- عرفنا تفاصيل القضية من الإعلام الأمني!!
- الإعلام كذب علينا فيما نعلم فكيف نصدقه
- طلبوا مني تفتيش عيادة أغلقتها منذ 5 سنوات
- مذكرة التحريات كلامها مرسل وتخلو من التوثيق
- الأمن يعرف مدى إخلاص الإخوان لوطنهم مصر
حوار- إسلام توفيق:
الدكتور محمد سعد عليوة رئيس قسم المسالك البولية بمستشفى بولاق الدكرور، والذي كان أحد المتهمين في القضية رقم (404 حصر أمن دولة عليا) والمعروفة إعلاميًّا بقضية "التنظيم الدولي"- صاحب سجل كبير من الاعتقالات، فقد كان بين المحالين للمحكمة العسكرية في قضية الإخوان الشهيرة عام 1995م، وقضى في السجن ثلاث سنوات ظلمًا، ثم تكرر اعتقاله وإحالته للمحكمة العسكرية في قضية النقابات المهنية الشهيرة، وقضت المحكمة العسكرية لصالحه بالبراءة بعد أن أمضى في الحبس 13 شهرًا، ثم أُعيد اعتقاله في مارس 2005م، في فترة تعديلات المادة 76 من الدستور، وظل رهن الاعتقال لمدة ثلاثة أشهر.
وكان الاعتقال قبل الأخير له في 13 مارس الماضي، ضمن مجموعة الدكتور محمود غزلان، وتمّ الإفراج عنه بعد أن أجرى عمليةً جراحيةً في القلب، إلا أنه بعد ذلك تم اعتقاله ضمن مجموعة الدكتور أسامة نصر عضو مكتب الإرشاد في 14 مايو الماضي، وتم إخلاء سبيله منذ أيام.
(إخوان أون لاين) التقى بالدكتور عليوة؛ ليحكي تفاصيل ستة أشهر من الاعتقال، وملابسات القضية، ويكشف التلفيق الأمني فيها.
* بداية.. سجل كبير من الاعتقالات بدأت منذ عسكرية 1995م، وحتى الآن، وفي 14 مايو الماضي كان الاعتقال الأخير بدون سابق إنذار، فيم يختلف هذا الاعتقال عما قبله؟
** في البداية أسأل الله عزَّ وجلَّ أن يتقبل مني هذه الأوقات التي قضيتها داخل المعتقل، وأن يجعلها في ميزان حسناتي، وأنّ أي شيء في سبيل الجنة يهون.
أما عن الاعتقالات التي بدون سابق إنذار، فكل مرة يتم اعتقالي بها تكون دون سابق إنذار، فلم يحدث مرة أنهم قبضوا عليّ أثناء اجتماع أو أثناء عمل نشاط معين للإخوان، وكان كل مرة بلا استثناء يأتون إلى المنزل ليلاً وأثناء نومي، وكأنه أصبح سمتًا أو عادةً لأجهزة الأمن في التعامل معي.
أنا من الإخوان، نعم وهذا شرف كبير.. ولكن كونه يأتي بكلام وحديث لا يتوافق مع دور الشخص أو عمله أو طبيعته، فهذا كان الجديد في الأمر هذه المرة.
تفتيش
عدم مراعاة حرمة البيوت.. أسلوب يتبعه أمن الدولة!!
* نعود إلى ليلة 15 مايو حين داهمت أمن الدولة المنزل وقاموا باعتقالك، ماذا حدث خاصة أن أمن الدولة كانت قد سمحت لك بأداء فريضة العمرة وكان سفرك بعد 3 أيام فقط؟

** يوم 14 مايو رجعت إلى منزلي في الثانية والنصف صباحًا، ولم أكن قد نمت بعد، وفوجئت بِطَرْق شديد كالمعتاد على الباب، وتوقعت مَن يكون الطارق فهذه هي عادتهم، وهذا هو أسلوبهم الهمجي دائمًا.
تصرفاتهم أزعجت الجيران بالعمارة، كما أزعجت الأولاد، خاصةً أن هذا كان موسمًا للامتحانات، وفوجئنا برجال أمن الدولة والقوات الخاصة ترافقهم، وما كان مني إلا أن أقول لهم "تفضلوا".
