ثمرة خبيثة من ثمار الغضب.. وتطور طبيعي لمرض خبيث اسمه الحقد.. ومرض خطير ينهش في جسد مجتمع فقد مناعته أو كاد، أمام سيول من رذائل تعيش بيننا هادئة مستكينة, وكأنها وجدت وطنًا حنونًا يحتضنها ويربيها وينمِّيها.. فأيقظ ما هو قديم من رقاده، ووفد إلينا ما هو جديد.. لكن المرض الذي سنتحدث عنه اليوم قديم، وقديم جدًّا قدم البشرية نفسها.
أصاب أول ما أصاب ابن سيدنا آدم عليه السلام "قابيل"، الذي لم يتحمل أن يتقبَّل الله قربان أخيه ويرفض قربانه؛ فاشتعل فؤاده، وعمي بصره، وملك عليه الغلُّ مشاعره، وقرر أن يرتكب جريمته؛ لتصبح أول جريمة قتلٍ في تاريخ البشرية.. قتل سدس البشر.. وأقرب الناس إليه.. أخيه "هابيل".
وفي آيةٍ بينة من سورة "المائدة" يتضح لنا الفارق الرهيب بين نفسية الحاسد القاتل والمحسود المقتول؛ حيث يقول عزَّ من قائل على لسان هابيل لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)﴾ (المائدة).
ومع هذا التصريح الرقيق الذي يُعلي قيمة الأخوَّة، ويرقُّ له قلب القاسي العنيف؛ لم يرِقَّ له قلب أخيه أقرب الأقرباء إليه بعد أمه وأبيه، وأبلغ القرآن في الوصف مرةً أخرى، فقال: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنْ الْخَاسِرِينَ (30)﴾ (المائدة).
وفعلها بعده إخوة يوسف..
﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)﴾ (يوسف).
إنه الحسد.. أن تكره النعمة التي أنعم الله بها على غيرك وتحبَّ زوالها، ولو تمكَّنت من إزالتها لأزلتها، ألا تشعر به وهو يقف على بابِ عملك أو مدرستك أو جامعتك؟! يأتي قبل الجميع فينتظر أفواجًا من البشر كل يوم ليعرض عليهم خدماته، ويرفض القليل القليل جدًّا، ويسقط الكثير الكثير جدًّا.
وربما تكون أنت واحدًا ممن سقطوا أو سيسقطون.. إلى متى يظل زميلي فلان متفوقًا إلى هذا الحد؟ إلى متى يظل إعجاب الجميع به بهذا الشكل؟!
إنه تقريبًا لا يخطئ قط، ولا يتكاسل قط، ولا يغيب قط، حتى لا أكاد أذكر أنه مرض قد، إنني أكرهه وأحسده.. تغلي الدماء في عروقي عندما أراه، أشعر بالدوار، أسمع اسمه يتردد بين زملائي في زهو وإعجاب، لا أعرف كيف أتحامل على نفسي لأرسم على شفتي بسمةً كاذبةً عندما أقابله؛ لأتناول معه الحديث، وأمنيات التفوق والنجاح الكاذبة.. إنني أتمنَّى له الفشل المبين والسقوط المريع السريع.. إنه يكاد يدمرني.
إنها حقًّا مشكلة، والمشكلة الكبرى أنها ليست هذه المشكلة الوحيدة بالنسبة لي.. يوجد فلان الآخر الذي اشترى سيارة قريبًا، وآخر الذي شرع في بناء منزل خاص به، ورابع وخامس وسادس.
إنها طبيعة الحسد ومأساته..
الحسد مرض اجتماعي نفسي رهيب، يتألف من عناصر أربعة في الغالب: الحاسد، والمحسود، ونعمة أنعم الله بها على المحسود، وفي الغالب مجال مشترك بين الحاسد والمحسود؛ فالطبيب يحسد زميله الطبيب، والمهندس يحسد زميله المهندس، والمدرس يحسد زميله المدرس، والطالب يحسد زميله الطالب، إنَّ المجالَ المشترك هو البيئة التي ينمو فيها الحسد ويكبر.
