- المزارعون: حرق قش الأرز الخيار الوحيد أمامنا

- د. أكرم الشاعر: الحكومة أول من يلوِّث البيئة

- علي قطب: كارثة بيئية محققة خلال الخريف

- د. عبد المحسن المهدي: الدخان يؤذي الأجنة

 

تحقيق- أحمد الجندي:

كعادتها كل عام تطل برأسها من جديد.. إنها السحابة السوداء الناتجة عن حرق قش الأرز في عدد من محافظات الوجه البحري؛ لتغطي سماء القاهرة، وتنشر سمومها وسط الملايين من أبناء الشعب المصري المطحون، فضلاً عن أضرارها البالغة على الكائنات الحية، بما فيها المزروعات، التي يصلها الدخان الناتج عن الحرق.

 

ويتجلى في هذه الكارثة موقفان:

الأول يبدو فيه المزارعون مؤكدين أن عمليات حرق قش الأرز بعد حصاده أمر ضروري؛ للتخلص من نفايات الزراعة، وإعداد الأرض وتجهيزها لموسم زراعي جديد، وينفون فيه مسئوليتهم عن الأزمة.

 

أما الموقف الثاني فتبدو فيه الحكومة "متفرجًا"، وتكتفي بالتصريحات والوعود الزائفة لمحاولاتها القضاء على السحابة، عن طريق توفير مشروعات إعادة تدوير "قش الأرز"، واستخدامه في الصناعات المختلفة، مثل صناعة الأسمدة والأخشاب وغيرها.

 

 

السحابة السوداء أزمة متكررة كل عام

وزاد من ثقل الأزمة على كاهل المزارعين ومرارتها التي يتجرعونها يوميًّا، قرار وزارة التجارة والصناعة وقف تصدير الأرز للخارج؛ الأمر الذي أصابهم بحالة من الإحباط الشديد، تحطمت على صخرتها آمالهم في تعاون الحكومة معهم، وودوا لو أنهم أحرقوا المحصول في الأراضي؛ حتى لا يتحملوا تكلفة نقله في ظل الانخفاض الكبير في أسعار محصول الأرز هذا العام. 

 

(إخوان أون لاين) تجوّل وسط حقول الأرز بمحافظة القليوبية، ورصد عمليات إحراق القش، واستطلع آراء المتخصصين حول أسباب المشكلة وسبل حلها في التحقيق التالي:

في بداية الجولة لفت أحد المزارعين أنظارنا، كونه الوحيد وسط الحقول الذي لا يحرق القش، وعندما سألنا الحاج عبده أبو علي عن الطريقة التي يتخلص بها من القش ما دام لا يحرقه، قال إنه يقوم بـ"فرمه" وإطعامه للمواشي، بدلاً من شراء التبن، مشيرًا إلى أن معظم المزارعين يقومون بحرقه؛ لأنه ليس لديهم استخدام له؛ حيث إن أغلبهم موظفون ورثوا الأراضي عن آبائهم وليس لديهم مواشٍ.

 

وبلغة تملؤها الحسرة على مجهود 5 أشهر متتالية، قال الحاج أبو علي: "محصول الأرز السنة دي مجبش همه؛ بسبب قرارات الحكومة منع التصدير"، مشيرًا إلى أن الحكومة لم توفر "مكابس" قش الأرز، كما أنها تُحمِّل الفلاحين تكاليف الكبس وأجرة العمال، وإيجار المكبس إن وجد؛ ما يدفعهم إلى حرق القش بدلاً من تحمُّل هذه النفقات خاصة مع الخسائر التي لحقت بهم هذا العام.

 

ابتكار

طريقة أخرى مبتكرة رصدناها في جولتنا؛ حيث قال محمد عبد الواحد (أحد المزارعين) إنه يتخلص من قش الأرز عن طريق كبسه، ثم فرشه في أرضيات مزارع الدواجن، ثم استخدامه بعد ذلك كسماد "سبلة" يتم بيعه فيما بعد بأسعار عالية.

 

وطالب الحكومة متمثلة في الجمعيات الزراعية بجمع قش الأرز من الأراضي، وإعادة تدويره واستخدامه في صناعة الأسمدة، وتساءل مستنكرًا: "هو إحنا اللي هنحل مشاكل الحكومة"؟!، وأكد انتشار عمليات الرشوة في الجمعيات الزراعية، وقال: "كل من له واحد قريبه في الجمعية أو الوحدة المحلية ما يتعملش له محضر ولا غرامة علشان بيحرق، وكمان اللي معاه فلوس، وبيدفع للموظفين محدش يقدر يكلمه"!.

 

لست وحدي

مررنا على أحد المزارعين وهو يحرق قش الأرز؛ فسألناه" لماذا تحرقه؟، فقال: "عاوزين نجهز الأرض بسرعة علشان نزرع البرسيم، ومعنديش مكان أخزنه؛ لأنه كمان بيجيب تعابين وزواحف".

 

وأضاف: "هو أنا وحدي اللي بيحرق قش الأرز، الناس كلها بتحرق، لو الحكومة مش عايزانا نحرقه تيجي تاخده ببلاش، إحنا مش عايزينه".