بدأوا تفتيشًا دقيقًا في كل مكان بالبيت على مدار ساعة ونصف الساعة، وطلبوا بعد ذلك تفتيش السيارة والعيادتين!!، ولأول وهلة شعرت من التحرّيات بأنّها غير دقيقة بالمرّة؛ فكيف لضابط يُخرج إذنًا كما يدّعي بتفتيش العيادتين مع العلم أن لي عيادة واحدة فقط.
وهنا طالبته بإذن التفتيش وقلت له: "العيادة أكل عيش وسمعة، وهي عيادة محترمة، وزوجتي تعمل معي بنفس العيادة بتخصص أمراض نساء، فكيف إذن ستقوم بتفتيش العيادة في هذا التوقيت!! وماذا يقول مرضاي والجيران عندما يجدون قوةً تفتّش العيادة في الثانية صباحًا؟ وماذا سيدور في ذهن الناس"؟!.
ثم فاجأته وقلت له: "بالمناسبة هي عيادة واحدة وليست عيادتين"، ولكنه أصرّ على أن لي عيادتين، فقلت له: "لو معك إذن بتفتيش عيادتين فأنا معي مفتاح عيادة واحدة فقط، والثانية روح أنت فتّشها، وأنا مش هاجي معك".
فالعيادة الثانية تركتها منذ 5 سنوات، وألغيت بطاقتها الضريبية منذ 5 سنوات، ويسكن فيها الآن ابن صاحب البيت!!، ولم تصبح عيادة، ولكن الغريب أن العيادة الثانية التي يتحدث عنها تبعد عن مقر أمن الدولة أقل من 3 كيلو مترات، وهو ما أكد وأثبت لي منذ البداية أن تحرياته كلها "مضروبة وفشنك"، ولا أساس لها من الصحة، فإن كان كما يدَّعي عنده تحريات لأية تهمة كان سيعرف أنني تركت العيادة منذ زمن، وإن كانت تحرياته صادقة فإنَّ مخبره إن كان أرسله يحوم تحت العيادة سيعرف أنها لم تعد عيادة، وأنها أصبحت سكنًا تزوج به ابن صاحب البيت.
نعود لرفضي تفتيشه للعيادة الخاصة بي، أنه أكد لي أنه لن يذهب إلى العيادة إلا وهو معي، وأن جموع القوات الموجودة لن توجد بالقرب من العيادة بأي شكل، وهنا كعادة الإخوان سمحت له، فأنا ليس عندي شيء أخفيه، ونزلنا معًا وقام بتفتيش السيارة ولم يجد فيها شيئًا يهمه، ثم ذهبنا إلى العيادة ومكث فيها ما يقرب من ساعة ولم يجد شيئًا يهمه أيضًا.
أدلة "مفبركة"
* عمّ كان يبحث؟

** كان يبحث عن أي أوراق قد تفيده في التحريات "المفبركة" الموجودة فيما يدعيه في قضية "التنظيم الدولي".
ولكن الغريب والعجيب في الأمر أنني تلقيت صباح هذا اليوم اتصالاً من ضابط أمن الدولة ينهي معي آخر الإجراءات المتعلقة بسفري وزوجتي لأداء فريضة العمرة، وأكد لي أن سلطات الأمن لن تعيق سفره، وأنّه حصل على الموافقة الأمنّية، وقال لي "تروح وترجع بالسلامة"!!.
ولكن يبدو أنني كنت حسن الظن به، وكان- على ما أعتقد- يريد أن يعرف أنني بالقاهرة، أو يعرف مكاني، على الرغم من أنني استقبلت منه المكالمة بحسن نيّة!.
ويوم الاعتقال قلت لزوجتي: إن عزاءنا أننا سنأخذ بإذن الله الأجر كاملاً، ومن منعنا سينال الوزر.
الذراع الإعلامية
* بعد الاعتقال وجدت نفسك مع الدكتور أسامة نصر عضو مكتب الإرشاد وآخرين، ووجهوا إليكم مجموعة من التّهم كان من ضمنها أنكم الذراع الإعلامية لفضيلة المرشد.. ما حقيقة هذا الكلام؟
** بكل أسف، من كتب مذكرة التحريات لم يكلف نفسه عناء أن يبحث عن طبيعة الأشخاص المدرج أسماؤهم في القضية، فالتهمة قيلت إنه بالإضافة للتنظيم الدولي فإن هؤلاء ذراع إعلامية، ويسعون لإنشاء قناة فضائية!، ولكن طبيعة الأشخاص الموجودين لم يكن فيهم شخصية إعلامية إلا الأستاذ وليد شلبي كطبيعة عمله ورزقه "وأكل عيشه"، وفيما عداه لم يكن بالمجموعة شخصية إعلامية.
