الموعد الثالث مع العظمة
الأخ الحبيب..
تحية من عند الله مباركة طيبة... فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد...
فقد ذكرت في رسالتي الماضية أني أحيانًا ما كنت أقف دامعًا- تأثرًا من شدة الفرح- أمام كلمات رستم، قائد الفرس الشهير: "أحرق عمر كبدي، أحرق الله كبده"، وفي رسالتي هذه أقول: إني كثيرًا ما أقف دامعًا- تأثرًا أيضًا ولكن من شدة الحزن ولما يتملكني من ألم وشجن- حين تستدعي الذاكرة حادثة استشهاد عمر رضي الله عنه على يد فيروز أبي لؤلؤة، هذا الفارسي المجوسي، والملاحظ أن هذا فارسي وذاك فارسي، لكن شتان بين الشخصيتين، وبين الموقفين، ولئن وقع استشهاد عمر في ساحة حرب لهان الأمر؛ لكنّ استشهاده كان غيلة؛ وهو يصلي بالناس إمامًا، أعزل من أي سلاح، اللهم إلا سلاح الإيمان في لحظات خشوع وخضوع بين يدي مولاه.
هذا الموقف يحتاج إلى أن نتأمله وأن نمعن النظر فيه طويلاً، إذ لا يخفى على أي لبيب عاقل، أن الفتوحات التي جرت في عهد عمر أوغرت صدور كثيرين، حاقدين وكارهين للإسلام، وكان لا بد من الحيطة والحذر، وعدم الاطمئنان لردود الأفعال التي يمكن أن تأتي على يد هذا الصنف الموتور من البشر، ومن عجيب الأمر أن يُستقدم بعض هؤلاء إلى بلاد الإسلام، خاصة عاصمة الخلافة؛ حيث القيادة العليا للدولة وأكابر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم؛ لقد حذّر عمر- لفطنته وذكائه- منهم، وكره استقدامهم واستخدامهم؛ لكن البعض لم يستمع، كان هذا العنصر الدخيل يتطلب مراقبةً ورصدًا دقيقًا لكل تحركاته، لكن بعضًا من المسلمين قد تعتريه كما يعتري البشر غفلة، وقد يركن للاطمئنان- ولو لوقت- فيفقد حيطته وحذره ويعرض البلاد والعباد لخطر جسيم. إن القيادة العليا هي رأس الدولة ورمزها، وهي بالنسبة للرعية بمثابة الرأس للجسد، وسقوطها اهتزاز للدولة كلها؛ لذا لا بد أن تحاط بحراسة يقظة واعية ومدربة، نعم لا يغني حذر من قدر؛ لكن ترك الأخذ بالأسباب معصية كما يقول العلماء، وإذا كان المجتمع المسلم منفتحًا بطبيعته، غير منغلق على نفسه، يتعامل مع كل فئات البشر، فقد يتسلق عبر الثغور من يفسد، أو يزرع الفتن مستغلاًّ ثغرة هنا أو خللاً هناك، خاصة أن المجتمع فيه قوي الإيمان وضعيفه، اليقظ والنائم، الواعي وصاحب الغفلة وهكذا.
في العصور الحديثة صارت هناك أنواع أخرى من الغزو- غير تلك التي عهدها العالم قديمًا- مثل الغزو الفكري والثقافي والأخلاقي، بهدف الانقضاض على المجتمعات من داخلها من قِبَل أعدائها وخصومها، وذلك بتغيير هويتها وهدم الروح المعنوية لديها، وبالتالي السيطرة عليها، ولم تعد المسألة أفرادًا، ولكن يتولى كبرها منظمات ودول كبيرة بكل ما تملك من أسلحة وأدوات، ظاهرة وخفية، خشنة وناعمة؛ وفي ظل ثورة المعلومات والاتصالات والسماوات المفتوحة؛ انهارت الخصوصية، وصارت أسرار كثيرة على مستوى الأفراد والجماعات والدول متاحة ومباحة؛ الأمر الذي سهل سيطرة وهيمنة الدول الكبرى علينا لصالح مشروعها وأجندتها.
الأخ الحبيب..