 

حكومة سوداء

 الصورة غير متاحة

د. أكرم الشاعر

أرجع الدكتور أكرم الشاعر عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، وعضو لجنة الصحة والبيئة؛ الأزمة إلى الأداء الحكومي السيئ في التصدي لأخطار التلوث البيئي التي تهدد الشعب المصري، قائلاً: "السحابة السوداء هي ظل أداء الحكومة السوداء، وسيظل التلوث موجودًا ما دام غياب التخطيط وسوء الإدارة الحكومي موجودًا".

 

وأضاف أن الفلاحين ليسوا وحدهم المسببين للسحابة السوداء بحرقهم قش الأرز؛ ولكن الحكومة هي المسبب الأول لها؛ حيث إن مولدات وزارة الكهرباء تعمل بالمازوت الذي يلوث الهواء، فضلاً عن عوادم أتوبيسات النقل العام المتهالكة، والأدخنة الناتجة عن حرق المواطنين للطوب اللبن.

 

واستنكر د. الشاعر انعدام دور وزارة البيئة، واقتصاره على "تحليل" المخلفات، ثم إعطاء موافقات وتصاريح للمخالفين، وغياب دورها في عمل مشروعات بحجة المحافظة على البيئة؛ ولكنها في واقع الأمر تؤسس للتلوث البيئي وتعبئ السحب السوداء، مطالبًا الحكومة بتوفير مشروعات للتخلص من المخلفات، قبل عقاب مَن يخالف قرارات وقف حرق القش.

 

المزارعون السبب

 الصورة غير متاحة

د. حمدي السيد

يرى الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء، ورئيس لجنة الصحة والبيئة بمجلس الشعب؛ أن الحكومة لم تنجح في القضاء على خطر السحابة السوداء؛ بسبب مخالفات المزارعين، مؤكدًا أن الحكومة حددت المساحات المزروعة بالأرز، ومع ذلك خالف الفلاحون ولم يتقيدوا بالمساحات المحددة؛ "لأن الناس اعتادت الفوضى وعدم الانضباط، وتجاهلوا تعليمات عدم حرق قش الأرز، بالرغم من أن القانون يعاقب من يخالف التعليمات ويغرمه".

 

وأشار إلى أن الغرامات لا تُنفذ، ويتم تحرير المحاضر والمخالفات ولا تطبق بسبب فساد الإدارات المحلية المشرفة على تنفيذها، موضحًا أن قش الأرز يعد ثروة إذا تم تدويره والاستفادة منه، وإدخاله في قطاعات صناعية مختلفة؛ مثل الأسمدة والأعلاف والورق والأخشاب وغيرها.

 

الخطر قادم

من جانبه، قال علي قطب المتحدث باسم الهيئة العامة للأرصاد الجوية إن البلاد تتعرَّض في الوقت الحالي إلى كارثة بيئية خطيرة، من خلال تكاثر سحب الدخان السوداء، في ظل استمرار الفلاحين في حرق قش الأرز، وتصاعد الأدخنة الكثيفة إلى طبقات الجو العليا.

 

وأوضح أن التوزيعات الضغطية والجغرافية خلال فصل الخريف تعطي تغيرًا في مصادر الهواء من الجنوب إلى الشمال؛ خاصة بعد انكسار الموجة الحارة التي تعرَّضت لها البلاد في الأيام القليلة الماضية، بسبب تأثر البلاد بمنخفض جوي سطحي، جلب هواءً ساخنًا من الصحراء الشرقية وشبه الجزيرة العربية وهبوب رياح شرقية إلى جنوبية شرقية، بها أتربة عالقة وشبورة مائية، وتكاثر للسحب القادمة من المناطق الشرقية أدَّت إلى انخفاض الرؤية.

 

اختناق

 

السحابة السوداء تتسبب في أمراض مزمنة للمواطنين

ويحذِّر الدكتور محمد عبد المحسن المهدي أستاذ الأمراض الصدرية بكلية الطب بجامعة بنها من خطورة السحابة السوداء على صحة المواطنين؛ حيث تؤثر تأثيرًا مباشرًا على الشعب الهوائية والرئتين، والتي تسبب الشعور بالاختناق، ومع التعرض المستمر قد تؤدي إلى إصابة الجهاز التنفسي بأمراض مزمنة.

 

وأضاف أن السحب الدخانية المحملة بغاز ثاني أكسيد الكربون تتسبب في حدوث أزمات شديدة لمرضى حساسية الصدر والربو الشعبي، وتؤدي إلى حدوث تليف الرئة، كما أن هذه السحب قد تؤدي أيضًا إلى إصابة مرضى الالتهاب الشعبي المزمن بـ"سكتة رئوية مزمنة"؛ خاصةً مع ارتفاع عدد المصريين المصابين بهذه الأمراض.

 

ويشدد د. المهدي من خطورة تأثير السحابة السوداء على النساء الحوامل؛ خاصةً اللاتي يعانين من حساسية الأنف والصدر، مؤكدًا إمكانية حدوث اختناق للجنين؛ بسبب نقص الأكسجين وارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون.

السحابة في صور