ولكن ما يزيد من أسفي وحُزني أن يلجأ النظام وأجهزة الأمن إلى تعمد الكذب في مذكرة التحريات، التي لا علاقة لها بالواقع، كما أن من كتبها يعلم هذا جيدًا، فإن كان فعلاً يريد القبض على مجموعة من الأشخاص، فكان يجب عليه أن "يحْبِك" محضر التحريات جيدًا.
فالضابط وضع مجموعة من الاتهامات، ثم قبض على الإخوان، وفوجئ أن هذه الاتهامات لا يمكن أن توجّه لهولاء الأشخاص، فلا قضية "التنظيم الدولي" ولا قضية "الذراع الإعلامية"!!.
التنظيم الدولي
* وماذا عن تهمة قضية "التنظيم الدولي"؟
** من المفترض أنه عند توجيه تهمة لأي شخص، أن يكون هناك أدلة اتهام وأدلة ثبوت، ومن بعدها أدلة نفي، إلا هذه التهم التي وُجهت إلينا في هذه القضية لم تكن فيها إلا أدلة النفي على مجموعة من الكلام المرسل الذي لا يمت للواقع بصلة.
ومن المفترض أيضًا أن أي جهة نيابة أو أي جهة تحقيق لا تعطي ضباطها أي إذن إلا بعد التأكد من صدق ما يقول، ولا تتحرك بناءً على كلام مرسل فقط، فأنا لا أبرئ النيابة في أن لها دورًا في هذا، فكيف تسمح لنفسها أن تعطي إذن ضبط لضابط على مذكرة تحريات هي ترى أنّها لا يقوم عليها أي دليل.
وخير دليل على هذا هو أن الضابط طلب مني تفتيش العيادة المغلقة منذ 5 سنوات، وتم إلغاء بطاقتها الضريبية منذ 5 سنوات، بل إننا كنا ننتظر أن يُحاسَب الضابط كاتب هذه المذكرة المرسلة.
أما تهمة "التنظيم الدولي" في حد ذاتها في أننا نتابع مؤسسات ومنظمات الإخوان في العالم كله، فهي تهمة مضحكة، خاصة أن النظام نفسه يمنعني من السفر منذ عام 1990م، ولا أستطيع الخروج من مصر، بل عندما خرجت مرتين للحج والعمرة كانا بإذن من أمن الدولة، وموافقتهم وعلمهم وبعد معاناة، وهنا يجب أن أطرح سؤالاً فكيف يتأتى لي أن أكون مسئولاً عن متابعة الإخوان في الخارج كما ادعت مذكرة التحريات وأنا ممنوع من السفر؟، فالقضية منذ بدايتها "مفبركة" نصًّا وروحًا و"مضروبة" من البداية.
والغريب والمضحك في القضية أن المذكرة ادعت أننا مسئولون عن الإخوان ومؤسساتهم في العالم كله عدا أستراليا، وهو ما دفعني للسؤال عن سر عدم متابعتنا لأستراليا، وهل بإمكانه أن يسمح لي بالسفر إلى هناك لعملٍ، ولو لمنظمة للإخوان أتابعها، كما يدَّعي.
تهم مكررة
* والاتهامات المكررة؟
** الاتهامات التي أصبحت مكررةً باتت تمثل لي صداعًا، فهي تهم ممجوجة ومكررة، ولا تمت- أيضًا- للواقع بصلة، فكيف توجه إليّ تهمة تعطيل مؤسسات الدولة وأنا أعمل رئيس قسم جراحة المسالك البولية بمستشفى حكومي!، وكيف توجه إلي تهمة تعطيل مؤسسات الدولة، والكل يشهد لي ولغيري من الإخوان، وينتخبونا لأمانتنا وثقتهم فينا، وللعلم أنا منتخب على مدار 3 دورات الآن رئيس مجلس إدارة صندوق ادخار الأطباء، والمسجل في الهيئة المصرية للرقابة على التأمين وجزء من مؤسسات الدولة، وللعلم فاقت ميزانية الصندوق 50 مليون جنيه.
