونق والتغليف الممتاز الذي تتمتع به السلع المهربة، وبهذا تدخل المنتجات الوطنية في مقارنة غير متكافئة مع السلع المهربة التي تركز على أساليب الإبهار مما يجعل المواطن يقبل عليها.
ويضيف أن أهم أسباب هذه الظاهرة هو ارتفاع نسبة المواطنين تحت خط الفقر مما يجعلهم يقبلون على شراء السلع الرخيصة، وفي نفس الوقت التي تُرضي ذوقه العام وتلبي احتياجاته؛ مما يؤثر على اقتصاديات السوق.