علامات الحسد
وللحاسد علامات يعرفها الحاسد حق المعرفة:
أولاً: أنه يكره النعمة التي أنعم الله بها على المحسود.
ثانيًا: أنه يتمنَّى زوالها.
ثالثًا: أنه لو مُكِّن من إزالة هذه النعمة لأزالها.
رابعًا: تشتعل نيران الغضب بداخله كلما رأى المحسود أو سمع ذكر اسمه.
خامسًا: يفرح إذا نزلت به مصيبة أو ضرر، ويحزن إذا مسَّه نفع أو فرح.
سادسًا: ينتهز الفرص ليغتابه وينمَّ عليه.
أدلة تحريم الحسد
يقول الله عز وجل وجل في سورة الفلق: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (5)﴾، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: "إيَّاكم والظن فإن الظنَّ أكذب الحديث..... إلى أن قال "ولا تحاسدوا ولا تباغضوا..." (رواه مالك والبخاري ومسلم)، وعنه رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والحسد؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" أو قال: "العشب" (ضعيف سنن أبو داود).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: "قيل يا رسول الله: أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قالوا صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد" (رواه بن ماجةَ بإسنادٍ صحيح والبيهقي وغيرهما)
يا الله!!.. يا لها من نفس شريرة، ويا لها من صفة وصف بها القرآن الكافرين والمنافقين، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)﴾ (البقرة)، وقال تعالى في المنافقين: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)﴾ (آل عمران).
ومأساة الحسد على نفس الحاسد أنه يحرق قلبه ويُدمِّر أعصابه ويشغل باله.
أما أثره على المجتمع فهو:
أولاً: أنه يجعل الحاسد أداة هدم؛ لأنه دائمًا ما يفكِّر في إيذاءِ الآخرين وإلحاق الفشل بهم، لا في التعاون معهم وإنجاحهم.
ثانيًا: أنه يجعل الحاسد أداة فساد وتخريب وتفريق، لما يُثيره من فتن وغيبة ونميمة وشماتة.
الحسد المباح
وما ذكرناه آنفًا يقطع بلا شك أن الحسد بشروطه وعلاماته السابقة "حرام"؛ حتى إن العلماء قد عدُّوه من الكبائر، إلا أن حجة الإسلام الإمام الغزالي تعاطف مع الحاسد في حالة واحدة: أن يُفكِّر الحاسد ما يشعر به ويكره بعقله ما ترغب نفسه، وأنه إذا مُكِّن من إزالة نعمة من يحسده لم يفعل، هذا الشرط فقط هو الذي يُنجي الحاسد من غضب الله، فيعفَى عنه عند الإمام الغزالي.
وهي لفتة جميلة من إمام عظيم، ولكن الغريب هو ما أنبأنا به المعصوم صلى الله عليه وسلم، في أنَّ هناك نوعًا آخر من الحسد ولكنه "حلال"!! نعم حلال، ولكي يفرق الإسلام في اللفظ بعد أن فرَّق في المعنى سمَّاه اسمًا آخر، هل تعرفه؟! الغبطة.. ففي الحديث الشريف "لا حسدَ إلا في اثنتين، رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله علمًا فهو يعمل به ويعلمه الناس" (متفق عليه).
فأنت هنا لم تكره النعمة ولم تحب زوالها، ولكنك تشتهي مثلها وتدعو الله أن يُنعم بها عليك مثلما أنعم بها على أخيك.. أخيك في الله.. وهو حسد محمود ومطلوب، ولكنه- ويا للأسف!!- غير موجود.
مَن يحسد الآخر الآن على إنفاق المال في سبيل الله أو حفظ القرآن ويتمنَّى مثله؟
ومَن يحسد الآخر الآن على نعمة الطاعة والصلاة والصيام والخلق الحسن، ويتمنَّى أن يُنعم الله بها عليه؟!
والمفاجأ أن النوع الأول من الحسد من الممكن ألا يحرم إذا كانت النعمة التي أردت زوالها في يد كافر أو فاجر، فإنَّ حب زوال النعمة في هذه الحالة ليس من أجل النعمة ذاتها، وإنما من أجل الفساد المترتب عليها من إقامة الفحشاء وإعلان المعصية لحاكمٍ ظالم أو تاجرٍ غشاش أو غني متكبر.
