- الجزارون: ليست أزمة رفع السعر "كام" جنيه!
- رئيس شعبة القصابين: الجزارون مظلومون!
- المواطنون: الفراخ والسمك والجملي.. الحل
- د. حمدي عبد العظيم: الأجهزة الرقابية في غيبوبة
تحقيق- إيمان إسماعيل وسماح إبراهيم:
شهدت أسعار اللحوم في مصر- كعادتها- قبيل عيد الأضحى المبارك؛ ارتفاعات غير مبررة، تجاوزت حاجز الـ65 جنيهًا في المناطق الراقية، والـ50 جنيهًا في الأماكن الشعبية، وسط غيابٍ واضحٍ من الأجهزة الرقابية، دفع العديد من الأسر الفقيرة والمتوسطة إلى الانضمام لدعوات بعض مؤسسات المجتمع المدني بمقاطعة اللحوم هذا العام، فيما قررت أسر أخرى اللجوء إلى اللحوم المجمدة والطيور والأسماك للتغلب على ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، فيما استبدل آخرون اللحم الجملي- لرخص سعرها- باللحوم الحمراء.
(إخوان أون لاين) قام بجولة في أحياء متعددة بين مربي الماشية والجزارين والمواطنين، في محاولة للوصول إلى المتهم الرئيسي في قضية ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، وعدم وجودها هذا العام في عدد كبير من البيوت المصرية، فإلى التفاصيل:
في سوق شبرا الخيمة تراجع إقبال المواطنين على شراء اللحوم بشكل كبير؛ نظرًا لارتفاع الأسعار؛ حيث قفز سعر الكيلو من 33 إلى 39 جنيهًا خلال الأيام القليلة الماضية، وكانت اللحوم في عددٍ كبير من محلات الجزارة للعرض فقط.. ويقول عرفة طلحة أحد الجزارين: الارتفاع الكبير في الأسعار أمر عادي قبل عيد الأضحى المبارك، والسبب في ذلك مربو المواشي لا الجزارون، وللأسف "إحنا اللي بنظهر في الصورة أمام الناس أننا السبب في رفع الأسعار" حيث يقوم المربون بتعطيش الأسواق ثم يرفعون الأسعار.
ويرى عرفة أن استيراد شحنات المواشي المستوردة من أرتيريا وأستراليا للتغلب على ارتفاع الأسعار ليست بالحلول البديلة لسد العجز الاستهلاكي، وإنما الحل يكمن في ضرورة تشديد الرقابة على الأسواق لضبط السوق، وقال: "الغريب هذا العام أن الارتفاع الجنوني لأسعار اللحوم جاء رغم انخفاض سعر الأعلاف، فسعر أردب الذرة حاليًا انخفض سعره إلى 180 جنيهًا بدلاً من 240 جنيهًا العام الماضي.
"مش فارقة"
![]() |
|
مربو الماشية أحد أسباب ارتفاع أسعار اللحوم |
سألنا صابر عوض أحد مربي الماشية بمنطقة عبود عن أسعار اللحوم لديه، فقال لنا: إن سعر الكيلو من الخرفان (قائم) بـ37 جنيهًا، و(مذبوح) بـ60 جنيهًا، وكيلو العجل (قائم) بـ23 جنيهًا و(مذبوح) بـ39، والجاموسي بـ22 جنيهًا للقائم و38 جنيهًا للمذبوح، وعندما واجهناه بكلام الجزارين بأن المربين هم سبب أزمة غلاء الأسعار من خلال تعطيش الأسواق، قال لنا: "إحنا ...آه بنغلي الأسعار، وبالذات في الأماكن اللي عارفين أن الناس مش هتفرق معاهم، وإيه يعني لما نغلي 10 جنيهات بيصرفوها في كيس شبسي ولا شيكولاتة".
واستطرد قائلاً: لكنَّنا كمربين على وجه الخصوص نعاني مِن أعباء كثيرة، منها توفير الأعلاف؛ حيث اختفاء بذرة علف القطن في السوق المحلي، إضافةً إلى ظاهرة الذبح الجماعي التي عادت علينا بخسارة فادحة كادت أن تتسبب في إفلاسنا.
ومن الزاوية الحمراء يتحدث أحمد خليل أحد الجزارين بعد أن رسم ابتسامةً خفيفةً على شفتيه وقال بكل ثقه: أنا أسعاري ثابتة.. 39 جنيهًا لكيلو اللحمة الكبيرة، أما الصغيرة بـ45 جنيهًا، والضأن بـ55 جنيهًا، عايزين كام كيلو؟ وعندما علم هويتنا هزَّ رأسه وقال غاضبًا: السوق نايم، وبحلم باليوم اللي أبيع فيه لخمس أفراد في اليوم، هو انتو ليه مش حاسين بينا؟!
وفي أحد الأماكن الراقية؛ لفت انتباهنا التفاوت الكبير بينها وبين الأحياء الشعبية في أسعار اللحوم؛ حيث وجدنا أن الأسعار تتراوح في حي الدقي ما بين 60 إلى 65 جنيهًا لكيلو الضأن و60 جنيهًا للبتلو، ورغم ذلك شاهدنا إقبالاً من قِبل بعض المواطنين على الشراء، وعندما سألنا سعيد أحمد: هيعمل إيه مع ارتفاع الأسعار بهذا الشكل؟ رد قائلاً بعد شراء 10 كيلوات من اللحوم الحمراء: لا غنى عن اللحمة في العيد مهما كانت الظروف المادية، ناس كثير اشترت مش أنا بس.
