من الطبيعي أن تكون أي بقعة في أرضنا الإسلامية المترامية الأطراف هي منطلق مأمول لبدء تحقيق الطموحات والآمال المرجوة.. ولكن أن تكون أم درمان بدولة السودان الحبيبة هي بوابة الوصول إلى تحقيق الآمال والأمنيات بسبب استضافتها للمباراة الفاصلة في كرة القدم بين بلدين عربيين إسلاميين.. إن هذا لشيءٌ عُجاب.
ومن أسوأ السوء أن تكون هذه المبارة هي عصا الانشقاق بين هذين البلدين العزيزين.. وتكون لها من الآثار الفاسدة والمفسدة بين شعبي الدولتين حتى يصل الأمر إلى أن يظهر أحد مشجعي البلدين في لقطات مقيتة وقاتمة متوعدًا مشجعي البلد الآخر بالويل والثبور وعظائم الأمور من القتل والبطش والمجازر الدموية المرعبة من جرَّاء ما اقترفته أيديهم من اعتداء وعدوان على مناصري فريقه في مقابلة سالفة.. وبذلك تتفرق الأمة بين مؤيد لذلك أو مضاد له.. ونسى هذا المهوس المتعصب قوله صلى الله عليه وسلم: "لزوال الدنيا عند الله أهون من سفك دم امرئ مسلم".
لقد غَصَ القلب عندما سَمِعْتُ أن أحد القنوات التليفزيونية اليهودية قد تشفَّت في البلدين وتمنت أن تجد نفس روح الكراهية والبغضاء بين مناصري فتح وحماس حتى يفني بعضهم البعض.. وأحزنني أكثر عندما تمنت صحيفة (معاريف) الصهيونية أن يتحرك جيشا البلدين لموقعة فاصلة تفني الأخضر واليابس.
إن هذا الهوس الكروي جعلني أحس بأن مشاكل الأمة قد انتهت وقد أفل زمانها، وأن عصر العزة والشموخ قد أطلَّ برأسه معلنًا عودتنا إلى موقعنا الطبيعي من قيادة العالم وإنارة الدنيا.. وكأنَّ حصارَ غزة قد انكسر وتحطَّم.. بل وعادت القضية الأم في ضمير الأمة.. بل وقد تمَّ حلها وإرجاع حقوقنا المسلوبة إلى حظيرتنا كاملة مكتملةً.
وكأني أستشعر بأن دماءنا المهدورة والموفورة في العراق وأفغانستان والشيشان قد جفت وعفى عليها انتصارتنا المبهرة في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية.. بل إن هدفنا الأسمى قد تحقق وعادت خلافتنا الراشدة كبوتقة التجمع وحامي الحمى.
وقد يسأل سائل إذا لم تكون هذه الآمال قد تتحققت.. وأن هذه الطموحات ما زالت كنطفةٍ في رحم.. فلِمَ كل هذا الصخب الممجوج والهرج الممقوت حول مبارة لا تتجاوز أن تكون أمسية ترفيهية ذات تنافسية رياضية؟!. والجواب ينحصر في شقين أحدهما جماهيري متمثلاً في غياب الأمة عن مصدر عزتها ومجدها وهو دينها وقرآنها ففسدت بذلك النفوس والأرواح.. وتمثل الشق الآخر في قادة الأمة وأنظمتها الحاكمة التي فسدت وأفسدت وفاحت رائحتها فعملت على ستر سوءتها وسوأها بإشغال الشعوب عن مفاسدها وإلهائهم عن قضاياهم الحياتية والمصيرية.. فنفخوا في روح العصبية وانغمسوا في تأجيج الكراهية لعل وعسى أن ينالوا مآربهم ويصلوا إلى غايتهم.. فاستمرَّ الحال على حاله وعظمت الخيبات بعد الخيبات واستمر احتفاظنا بقاع الحضارة والتقدم والعزة بجدارةٍ وبلا منافس.
إن الهوس النفسي والفكري هو مُوَلِّدْ العصبية التي هي مدخل الشرور ومبعث الفتن.. ولقد أُمرنا بتركها بل والبعد عن محفزاتها فهي كما قال عنها إمامنا الكريم "دعوها إنها نتنة"، وقوله "ليس منا مَن دعا إلى عصبية"، و"ليس منا من قاتل على عصبية"، و"ليس منا مَن مات على عصبية".
إن البعد عن هذا الفضاء المسموم وإنكاره هي من الواجبات الرئيسية المتوجبة في وقتنا الحالي، وإن إفراغ الهمم وشحذ العزائم لقضايانا المصيرية الخطيرة هي من أولى الأولويات وأعظم الاهتمامات، حتى تقترب الطموحات وتتحقق الآمال ويتسنى لنا أن نتنفس حياة العزة وعبير المجد.