- مريض: دخلت بـ"500" فيروس خرجتُ بـ"مليون و150 ألفًا"
- وقف إجراءات تحليل عينة كبد بسبب عدم وجود "فكة" 50 قرشًا!
- مريضة تقرر الموت وسط أولادها بدلاً من إهانة العلاج على نفقة الدولة
- مدير المعهد يرهب الصحفيين ويحتجزهم بمكتبه ويمنعهم من محاورة المرضى
تحقيق- الزهراء عامر وإيمان إسماعيل:
حالة من الضحك الهستيري الممزوج بالأسى أصابت عشرات مرضى الكبد الواقفين أمام معهد الكبد القومي، بعدما زُينت الشوارع المؤدية والمحيطة بالمعهد بشعار الحزب الوطني الحاكم الجديد "من أجلك أنت"، مؤكدين أن تلك الشعارات تزيد من آلامهم وأحزانهم، وأن التجاهل الحكومي لهم مع تزايد حالات الإصابة، ووصول مصر للمرتبة الأولى في معدل الإصابات عالميًّا؛ يعكس مدى الكذب والخداع الذي تمارسه حكومة الحزب.
والأمر الذي زاد الطين بلة صدور إحصائية عن اللجنة القومية لمكافحة الفيروسات الكبدية، تؤكد أن أكبر نسبة انتشار للفيروس "سي" عالميًّا تكمن في مصر، وأن 14% من المصريين تعرَّضوا للفيروس؛ منهم 10% يعانون من المشكلات بما يعادل 1.5% من الشعب المصري مصابون بالتهاب كبدي مزمن، بعضهم يحتاج إلى زرع كبد.
نجد قلقًا كبيرًا لدى الشارع المصري مع تسارع وتيرة المرض، والذي يقابله بطء حكومي مستغرب في مواجهته.
ولم تكن تلك التحذيرات هي الأولى؛ حيث كشفت إحصائية لمنظمة الصحة العالمية "WHO" أن عدد المصريين المصابين بفيروس الالتهاب الكبدي الوبائي "سي" يبلغ 12%؛ ما يقارب 10 ملايين مصري على الأقل، بينما معدل انتشار الالتهاب الكبدي الفيروسي (بي) في مصر يصل إلى 4% من تعداد السكان، تحتل مصر المرتبة الأولى على مستوى العالم في الإصابة بالمرض!.
واستتبع ذلك إحصائية حديثة أعدَّها علماء وأطباء بمراكز بحثية بالجامعات وأكاديمية البحث العلمي عن أن أكثر من 20 مليون شخص في مصر مصابون بمرض الالتهاب الكبد الوبائي "سي"، ومن المتوقع وفاة 5 ملايين منهم على الأقل خلال السنوات العشر القادمة نتيجة تطور المرض، وإصابتهم بسرطان الكبد والفشل الكبدي.
وأوضحت الدراسة المقدمة لمجلس الوزراء التي تمَّ الكشف عنها نهاية عام 2007م؛ أنه رغم التوعية من الإصابة بالفيروس "سي" عبر مصادر العدوى التقليدية بسبب الحقن وانتشار الحقن البلاستيكية واتخاذ الاحتياطيات عند الحلاقة، فإن المشكلة تظل قائمةً؛ حيث يواجه المصريون خطر الإصابة بالعدوى؛ بسبب الإهمال الخطير داخل المستشفيات الحكومية والخاصة أيضًا؛ حيث إن نسبةً كبيرةً أصيبت نتيجة الإهمال في تعقيم الأدوات الجراحية وأثناء نقل الدم.
كما أظهرت الإحصائية أن أكثر من 59% من المصريين مصابون بالبلهارسيا و12 مليونًا مرضى بالسكر و5 ملايين مصابون بالفشل الكلوي، في الوقت الذي حذَّرت فيه من أن أعداد المصريين المعرضين للإصابة بأمراض الكبد والفشل الكلوي مرشحة للتزايد بمقدار الضعف؛ بسبب تلوث المياه في المدن، واعتماد القرويين على الشرب من المياه غير النقية، خاصةً من الطلبمات الحبشية.
أوصت الدراسة مجلس الوزراء بمضاعفة الموازنة المخصصة للرعاية الصحية بمقدار ثلاثة أضعاف الميزانية الحالية والإسراع بمدِّ مظلة التأمين الصحي ليشمل جميع المصريين، خاصةً أن مئات المرضى يموتون يوميًّا بسبب عدم قدرتهم على شراء الأدوية باهظة الثمن أو الذهاب إلى المستشفيات الخاصة للعلاج في ظلِّ أسعارها التي لا يستطيع دفعها إلا شريحة الأثرياء من المصريين.