ضعف الإقبال
![]() |
|
ارتفاع أسعار اللحوم أدى إلى ضعف الإقبال عليها |
وفي المنطقة الثامنة بمدينة نصر، لاحظنا قلة عدد الخرفان الموجودة لدى الجزارين بهذه المنطقة، فسألنا أحدهم عن سبب قلة الأعداد، وهل هي لشدة إقبال الناس عليها أم هناك أسباب آخرى؟ فقال لنا بعد ابتسامة عريضة: إحنا خفنا أن نخسر جامد، وخفنا نخاطر؛ لأن تجارة الخرفان مبقتش مضمونة لضعف الإقبال على شرائها، فقمنا بشراء عدد قليل جدًّا من الخرفان، وفي نفس الوقت نضمن أنهم يتباعوا، ونكسب حاجة بسيطة أحسن ما مانكسبش خالص.
وقال لنا جزار آخر بمنطقة التَّبة بمدينة نصر: إن سعر كيلو لحمة الخروف لديه بـ30 جنيهًا إذا ما تم تربيتها "بيتي"، وبخلاف ذلك فسعرها بيكون 25 جنيهًا للكيلو.
وقال لنا الحاج محمد عبد ربه أحد الجزارين: إحنا بنفتح لمدة 24 ساعة على أمل أن أحد يجي يشتري حاجة، وقبل العيد بـ5 أيام هنخلي سعر الكيلو بـ62 جنيهًا؛ لأن الناس بتبقى مضطرة ومستعجلة، وطبعًا ده مش استغلال منَّا بس إحنا بنحاول نسترزق.
الفراخ تكسب!
جزَّار آخر قام بتحويل نشاط تجارته من اللحوم إلى الفراخ؛ تحسُّبًا لحدوث أي خسارة بسبب إحجام المواطنين عن شراء اللحوم، وقال: سعر بتلو اللحمة وصل 60 جنيهًا والضأن 45، والناس أقصى حاجة بتشتريها 2 كيلو، كل فين وفين، أما الفراخ شغالة، والناس نسيت إنفلونزا الطيور، وبدأ إقبال المواطنين عليها يتزايد مقابل زيادة أسعار اللحوم.
لا تظلموا الجزارين!
محمد وهبة رئيس شعبة القصابين بغرفة القاهرة التجارية يدافع عن الجزارين متسائلاً: لماذا ينظر المجتمع إلى الجزَّار على أنه المتهم الأول في ارتفاع سعر اللحوم؛ علمًا بأنه مجرد حلقة وصل بين التاجر والمستهلك، فهو تاجر تجزئة أولاً وأخيرًا؟!
وطالب وهبة بضرورة وجود هيئة عليا مسئولة عن وضع الضوابط والقوانين، والتي من شأنها تفعيل دور الرقابة على الأسواق، ودعم مستوردي اللحوم والعلف من أجل تنمية الثروة الحيوانية في الأسواق المصرية، مشيرًا إلى أن ذلك ما أوصى به في الغرفه التجارية، ولكن بلا جدوى.
غيبوبة حكومية
![]() |
|
د. حمدي عبد العظيم |
ويضيف د. عبد العظيم أن الجمعيات الاستهلاكية التي من المفترض أن توفر اللحوم بأسعار تتناسب مع محدودي الدخل تقوم باستغلال اللحوم المخصصة للفقراء من خلال فرمها وبيعها للمطاعم، والتي يصعب اكتشافها، رغم أن هذه اللحوم تعتبر بمثابة الملجأ الوحيد لشريحة كبيرة من محدودي الدخل، مشيرًا إلى أن سعر الكيلو يتراوح ما بين 20 إلى 27 جنيهًا، وتلك الأسعار رخيصة مقارنةً باللحوم البلدي التي يصل سعرها في العيد لأكثر من 60 جنيهًا.
وشدد د. عبد العظيم على ضرورة تكثيف الرقابة الحكومية بالتعاون مع الإشراف المحلي لتقنين حالات السرقة، مشيرًا إلى أنه بالرغم من أن الموانئ المصرية تستقبل ما يقرب من 100 ألف رأس في السنة من المواشي المستوردة، والتي تُعفى من الضرائب الجمركية وجميع الرسوم، ليكون سعرها في الأسواق مناسبًا، إلا أنه لا يحدث ذلك التوازن؛ لتهريب اللحوم بطرق غير شرعية.
وأكَّد د. عبد العظيم ضرورة وجود هيئة رقابية بيطرية للكشف على اللحوم، ومدى صلاحيتها وخلوها من الأمراض والأوبئة في ظلِّ تدهور أوضاع تجارة اللحوم من جميع الجوانب، مشيرًا إلى وجود تحايل لتسريب لحوم فاسدة وميتة إلى الموانئ المصرية وتمريرها للداخل من أجل التربح المالي بالتعاون مع المرتشين بالمطارات والموانئ المصرية.
واستنكر د. عبد العظيم غياب دور الأجهزة الرقابية في إجهاض "اشتعال" أسعار اللحوم سواء من المواشي الحية أو المذبوحة أو المستوردة، وإجبار الشعب على تقبل "اشتعال" الأسعار الذي أصبح أمرًا مفروغًا منه ومُسلَّمًا به في ظلِّ غياب الرقابة على الأسواق.