المنافسة والحسد
ويتفتق الذهن الآن عن سؤالين:
ما معنى المنافسة؟ وكيف تكون؟، وما شروطها لكي تكون شريفةً وحلالاً؟
والسؤال الآخر: ما العلاج؟
أما المنافسة: فهي أن تحاول أن تصل إلى ما وصل إليه غيرك، دون أن تكره نعمة الله عليه أو تحب زوالها، بأسلوبٍ مشروعٍ مبنيٍّ على الجهد والصبر، وهو ما دعا إليه الإسلام وحثَّ عليه، منافسة في كلِّ ما هو حلال، سواء من أمور الدين، كالمنافسة في حفظ القرآن والصلاة والطاعة وترك المعاصي وفعل الواجبات، أو أمور الدنيا كالمنافسة في المذاكرة أو الرياضة أو الاختراع والاكتشاف، والصناعة وإتقان العمل... إلخ.
ولم يترك القرآن الإشارة إلى ذلك، قال تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾ (المطففين)، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21)﴾ (الحديد).
العلاج
وجئنا الآن للعلاج، وهو صعب، ولكنه ممكن إذا أردت واجتهدت، والعلاج يُحسم في النقاط التالية:
1- إنكار ما تشعر به من بغض وكره لمن تحسده؛ لأنه حرام يصل إلى الكبيرة، والإنكار يعني: لوم النفس المستمر على ما تشعر به لومًا يصل إلى حدِّ العقاب أحيانًا، فالنفس تتراجع أمام ما يؤدبها ولا يستجيب لهواها، وبقدر لومك لنفسك وجهدك المتواصل لكبت مشاعرك بقدر ما تخف حدَّة البغض والكره التي تشعر بها.
2- الاستغفار الدائم من ذنب الحسد كلما ارتكبته.
3- الهجوم المرتد أو مفاجأة الخصم، نراها جميعًا في مباريات كرة القدم، وغالبًا ما تسفر الهجمة المرتدة عن هدف، جربها مع نفسك، هي تهاجمك باستمرار وأنت تدافع، جرب مرةً أن تهاجم.
هل تعرف كيف؟!
أولاً: ادع لمَن تحسده بالنجاح يوميًّا، أو كلما رأيته أو تذكَّرته وأشهد الله على ذلك، وقل لله: يا رب كيف تضعني في صف المنافقين والحاسدين، وأنا أدعو له كما ترى؟!!
ثانيًا: خذ الأمور ببساطة.. كن أول المباركين له ولنجاحه، لا تجعله يشعر أنك تحسده.
ثالثًا: اذكره بالخير إذا جاء ذكره في حديث، وامنع مَن يحاول أن يغتابه.
رابعًا: ساعده عمليًّا بأي وسيلةٍ تراها مناسبةً، فإذا كان المحسود زميلاً لك تكره تفوقه مثلاً؛ فقدِّم له مذكرةً قيمةً لديك، اعطِ له معلومةً.. انصحه بصدق.
خامسًا: استشِرْه في بعض الأمور المشتركة بينكم حتى تزول الحساسيات، وتتحقق الأخوَّة.
سادسًا: العبادة لها مفعول السحر في تغيير النفوس من الداخل.. الصلاة وقراءة القرآن بكثافة تشفيان النفوس من أمراضها، وتطردان الخبث، وتنقيان القلب.
ادع لنفسك كثيرًا، فالدعاء مخ العبادة.
واحذر.. ستطاردك الوساوس، ويتصدَّى لك الشيطان بأفكار شتى، ويسخر منك على مساعدتك لخصم لك، سيقول لك الكثير فإذا أردت أن تفشل.. صدِّقه، وكحلٍّ أخير: إن فشلت بعد كل هذه المحاولات حاول أن تبتعد عن رؤية هذا الشخص أو أي مصدر يذكِّرك به إن أمكن.
وأخيرًا.. استعن بالله على نفسك دائمًا؛ فهو خير معين، وهو على كل شيء قدير.
-----------