فكيف لمَن تكون هذه صفاته، وهذا هو حب الناس له أن يعمل على تعطيل مؤسسات الدولة وقلب نظام الحكم؟!!، مع العلم أن مؤسسات الدولة أنا على رأسها بل وأحفظها وأحافظ عليها.
لكننا جميعًا نعلم أن الأمر كله يتم بواسطة ضابط أمن الدولة الذي يسرح بخياله ويعد مذكرةً لا أساسَ لها من الصحة ولا يقوم عليها دليلٌ واحد، ومن المفترض أن من يُعرض على النيابة لا بد أن يكون عليه دليلٌ مادي، بينما لم يكن علينا دليل يذكر سوى مذكرة ضابط أمن الدولة، كما استمرَّ الحبس مدة أربعة شهور دون أن يكون هناك أي تحقيقٍ سوى الذي انتهى في أول جلسة، وتحديدًا في أول نصف ساعة.
ولكن المزعج في هذه المرة أننا اتهمنا بغسيل أموال وتمويل الجماعة بأموال محصلة من إرهاب، وهي تهم جديدة لم توجه لي من قبل، وخطيرة لا يمكن أن أقبلها.
وهنا السؤال يطرح نفسه، تهمة غسيل الأموال لماذا توجه من ضابط أمن الدولة بناءً على مذكرة تحريات، مع العلم أن الطبيعي أن الجهاز المركزي للمحاسبات هو الجهة المنوطة بمثل هذه التحريات، ومن ثَمَّ توجه التهم من المباحث الجنائية.
ثم كان نص التهمة "غسيل أموال من عمليات إرهاب"، وهنا طرحتُ سؤالاً على الضابط عما هي هذه العمليات الإرهابية إلا أنه لم يجبني، وهو ما أكد أن المذكرة كلها كذب وافتراء، وهو ما دفعني أن أقول لوكيل النيابة نصًّا: "لا يصح أن تناقش معي مثل هذه المذكرة، فقد كنت متوقعًا من أول وهلة أن بمجرد أن تقرأها أنك ستسقطها من الاعتبار لأنها مذكرة إنشائية لا يقوم عليها أي دليل".
ثم أي أموال مغسولة التي وجدوها عندي، فمع تفتيشهم لأكثر من ساعة ونصف الساعة في البيت وساعة بالعيادة لم يجدوا سوى مبلغ "مصروف البيت"، والذي لم يتعدَّ الألفي جنيه على أقصى تقدير، فهو يوجه تهمة ثم يُفاجأ بعكسها تنطبق على المعتقلين.
تحقيقات
* اعتقال دام أكثر من 6 أشهر في تهم كبيرة موجهة إليكم، كيف كان التحقيق معكم؟

** أي تهم يمكن تتحدث عنها، وأي تحقيقات تقصدها، فالتحقيقات وتوجيه التهم- وبالطبع نفيها- تمَّ في الساعة الأولى للتحقيق في أول مقابلةٍ مع رئيس النيابة، وعلى مدار باقي الستة شهور لا جديدَ في القضية، بل إننا كنا نعرف التفاصيل والجديد من تغطيات الصحف التي أرقتنا كثيرًا.
فعلى مدار ستة أشهر أو يزيد كنا نذهب إلى النيابة يقول لي وكيلها: "هل لديك أقول أخرى؟"، فأرد عليه: "لا"، فيجدد حبسي!، وكأن الـ15 يومًا روتينٌ عقيمٌ، تملَى على وكيل النيابة، كما قلت له ذات مرة إن الحبس الاحتياطي أصبح عقوبةً ومظلةً للقبض علينا، مع العلم أن وكيل النيابة مفترض أنه يعطي استمرارًا لأنه ينتظر نتيجة البحث الجنائي أو الطب الشرعي فيما يخص الأحراز، لكن بالنسبة لنا لم يكن أي شيء من هذا إطلاقًا، بالتالي الحبس الاحتياطي تحوَّل على أيدي نيابة أمن الدولة إلى عقوبة.
فالنظام يريد أن يتخلص من بعض معارضيه بعض الوقت وبدلاً من أن يعتقلهم، يحولهم إلى نيابة أمن الدولة وهي تقوم بتفعيل الحبس الاحتياطي كعقوبةٍ لهؤلاء المعارضين، والحبس الاحتياطي لو استمرَّ يومًا بعد انتهاء التحقيق فهو يمثل عقوبةً وخروجًا على القانون، فما حدث معي من حبس طيلة ستة شهور هو نوعٌ من العقوبة بأيدي نيابة أمن الدولة.