من القواعد الثابتة والمستقرة إسلاميًّا وعند المشتغلين بعلوم الحضارات "أن نبل الهدف يجب أن يواكبه شرف الوسيلة"؛ خاصة فيما يتعلق بالتعامل مع المسلمين أو أبناء الوطن الواحد، وإلا كانت "ميكيافيلية" بغيضة تبيح للأفراد والجماعات والنظم استخدام شتى الوسائل الهدامة واللا أخلاقية للنيل من الخصوم، أو الوصول إلى المناصب، أو تحقيق ما تريد من أهداف، أيًّا كانت هذه الأهداف، وقديمًا قال عمر رضي الله عنه "لست بالخبّ، والخب لا يخدعني"، والخِبُّ أو الخَبُّ هو المخادع والغاشّ، وفي الحديث: "لا يدخل الجنة خبّ ولا خائن" فليس عمر بمخادع ولا غاش، لكن هذين الصنفين من البشر- مع ما يملكان من حيل وأدوات قد تخيل على بعض أذكياء الناس- يستحيل عليهما أن يخدعا أو يغشا شخصًا كعمر، فهو الذكي، الحكيم، العاقل، اللبيب، ثم قبل ذلك وبعده هو الفطن، وهذه إحدى مزاياه الكبرى، إضافة إلى فراسته وكيف أنه كان ينظر بنور الله، فماذا يمكنه أن يفعل هذا أو ذاك؟
والقتل غيلة قد يكون معنويًّا كما هو مادي، فمحاولة تشويه الصورة الذهنية لإنسان أو لجماعة بإثارة الأباطيل والمفتريات والتهم الملفقة حولها؛ هو اغتيال معنوي، وعادة ما يكون الذي يغتال الآخرين معنويًّا ذا منطق معسول ولسان عذب، ذكيًّا، يملك إمكانيات كبيرة في التخطيط والتدبير والحركة والتآمر، ولديه من الوسائل ما يستطيع بها أن يؤثر في الناس، وقد يكون إظهار التقوى والورع، والتبتل، والدموع التي تسيل على الخدود، وتسبيل العيون، وإطالة السجود، ورفع الأيدي بالدعاء، والمبالغة والادعاء في الحرص على الصالح العام من أهم الوسائل المعتمدة في الضحك على الناس والتغرير بهم.
إن الدرس الذي يجب أن نتعلمه من عمر العظيم هو أن نكون شرفاء في خصوماتنا، وأن نحذِّر من الهبوط إلى الدرك الذي يشين أشخاصنا وأقدارنا وقيمنا، فالتاريخ الحق لا يرحم أحدًا، والمواقف بإيجابياتها وسلبياتها مخزونة في الذاكرة، وقد تُستدعى في أي وقت، ويومها ينكشف المستور أمام الناس جميعًا، وربما أمام تلاميذنا ومريدينا، أو من كان يتعاطف معنا معجبًا بنا، فنسقط من "علٍ"، ونبحث عن هيبتنا، أو أحدًا يتعاطف معنا أو يقف إلى جوارنا فلا نجد، وقد نكون هناك؛ لكننا لن نستطيع الدفاع عن أنفسنا، فالمبررات مهترئة وهشة والحجة واهية وعاجزة، وقد لا نكون هناك، فيُهال علينا تراب فوق التراب؛ لكنه تراب الهوان.
يا صاحبي إن الأمر جد خطير، لا تستهن، لا تتصور أن الأمور يمكن أن تجري كما تشتهي، لا تغرنك وسائلك، أو بعض الأدوات التي تجمعت في يدك، فسرعان ما يتبدد كل ذلك عند أول منعطف، نسأل الله العفو والعافية والسلامة في الدنيا والآخرة.
الأخ الحبيب..
إن مجتمع الإخوان ليس مجتمعًا من الملائكة، ولا هو مجتمع من الأنبياء والرسل، ولا يزعم أحد من أفراده أنه صاحب قداسة، أو أنه معصوم من الخطأ، إنما هم بشر يصيبون ويخطئون، ويجري عليهم ما يجري على بقية البشر، غير أنهم- كجماعة- يحملون أخلاقًا وإيمانًا ورسالةً لها سموها ودوامها وكمالها، وبقدر ما يتمثلون خلق هذه الرسالة، بقدر ما سيكونون قريبين من الوصول إلى غاياتهم ومراميهم، والعكس صحيح؛ إن المعيار الحقيقي الذي يجب أن يتمتع به الإخوان هو معيار الأخلاق، وإلا فما هو الشيء الذي يمكن أن نعطيه للناس؟
لذلك أيها الإخوان، لا تحاولوا إضفاء هالات القداسة على قياداتكم، أنا أعلم أنكم تقدرونهم وتجلونهم وتحترمونهم؛ لكن تعاملوا معهم على أنهم بشر، كالبشر، هم ينتظرون نصائحكم ومراجعاتكم، فالدين النصيحة، ولكن بالأدب والخلق الذي عُرف عنكم، أنا لست حريصًا أو مشغولاً بأن أبدو أمامكم نبيلاً، ولكن ما يهمني موقفي، سري قبل علانيتي، أمام الله تعالى، لن ينفعني أحدكم، وسوف آتيه يوم القيامة فردًا، عاريًا حافيًا حاسر الرأس، وتذكر يا صاحبي أنك إذا كسبت العالم كله، وخسرت نفسك فقد خسرت كل شيء.
أسأل اللهَ تعالى أن يعلمنا ويهذبنا ويحلمنا، وإلى لقاء قريب إن شاء الله بعد عيد الأضحى المبارك أعاده الله علينا وعليكم وعلى أمة الإسلام بالخير والعزة والرفعة، وكل عام وأنتم بخير... والله من وراء القصد.
----------
* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين