- سوسن تقضي أيام العيد مع أطفالها الأربعة المصابين بالسرطان
- عجوز بالـ80 فقدت ابنها وعائلها الوحيد وتعيش على الهبات
- زينب بالدويقة لا تدري بقدوم العيد إلا من تكبيرات المساجد
- محمد ينتظر لحوم الصدقة ومحاسن تشتري "الكرشة" وأرجل الطيور
تحقيق- إيمان إسماعيل وسماح إبراهيم:
وسط فرحة المسلمين بعيد الأضحى المبارك واحتفالاتهم وذبح الأضاحي والتفنن في طريقة طهيها، وخروجهم للحدائق والمتنزهات؛ هناك أسر لا تعرف للعيد طعمًا منذ سنوات بعيدة، يتألمون فلا نسمع أنينهم، يعيشون بيننا لكنهم يشعرون أنهم بمفردهم، العيد بالنسبة لهم يوم كغيره من أيام العام، يكتفون فيه بالصلاة والعودة إلى المنزل، منهم من يبتسم محاولاً أن يخفي خلف تلك الابتسامة جبالاً من الهموم والآلام والأحزان، ومنهم من تثقله تلك الجبال فيبكون، يحتاجون لمن يمسح دموعهم، ويعيد البسمة لشفاههم، ويا لقسوة قلوبنا إذا لم نتذكرهم.
فما قصص هؤلاء الناس؟ وكيف يقضون عيد الأضحى في ظل تكالب صعاب الحياة عليهم؟ وما أحلامهم في تلك الأيام؟ وهل هناك من يشعر بهم بعد انقضاء أحب الأيام إلى الله وبدء أيام العيد، فيواسيهم ويشفق عليهم ليعوضهم عن بعض ما فقدوه؟
(إخوان أون لاين) يعيش لحظات الاحتفال بالعيد مع هؤلاء، وينقلها في السطور التالية:
يقول محمد محمود (أحد سكان العشش بعزبة الكفراوي): إنه لا يعرف للعيد طعمًا أو فرحة، والعيد بالنسبة له يوم كأي يوم آخر، فالحال لا يختلف عن بقية الأيام، بسبب كثرة الهموم، وعدم وجود عمل ثابت؛ مما يجعله في مأزق أمام أبنائه الخمسة.
ويضيف أنه لا يشتري اللحوم في العيد، وينتظر بعض اللحوم التي يقوم أهل الخير من المناطق الراقية بتوزيعها على الأهالي بأنفسهم؛ لعدم وجود جمعيات أو مساجد تتولى المهمة.
وتقول محاسن شحاتة (ربة منزل): إنها بسبب الغلاء الفاحش في أسعار اللحوم أصبحت تستبدلها بالكرشة والفشة وهياكل وأرجل الطيور، وغيرها من بقايا اللحوم والدواجن، خاصة أن دخلها لا يكفي لشراء كيلو ونصف من اللحوم.
"حتة" لحمة
وفي حي شبرا وجدنا سيد عبد الله، البالغ من العمر 10 سنوات، ذا الجسد الضعيف الضئيل؛ يجلس على هامش الطريق بجانب أحد الأرصفة يبحث عن قوت يومه بين النفايات، فاقتربنا منه فقال لنا: "ما تجيبي حاجة إلهي يخليكِ"، وعندما سألناه عن إحساسه بالعيد وكيف يقضي يومه في العيد؟ بادرنا مبتسمًا وقال: "أنا بحب العيد، وبروح أصلي، وبعدها أدوَّر على حد بيدبح وآخذ منه "حتة" لحمة، وأجري بها لماما عشان تعملها، ونأكل كلنا أنا وإخواتي الـ8".
حظر الزيارات
وعندما سألنا نادية حمدي (ربة منزل بحي باب الشعرية): ماذا يمثل العيد لك ولأسرتك؟ تنهدت بقوة، ثم التقطت أنفاسها قائلة: العيد يمثل ضغطًا نفسيًّا وعبئًا ماديًّا علينا، ومرتب زوجي لا يكفي لشراء مستلزمات العيد؛ لذا قررنا أن نقضي هذا العيد داخل المنزل، ومنع الزيارات العائلية خوفًا من المجاملات التي تعود علينا بالإفلاس، وتجلب المشاحنات، أما اللحوم فقررنا مقاطعتها هذا العام لارتفاع أسعارها، وهنأكل الفتة السنة دي بالفراخ، وربنا يخلي لنا الحكومة.
