- النقيب: تحرير سعر الدواء يضع المواطن تحت رحمة الاحتكار
- مدير "حماية الدواء": علاقات مشبوهة بين الصحة وشركات عالمية
تحقيق- محمد يوسف:
أثارت قرارات الدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة الخاصة بالاشتراطات الصحية للمؤسسات الصيدلية وتسعير المستحضرات الصيدلية البشرية، ردود فعلٍ متباينة داخل الأوساط الطبية والصيدلية؛ حيث اعتبرها تكريسًا لحالات الاحتكار وتحكم رجال المال في سوق الدواء، معتبرين صدور قرارٍ برفع الحد الأدنى لمساحة الصيدليات إلى 40 مترًا، بالإضافةِ لاشتراطات كتوافر منافذ تهوية بشكلٍ معين، وجهاز كمبيوتر وبرنامج محاسبي لضبط عملية الشراء والبيع داخل الصيدلية، ووجود تكييف؛ "شروطًا تعجيزية" لصالح القادرين من رجال الأعمال.
في حين يرى المؤيدون أن هذه القرارات تساعد على ضبط الانفلات داخل الصيدليات والحفاظ على صلاحية وسعر الدواء المقدم للمواطن البسيط.
وفيما يتعلق بقرار تحرير أسعار الدواء، يرى الرافضون أن الوزيرَ بقراره "المتسرع" وضع صناعة الدواء والمواطن المصري تحت رحمة الشركات العالمية التي ترى المكسب أولاً وأخيرًا، ويرى آخرون أن القرار ارتبط بمصالح الوزير بشركات دواء عالمية دون معرفة نوعية تفاصيل تلك المصالح أو العلاقة التي تربطهما ببعض، بينما يقول المؤيدون إن القرارَ سليم ويقع ضمن خطة التطوير التي يقودها الوزير من توليه كرسي الوزارة نهاية 2005م.
ومع التحركات الواسعة للنقابات والمجتمع المدني ورغم وعود وزير الصحة بمراجعة القرارين، أغلق الوزير فجأةً باب الحوار مع النقابة بصورةٍ اعتبرها الصيادلة إهانةً، ووصفها الرأي العام بالغامض وتعكس موقفًا مسبقًا تدعمه إرادة سياسية حكومية تضع مصالح "ما" مقابل مصلحة المواطنين في الحصول على دواء بسعر مناسب متوفر في الصيدليات بالمناطق العشوائية والراقية على السواء.
(إخوان أون لاين) ناقش جميع الأطراف؛ استطلاعًا للرأي حول جدوى صدور هذه القرارات في ذلك التوقيت، وهل الوزير يريد كسر شوكة الصيادلة، وخاصةً الشباب، برفع الحد الأدنى لمساحة الصيدليات، لصالح أصحاب سلاسل الصيدليات الكبرى، أم أنه انتصار لزميله في الحكومة الدكتور بطرس غالي وزير المالية؛ حيث استطاعوا أن يرغموه على إلغاء قرار محاسبتهم ضريبيًّا بإمساك دفاتر ونجاح إضرابهم الشهير أوائل العام الجاري، ومن المستفيد وراء تحرير سعر الدواء وارتفاع سعره لأكثر من 700%؟!
بدايةً.. التقينا بشباب الصيادلة؛ حيث اعتبر الدكتور أحمد عقيل عضو لجنة الشباب بالنقابة العامة للصيادلة صدور قرار الاشتراطات الصحية ضربةً قاصمةً لقطاعٍ عريضٍ من شباب الصيادلة يتعرضون لأسوأ أنواع الابتزاز من رءوس الأموال تارةً ووزارة الصحة تارةً أخرى، مشيرًا إلى أن القرارَ تضمَّن بنودًا تضاعف الأعباء المادية على الصيادلة الراغبين في فتح صيدلية لزيادة الحد الأدنى لمساحة الصيدلية إلى 40 مترًا، وهي زيادة غير مبررة وصعبة التحقيق، فضلاً عما سيترتب عليها من زيادة عدد دخلاء المهنة في ظل عدم قدرة الصيدلي الخريج على توفير هذه المساحة.