وفي 31/8/2009م حكمت محكمة جنايات القاهرة أول حكم لها بإخلاء سبيلنا، وبالفعل خرجنا من السجن في 1/9/2009م، ولكن ليس إلى بيوتنا، بل إلى مقار أمن الدولة حيث تم حجزنا فيها أيامًا وأُعيد اعتقالنا مرةً أخرى.
البداية وعكة
* بعد 10 أيام فقط من الاعتقال تم نقلك إلى مستشفى قصر العيني بعد إصابتك بأزمة قلبية.. كيف كان التعامل معكم خاصة أن لكم سابقة سيئة في الاعتقال الماضي؟
** أحمد الله على كل حال، فالأزمة القلبية لها معي تاريخ؛ حيث تعرضتُ لأزمة قلبية في 27/6/2006م، وكانت أول أزمة قلبية، على إثرها دخلت العناية المركزة لإجراء بعض الفحوصات التي أسفرت عن قصور في بعض الشرايين التاجية، وكنت أتعاطى علاجًا مستمرًّا، وقبل تلك الأزمة الصحية كنت أجريت منظارًا للمعدة في 6/6/2006م فاكتشفنا وجود قرحتين بالمعدة، وارتجاع بالمريء، واكتفينا بالعلاج عن القسطرة، أما بعد الاعتقال فقد حدثت الوعكات الصحية التي بدأت بنزيفٍ من قرحة المعدة استمرَّ أسبوعين مع الأدوية والعلاج ثم توقَّف بعدها، وفي تلك الفترة حدث هبوطٌ في نسبة الهيموجلوبين، لكن في 3/6/2007م، بدأت أول أزمة قلبية، استمرت مدة نصف ساعة وكانت في الساعة 2 ليلاً، وكنت محبوسًا مع الدكتور محمود غزلان عضو مكتب الإرشاد نقلت على إثرها إلى العناية المركزة بقصر العيني، وبعد يومين اتخذ الأطباء قرارًا بإجراء "قسطرة" بصفةٍ عاجلة وجد الأطباء على إثرها انسدادًا في الشريان الأمامي، وهو السبب الأساسي في المشكلة وانسدادًا آخر في الشريان الخلفي، تم بعدها إصدار قرار بالإفراج الصحي عني.
وتكررت الأزمة مرةً أخرى في 2008م وأقروا العلاج، ومن وقتها وأنا منتظم على العلاج، ولكن بين الحين والآخر تأتي بعض الأزمات كان آخرها بعد اعتقالي بـ10 أيام، ونقلت إلى قصر العيني، وحتى إصدار قرار بالإفراج عني وأنا أتابع وأكشف دوريًّا، وكان لي زيارة دورية كل أسبوعين للقصر العيني.
المحكوم
* سجن المحكوم من السجون سيئة السمعة.. كيف قضيتم الأشهر الستة مع الجنائيين؟
** هذه أول مرة يتم حبسي بسجن المحكوم، فالحبسات السابقة كانت كلها بمزرعة طرة، ذلك السجن المليء بالسياسيين والإخوان وبعض رجال الأعمال في قضايا البنوك والقروض.
فالمحكوم سجن سيئ من عدة نواحٍ، فكون الضابط يتعامل مع الجنائيين فقط، يجعله لا يُحسن ولا يعرف أن يتعامل مع السياسيين، ثم أن سجن المحكوم ليس عقوبة لنا وحدنا، بل كانت عقوبة لنا ولذوينا أن تتم الزيارة في وقت واحد مع الجنائيين، وهو ما دفعني أن أمنع أولادي من الزيارة خلال هذه المدة، فلم يزوروني بالسجن سوى مرتين أو ثلاثة على أقصى تقدير.
وهنا طرحت سؤالاً على إخواني ما الرسالة التي يريد أن يوصلها النظام، فهل هو يحارب الجريمة بوجودنا معهم، أم أنه يريد أن تنتشر الجريمة بالتقاء أولادنا معهم أوقات الزيارة، فالمسجون السياسي من المفترض أن يكون له مكان مخصص، وهو ما لم يحدث.