بائعة المناديل
أما صباح أحمد (بائعة مناديل بمترو الأنفاق) فتقول: إنها تقضي العيد بين عربات المترو؛ لأنها لا تجد يد العون تمتد إليها إلا هناك، وفي هذه الأيام تحديدًا وليس في غيرها، وانهالت دموعها مستكملة: "أنا مش شحَّاتة ولا متسولة، أنا بائعة بس في الشغلانة اللي لاقيناها، بابحث عن رزقي ورزق أولادي وزوجي المريض بمرض مزمن الملازم للفراش".
عجوز البساتين
وفي حي البساتين قابلنا أم محمد ذات الـ87 عامًا تتكئ على عصاها، محاولة الجلوس على أحد الأرصفة، بينما علت الأحزان والتجاعيد وجهها، وعلمنا من جيرانها المحيطين بها أن ابنها تُوفي في رمضان الماضي، عندما كان يقوم بتركيب "لمبة" بمسجد المستشفى التي يعمل بها، ولم تقم المستشفى بصرف أي تعويضات لأسرته، رغم أنه كان عائل الأسرة المكونة من ثلاثة بنات، وتلك الأم المسنة الوحيد، وأنهم الآن مهددون بالطرد من منزلهم لعدم تدبير المال الكافي لدفع الإيجار، فضلاً عن أنهم يحصلون بالكاد على وجبة واحدة في يومهم من تبرعات المحيطين بهم، إن وجدت.
اقتربنا منها وسألناها عن حالها، وكيف تقضي العيد هي وبناتها؟ فنظرت إلينا في صمت، ثم أخذت في البكاء الذي انهمر من عينيها، حاملاً معه همومًا وآلامًا يعجز التعبير عن وصفها.
مع السرطان
وبحي منشية ناصر قابلنا سوسن (إحدى الممرضات بمستشفى القصر العيني الفرنساوي) والتي قالت لنا: إن زميلتها كانت مطلقة ولديها بنتان، وتُوفيت فجأة منذ سنة إثر أزمة قلبية حادة، فكفلت هي ابنتيها.
وأضافت قائلة: "أنا عندي بنتان غير بنات صديقتي، واستعنت بالله، وقلت إن شاء الله "هتتدبر"؛ ولكن المفاجأة كانت من شهر لما عرفت أن بناتي وبنات صديقتي أصيبوا بسرطان الدم "اللوكيميا" واحدة بعد الأخرى؛ مما يتكلف نقل دم للكلى إلى الأربعة بمبالغ طائلة تفوق مرتبي بمراحل".
وتابعت: "لم نتذوق طعم اللحمة منذ سنين، فما بالك وأسعارها نار قبل العيد، ده غير ظروف المرض اللي حلت علينا، فمفيش فرق بين العيد وغيره كله شقا".
تلاتات الدويقة
زينب عبد الله لديها شلل رباعي تسكن هي وأختها الأرملة منذ كارثة الدويقة، بالإضافة إلى ولادها الخمسة في عشش خشبية فوق إحدى الهضاب بحي التلاتات بالدويقة، فتقول: "لا نشعر بأي عيد ونحن نتذكر أهلنا الأموات، واللحظات التي كنا نقضيها معهم منذ صلاة العيد، وما كان يتلوها من لعب مع أطفالنا".
أما عن ملابس العيد واللحمة فتقول: "لحمة إيه ولبس عيد إيه؟! إحنا نسينا الحاجات ده من زمان، فالعيد ما بنعرفش إنه جه إلا من تكبيرات المساجد الصبح".
عيد المترو
العيد عند عم كريم محمود (أحد عمال النظافة بمحطة مترو غمرة) يبدأ من بعد الساعة الـ10 مساءً؛ لأنها تكون لحظة انتهائه من العمل، وأضاف قائلاً: "بحكم مهنتي كعامل نظافة أتجول بين عربات المترو لتجميع القمامة، وأكثر ما يؤلمني أن أوقات العمل تحرمني من قضاء العيد وسط أهلي والاستمتاع بلذة اللمة التي لا تعوض طوال أيام السنة".
هدم العشش
وتعيش سمية جمال (ربة منزل) في رعب هي وأسرتها؛ بسبب عدم وجود أي مسكن بديل عن العشش التي كانت تسكن بها، وفقدت الإحساس هي وأطفالها بالعيد منذ صدور القرار بإزالة تلك العشش، فقررت هي وعدد كبير من السكان الاعتصام أمام مبنى المحافظة في حالة عدم إلغاء قرار الإزالة أو توفير مسكن بديل، وتضيف أنها تقدمت للحصول على سكن في عام 2004م.