ويؤكد أن القرار يتضمن بنودًا تضاعف الأعباء على الصيدليات، سواء القائمة أو التي تحت التأسيس، خاصةً البنود التي تلزم صراحةً أو ضمنًا بوجود جهاز كمبيوتر وبرنامج لإدارة الصيدلية، وإنترنت وجهاز تكييف في الصيدلية؛ مما سيضاعف المصاريف الشهرية في ظلِّ أوضاع اقتصادية متردية، ويجعل الصيادلة تحت رحمة أصحاب المال باستغلال أسمائهم.
قصم ظهر
د. حاتم الجبلي
ويقول الدكتور مينا تادرس (صيدلي) إنه فوجئ بقرار وزير الصحة 380 لسنة 2009م الخاص بالاشتراطات الصحية للصيدليات، وخاصةً شرط رفع الحد الأدنى لمساحة الصيدليات عند تقديمه لإدارة التراخيص، مؤكدًا صعوبة تطبيقه لارتفاع أسعار تمليك الصيدليات أو الإيجار، وخاصةً أن الملاك "يعتقدون أن تحت القبة شيخ"، وأن الصيدلي يكسب الآلاف في اليوم، ولا يعلمون أن معظم ما يبيعه من أدوية هي ديون عليه، فضلاً عن فواتير الكهرباء والماء والنظافة التي تقصم ظهر أي صيدلي كبير، فما بالك بالمبتدئ؟!

ومن مؤيدي مطالب الشباب بإعادة وزارة الصحة النظر في القرار الدكتور محسن عبد العليم المدير العام السابق لإدارة التفتيش والتراخيص الصيدلية بوزارة الصحة، مؤكدًا أن قرار وزير الصحة رقم 380 لسنة 2009م بإعادة تنظيم الاشتراطات الصحية للمؤسسات الصيدلية جاء معيبًا ومخالفًا للشكل والموضوع، مشيرًا إلى أن القوانين والقرارات المنظمة لعمل الصيدليات واشتراطاتها الصحية التي تنوَّعت واختلفت مع مرور الزمن باختلاف طبيعة المؤسسات الصيدلية تم تجاهلها تمامًا عند صدور ذلك القرار.
ويقول إنه كان لزامًا على الوزارة عرض القرار على النقابة قبل صدوره واتخاذ قرار باعتماده، مضيفًا أن المادة 2 من القرار 380 لم تعط مهلة للصيادلة لتوفيق أوضاعهم في الصيدليات المرخصة، كما أن تلك المادة نفسها لم تراعِ أن هناك صيادلةً قاموا بشراء أماكن ولم يتم استلامها طبقًا للاشتراطات الجديدة، أو قاموا بشرائها بالفعل، ولكن ظروفًا خارجةً عن إرادتهم حالت دون توافر شروط الوزارة "مثل شراء أو تأجير صيدلية في عمارة تحت التشطيب، ولم يقم مالك البناية أو المقاول بمخالفة ما تسببت في منع إدخال خدمات المياه أو الكهرباء، وكذلك عدم وجود تغطية لشبكة الإنترنت بالمنطقة التي تقع بها الصيدلية، وهو ما تعاني منه أغلب المناطق العشوائية".
تفرقة
ويصف مدير إدارة التفتيش السابق قرار وزير الصحة بأنه "يدل على افتقاره للحس الفني والقانوني"، لا سيما أنه أصدر قرارًا آخر منح فيه 10 مصانع أدوية مهلة حتى عام 2020م لتوفيق أوضاعها بشأن الحصول على شهادة من emea الأوربية أو fda الأمريكية أو tga الأسترالية أو mhlw اليابانية أو اعتماده من منظمة الصحة العالمية أو انضمامه لعضوية التجمع العالمي لتنظيم أبحاث وصناعة الدواء.
حماية المهنة
د. عبد الغفار صالحين
وفي المقابل يؤكد الدكتور عبد الغفار صالحين الأمين العام لنقابة صيادلة القاهرة أنه رغم التزامه بقرار عمومية نقابته الفرعية برفض قرار وزير الصحة بهذا الشأن، إلا أنه يرى- بشكلٍ شخصي- صدور قرار وزاري بشأن اشتراطات صحية للصيدليات من شأنه إعادة ضبط العمل الصيدلي، ويحمي مهنة الصيدلة من ممارسة "كل من هبَّ ودب".