ثم إننا عندما نقول إنه سجن سيئ، فلا نقول هذا كون الجنائيين سيئين، بل إن كثيرًا منهم ضحايا لهذا النظام وضحايا للمجتمع، فالأصل أن تحنو على هؤلاء الدولة لتصحيح مسارهم، ونحن نظرنا إلى هؤلاء نظرة "شفقة وإشفاق" وهو ما جعلنا نختلط ببعضهم ونتعامل معهم كأنهم بشر وقابلناهم بالمسجد وجلسنا معهم وتدارسنا معًا، ورددنا على استفساراتهم الفقهية.
هذا فضلاً عن أننا قمنا بالكشف على كثيرٍ منهم، وحاولنا بقدر الإمكان أن نخفف عنهم الألم في ظل هذه البيئة السيئة الصحة والمنتشرة الكثافة وكثيرة الانقطاع للمياه وسوء الحال.
نقطة نظام
* ما انطباعك عن المساجين الجنائيين بالسجن؟
** الحقيقة هناك موقف ليس مع أحد المساجين الجنائيين، بل مع أحد الشباب الصغار من معتقلي الجهاد والجماعة الإسلامية، فعندما كانت قوات الأمن ترحلني من السجن لمستشفى قصر العيني كان لي حوار مع أحدهم وسؤاله لماذا لم يدخل ضمن المراجعات الفكرية الأخيرة؟، إلا أن رده صدمني حين قال لي: "وماذا عنكم أيها الإخوان الذين لا تدعون إلى العنف.. أنتم معنا في السجون"!.
وهذا يدلل أن النظام يحاول باعتقالنا أن يوصل رسائل كثيرة عبر عدة قنوات، وكأنه يضرب "عصافير كثيرة بحجر واحد".
إعلام هابط
* نعود لقضية التنظيم الدولي، وقد كنتم أساسها وأول مَن تم اعتقاله فيها، ومن ثم أضيف إليكم العشرات من الإخوان، كيف كنتم ترون القضية؟
** رصدنا للقضية كان من خلال الحملة الإعلامية المضللة التي تبنتها مجموعةٌ من الأقلام في الصحف الحكومية أو من تزعم أنها مستقلة لصحفيي النظام والأمن، والذين باعوا أنفسهم ولم يحترموا شرف ميثاق المهنة.
فبدايةً سارعت الجرائد على نشر اسم "محمد سعد عليوة" كاملاً، ولم تكتف بسرد الاتهامات، بل زادت عليها أن النيابة أكدت صحة هذه الاتهامات، وأنه متورط في غسيل أموال وإرهاب، ومع الأسف أرسلت ردًّا عملاً بحق الرد، ولكنه لم يُنشر.
وإن كنا نعتب على ضابط أمن دولة "فبرك" مرة التحريات، فإنه يحزن عندما يجد صحفيًّا باع مهنته وتخلى عن ميثاق شرفه الذي أقسم عليه مقابل لا شيء، ففي الوقت الذي كان ينشر اسمنا كاملاً، كان ينشر أن "فنانًا كبيرًا" أو "فنانة مشهورة" دون ذكر اسمها متورط في قضية مخدرات أو آداب، فكيف استبحت أسماء هؤلاء الشرفاء ولم ترض فضح الآخرين!!.
نعود لتفاصيل القضية، فإنا عرفناها كاملةً من الإعلام، فكنا نستيقظ يوميًّا على صفحات وحملات إعلامية لتشويه صورتنا تقول كلامًا لم يحدث، وهنا ظهر لنا مدى الكذب و"التلفيق" الواضح في القضية كون أن صحفيًّا يتحدث عني في كلام لم يحدث!!.
ومع كل هذه الضجة الإعلامية، كنا نتوقع أن نجد توابع، وكنا متوقعين أن تظهر قضية كبيرة، خاصةً أن بعض الجرائد قالت نصًّا "إن القضية ترحل إلى عسكرية أو أمن دولة طوارئ" خلال ساعات في ظل ضم العشرات من الإخوان للقضية حتى وصل المحبوسون على ذمة القضية داخل السجون حوالي 32 من أصل 50 شملتهم مذكرة التحريات.
