أخي المسلم أختي المسلمة..
إن حج بيت الله الحرام لَمِن أفضل الأعمال التي يتقرب المسلم إلى ربه بها، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الأعمال إيمانٌ بالله ورسوله, ثم جهادٌ في سبيل الله, ثم حجٌ مبرور" (رواه البخاري ومسلم).
وهو عبادة تكفر الذنوب كما تكفرها الصلاة والصيام؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (رواه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه).
ولكي يكون حجك مقبولاً لا بد أن يكون موافقًا لشروط القبول ومنها:
1- أن تكون نفقته من حلال؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يارب. ومطعمه حرام, ومشربه حرام, وغُذِّي بالحرام, فأنى يستجاب له؟" (رواه الإمام مسلم والترمذي).
وإلا فكيف تقول: لبيك اللهم لبيك، وفي فمك وفي جوفك الحرام؟ إن كان زادك حلالاً, وراحلتك حلالاً, ونفقتك من حلال؛ يرد عليك الملك كلما لبَّيْت: لبيك وسعديك، والخير بين يديك، زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور.
لكن على العكس إن كانت نفقتك من حرام؛ أكل الربا, أكل أموال اليتامى ظلمًا, أكل حقوق الآخرين؛ فإن الملك يخاطبك دون أن تسمع لسان حاله يقول لك إذا لبَّيْت: لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، وراحلتك حرام، وحجك غير مبرور.
إِذَا حَجَجْتَ بِمَا أَصْلُهُ سُحْتُ فَمَا حَجَجْتَ وَلَكِنْ حَجَّتِ الْعِيرُ
لاَ يَقْبَلِ اللَّهُ إِلاَّ كُلَّ طَيَّبَةٍ مَا كُلُّ مَنْ حَجَّ بَيْتَ اللَّهِ مَبْرُورُ
2- أن يقصد بحجه وجه الله تعالى، لا يقصد به أن يقال عنه إنه حاج، أو ينادونه بالحاج فلان، فلا يقصد بحجه رياءً ولا سمعة, ولا مباهاة ولا خيلاء، ويتواضع ويستكين ويخشع لربه.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه "أن النبي صلى الله عليه وسلم حج على رَحْلٍ رثٍّ وقطيفة ما تساوى أربعة دراهمَ، وقال: "اللهم اجعلها حجة لا رياء فيها ولا سمعة" (رواه ابن ماجه، وذكره الألباني في صحيح ابن ماجه).
ولذلك قال شريح: الحاجُّ قليلٌ، والرُّكبان كثيرٌ، ما أكثر من يعمل الخير؛ لكن ما أقل الذين يريدون وجهه.
3- أن يكون حجه مبرورًا؛ ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" (رواه البخاري ومسلم).
- ويكون الحج مبرورًا إذا توفر فيه أمران:
أحدهما: أن يأتي فيه بأعمال البر والخير.
يقول ابن رجب الحنبلي: "والبر يطلق على معنيين: المعنى الأول بمعنى الإحسان إلى الناس، وفي صحيح مسلم "أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن البر؟ فقال: "البر حسن الخلق" (رواه مسلم والترمذي).
وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: إن البر شيء هين؛ وجه طلق وكلام لين.
وقال بعضهم: إنما سمي السفر بذلك؛ لأنه يسفر عن أخلاق الرجال.
ومن أجمع خصال البر التي يحتاج إليها الحاج في سفره ما وصى به النبي صلى الله عليه وسلم: "اتق الله عز وجل، ولا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تُفرغ من دَلْوِك في إناء المستسقي، وإياك والمخيلة! فإن الله تبارك وتعالى لا يحب المخيلة، وإن امرؤ شتمك وعيَّرك بأمر يعلمه فيك؛ فلا تعيره بأمر تعلمه فيه، فيكون لك أجره وعليه إثمه، ولا تشتمن أحدًا".(الحديث صحيح من وجوه أخرى بدون قوله: "اتق الله").
الثاني: فعل الطاعات كلها, وقد فسر الله البر بذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى المَال علَى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ البَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ﴾ (البقرة: من الآية 177).
- فتضمنت الآية أن البر ستة أنواع مَنِ استكملها فقد استكمل البر وهي:
1- الإيمان بالله.
2- إيتاء المال المحبوب لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب.
3- إقام الصلاة.
4- إيتاء الزكاة.
5- الوفاء بالعهد.
6- الصبر على البأساء والضراء وحين البأس". اهـ.
وكل هذه الستة يحتاج إليها الحاج؛ فإنه لا يصح أن يحج بدون إيمان, ولا يَكمُل حجه ولا يكون مبرورًا بدون إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة, ولا يَكمُل الحج دون الوفاء بالعهد, ويحتاج مع ذلك إلى الصبر على المشاقِّ في السفر ونحوه.
الأمر الثاني: لكي يكون الحج مبرورًا؛ هو اجتناب أفعال الإثم من الرفث والفسوق والمعاصي, قال تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾. (البقرة: من الآية 197).
وفي الحديث: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه". (رواه البخاري ومسلم وأحمد).
4- وأن يعود من حجه راغبًا في الآخرة, زاهدًا في الدنيا؛ لكن إذا عاد من حجه فأكل أموال اليتامى وأساء معاملة العباد؛ فما فائدة حجه إذن؟ لا بد من أن يرغب في الحياة الأخروية؛ لكن ماذا يفعل والشيطان يوسوس له حب الدنيا وما فيها من أولاد وأزواج؟ إنه لا بد له من جهاد النفس، فالمجاهد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "المجاهد من جاهد نفسه". (رواه أحمد والترمذي).
رزقنا الله جميعًا حجًّا مبرورًا وذنبًا مغفورًا وسعيًا مشكورًا وعملاً صالحًا متقبلاً وإخلاصًا في السر والعلن، وصلى الله على البشير النذير والسراج المنير.
----------
* من علماء الأزهر الشريف