ويضيف أن قرارَ الوزير الأخير محاولة لضرب صفِّ الصيادلة، مع استمرار الوزارة في تغذية حدة الخلافات بين الصيادلة بذريعةِ أن ذلك القرار سيخدم في المقام الأول قدامى الصيادلة، فيما سيكون الضرر الأكبر واقعًا على كاهل الشباب غير القادرين على تنفيذ الاشتراطات الصحية الجديدة؛ الأمر الذي يفقد معه الشباب الثقة في أساتذتهم وقدامى المهنة.
خطورة
د. محمد عبد الجواد
وعلى جانب القرار 373 لسنة 2009م بشأن تسعير الدواء وتحريره يؤكد الدكتور محمد عبد الجواد وكيل النقابة والقائم بأعمال النقيب أن قرار حاتم الجبلي بشأن تعديل نظم تسعير الدواء يمثل خطورةً بالغةً على المريض المصري؛ لأنه يمثل تحريرًا لسعر الدواء، وأن النظام الجديد ينص على رفع أسعار الأدوية البديلة بنسبة 70% من الأدوية الأصلية وتسعير الأدوية الجديدة؛ مما سينتج عنه ارتفاع جنوني في أسعار الأدوية في مصر يصل إلى 700% من السعر الحالي.

ويوضح د. عبد الجواد أن الأسباب المعلنة للقرار من حيث عدم وجود شفافية في نظام التسعير القديم كلام غير واقعي، وخاصةً أن النظام الجديد يلغي دور لجنة التسعير في مصر ويستبدل بها نظمًا تقل في كفاءتها عن اللجنة الوطنية المنوط بها توفير الدواء للمواطنين، كما أن دعوى مساندة شركات الدواء المحلية على التصدير وإتاحة تسجيل الدواء الحديث في مصر غير حقيقية أو اقعية، لافتًا إلى أن حجم تصدير الدواء المصري للخارج لا يزيد على 5% فقط، وأن دور الوزارة يقتصر على توفير الدواء للمرضى ومراعاة البعد الاجتماعي والاقتصادي لهم لا تنمية قدرات الشركات.
ارتفاع جنوني
ويشير إلى أن النظام الجديد سيتيح للشركات الأجنبية والمحلية استبدال الأصناف رخيصة الثمن الحالية بأخرى جديدة لتحصل على سعر أفضل عبر عددٍ من وسائل التحايل، مضيفًا أن السماح بتسجيل الدواء في مصر عقب تسجيله بدولة المنشأ بـ18 شهرًا فقط، كما تنصُّ لوائح منظمة الصحة العالمية سيجعل سعر الدواء في مصر يقترب إلى حدٍّ كبيرٍ من سعره بدولة المنشأ؛ حيث يكون الدواء تم تسجيله في 4 أو 5 دول أوروبية خلال تلك المدة، مؤكدًا أن أسعار المستحضرات البديلة سترتفع لتصل إلى ما بين 60 و70% من أسعار الأدوية الأصلية.
احتكار مشبوه
ويضيف محمود فؤاد مدير مركز حماية ودعم الدواء أنه وفقًا للأرقام المتتالية لزيادة الأسعار والتسهيلات الممنوحة يومًا بعد آخر للشركات المتعددة الجنسية توقع احتكار هذه الشركات سوق الدواء في مصر بحلول عام 2009م، وهو ما تم حيث تمكَّنت تلك الشركات من فرض أسعارها، محققةً فرق أسعار ضخم، خاصةً بين أصناف الدواء القديمة والحديثة، وأخطر تلك الشركات "جلاكسو" و"فيزر"؛ حيث استحوذت الأولى على نحو 12% من إجمالي الإنتاج المصري للدواء بعد قيامها بشراء شركة برستول سكويب متعددة الجنسية، والتي قامت بتصفية أعمالها في مصر، وبدأت جلاكسو بممارسة ضغوطٍ لرفع أسعارها، وبالفعل رفعت الشركة أسعار أصنافها إلى 25%.
ويؤكد أن الشركتين دخلتا في عملية شراكة مع وزارة الصحة لتمويل بعض مشروعات الوزارة كتجهيز مكاتب كبار المسئولين بالوزارة ورعاية برنامج لتدريب وسفر الأطباء المرشحين بمعرفة الوزارة إلى الخارج دون أن يعلن نوع التدريب الذي يخضعون له، وأساس اختيارهم له، وكيفية استغلالهم بعد عودتهم إلى مصر كل ذلك في ضوء شراكة تمت منذ عامين بين الوزارة وهذه الشركات.