ومع كل هذا لم نستطع أن نجزم بشيء واحد ومحدد سيحدث في القضية، فعند التوقع لا بد من وجود مسار سوي يتم القياس عليه واتخاذ القرار المتوقع على أساسه، أما إننا في بلد ليس بها نظام، وفي قضية لا تمت للواقع، ولا المسار الصحيح بصلة، فكانت كل الأطروحات موجودة وكل التوقعات متاحة.
وخير دليل على أن القضية لم يكن أحد يستطيع التوقع لها هو أن أول عرض على محكمة جنايات القاهرة تم إخلاء سبيلنا، وحصلنا بعدها على 4 أحكام أخرى بإخلاء السبيل ولم ينفذ إلا الحكم الخامس!.
الأمن فوق القضاء
* أفهم من كلامكم، أن النظام لا يحترم القضاء وأن القضية سياسية ولم تكن ذات بعد جنائي ولم تكن هناك تهم حقيقية؟
** نعم، ففي أي بلد من بلاد العالم المتقدمة هناك أسس ونظام يسير عليه الشعب والحكومة والقضاء، أما في مصر فالنظام لا يحترم قانونًا ولا دستورًا ولا أساسًا يسير عليه أي شيء، فقد حصلنا على 5 أحكام قضائية بتبرئتنا ولكن دون تنفيذ!!.
وهذا يدفعني للتساؤل حول مدى سلطات ضابط أمن دولة ضد قرار مستشار وقاضٍ من المفترض أن يكون قراره إلزاميًّا وساري النفاذ بمجرد صدوره، وهو التساؤل الذي واجهت به ضابط أمن الدولة ورئيس النيابة في العرض الأخير قبل إطلاق سراحنا، وقلت له: كيف تكون صورة النظام المصري عندما أرى ويرى أولادي، ويرى المجتمع المحيط بي أنني حصلت على أحكام بإخلاء سبيلي دون تنفيذ"!!.
ثم واجهته بالسؤال حول ماهية القضاة في مصر ما دامت لا تنفذ أحكامهم القضائية، وما دامت القرارات صادرة من قضاء مصري، ومن محكمة مصرية، ولصالح مواطنين مصريين، فلماذا إذًا لا تُنفذ، وإذا لم تنفذ أحكامهم فليتم تسريحهم أفضل.
قوة وعزم
* اعتقال دام لأكثر من ستة أشهر، تركت فيها زوجة و3 بنات وولدًا واحدًا، كيف أثَّر الاعتقال عليهم؟

** منذ اليوم الأول واستخلفت الله عز وجل هذه الأيام مهما طالت أو قصرت في سبيله عز وجل، وقد كان بالفعل ففترة اعتقالي كان 2 من بناتي يمتحنون، فنجحت ابنتي الصغرى "آلاء" في الإعدادية بمجموع كبير، وحصلت ابنتي "سمية" على المركز الأول على قسم علاقات عامة بكلية الإعلام والثانية على الدفعة كلها.
وهذه ليست المرة الأولى التي أخرج من المعتقل لأجد أسرتي أفضل حالاً، فمع كل اعتقال أخرج أجدهم متفوقين وملتزمين يتأثرون بالاعتقال إيجابيًّا وليس سلبيًّا، فمن أول يوم احتسبت عند الله أسرتي ليشاركوني في الأجر والثواب.
رسالة
* أخيرًا رسالة توجهها بعد ستة أشهر من الاعتقال، ماذا تقول؟
** أحب أن أوجه رسالتين، أولها للنظام الحاكم وأجهزة أمن الدولة وأقول لهم إن ما يحدث مع الإخوان ليس في مصلحة مصر بأي حال من الأحوال، وليس دفاعًا عن الإخوان ولكن رجال أمن الدولة يعرفون جيدًا كيف يحب الإخوان مصر، بل يعلمون تمامًا صدق ووطنية الإخوان في إصلاح هذا الوطن.
وأحب أن أوجه إليهم سؤالاً حول ماهية التعامل مع الإخوان بهذه الصورة؟، ولماذا هذا التعامل مع الإسلام الوسطي المعتدل؟، وما الرسالة التي يريد توصيلها بالضغط على الإخوان واعتقالهم؟.
أما الرسالة الثانية، فأحب أن أوجهها إلى إخواني من الإخوان وأقول لهم إن هذه المحن لا تزيدنا إلا قوةً وتمسكًا بهذا الذي نحن عليه وهذا الفهم الصحيح للإسلام.