ومع تلك الإحصائيات المحلية والعالمية حول خطورة المرض وانتشاره بين صفوف المصريين نجد تكاسلاً وتباطؤًا حكوميًّا في تدارك الموقف واضحًا ومستغربًا، يدعو للشك والريبة، فضلاً عن إهماله الحكومة في تكوين قاعدة بيانات عن المرضى ومراكز العلاج وأماكن وجودها وتوزيعاتها بالجمهورية وغياب حملات التوعية.
(إخوان أون لاين) رصد معاناة مرضى الكبد بمعهد الكبد القومي، وحالة الإهمال المتفشية، وتزايد حدة المشاجرات بين الموظفيين والأطباء والمرضى، والمعاملة السيئة للموظفين تجاه المرضى برفض الإمضاء على ورقة العلاج على نفقة الدولة، وغلق منافذ صرف الأدوية بحجة تناول وجبة الإفطار، فإلى الجولة:
إهانات متكررة
الالتهاب الكبدي تحت المجهر
أمام معهد الكبد القومي بشارع القصر العيني افترش آلاف المرضى الأرض خارج المستشفى وعلى سلالمها منذ الصباح الباكر في طابور دفع الرسوم، ثم الوقوف مرةً أخرى لحجز مكان آخر في طوابير كشف العيادات، أو طوابير الحصول على حقن، أو طوابير العيادات الاقتصادية؛ الأمر الذي ينتهي بهم إلى حالةٍ صحيةٍ متردية دون أن يحصلوا على العلاج المناسب ويتعرَّض عددٌ منهم لحالات إغماء واختناقات نتيجة الزحام والمعاملة السيئة من العاملين بالمستشفيات.

وتقول الحاجة أم سامية (من الفيوم) إنها تأتي إلى المستشفى منذ الساعة السادسة صباحًا لتحجز مكانًا لها على الأرض تجلس فيه لانتظار الفرج والدخول للكشف، كما أنها أحضرت إفطارها وغداءها، حتى يأتي دورها في طوابير العلاج، مضيفةً أنها على ذلك الحال منذ إصابتها بفيروس "سي" منذ سنتين؛ حيث تأتي كل أسبوع ذلك المشوار، وفي أوقات أخرى تكون في حاجة إلى أن تأتي ثلاث مرات في الأسبوع لتلقِّي العلاج.
وتضيف حسنية (ربة منزل)- التي تجلس بجوار أم سامية- أنها تأتي إلى المستشفى أيام كثيرة، من الساعة السابعة صباحًا إلى الساعة الرابعة عصرًا دون أن تكون ذهبت للكشف أو الحصول على العلاج؛ "لكربسة الناس فوق بعضها البعض"، ولدخول الناس بغير نظام؛ حيث يكون الدخول "للأقوى".
خيبة أمل
وتذكر أخرى: "أنها لا تقدر على شراء بعض الأدوية كمنشطاتٍ للكبد، وأن حقنة "الإنترفيرون" والذي يستمر العلاج بها لمدة ٦ شهور تكلف ٤٠ ألف جنيه، وبما أن العلاج على نفقة الدولة صعب المنال فسلَّمت أمرها لله، وقررت عدم مواصلة العلاج، وقالت: "أرجع إلى بلدي أموت وسط عيالي أحسن".
ويقول أبو سيد: "إحنا بنيجي من الجيزة 3 أيام في الأسبوع، وبنفضِّي نفسنا خالص الأيام دي علشان ممكن نقعد ساعة مستنيين دورنا علشان نأخذ دورنا في طابور العيادة، وفي الآخر بنروح ولا اتعالجنا ولا عملنا حاجة بس حجزنا، وطبعًا الحجز بيضيع لأننا لازم نحجز في نفس اليوم فبنروح ونيجي تاني يوم، بعد خناقات في استرجاع الفلوس، فمريض الكبد ده المفروض ميكونش بيعمل أي حاجة في حياته ويكون متفرغ ولا شغل ولا غيره".
الداخل مفقود
ومن بعيد لاحظنا رجلاً مسنًا منهمكًا في عدة أوراق أمامه يرتِّبها ويحاول أن يفهم شيئًا فيها، اقتربنا منه، فقال لنا في أسى: "اسمي حسني حسن، عمري 70 عامًا، أنا مريض بالكبد من 4 سنين، وكانت معدلات الفيروس عندي 500 فيروس، ودلوقتي زادت جدًّا وبقت مليون و150 ألفًا، وفي المستشفى باخد دواء لتنشيط الكبد وليس لمحاصرةِ الفيروس بعدما ساءت حالتي منذ بدء العلاج".
وروت لنا رضا محمود (من الغربية) في أسى أنها هربت من طوابير العلاج على نفقة الدولة و"مطْوَحَة الموظفين" لها، واتجهت إلى العلاج على نفقتها الخاصة، قائلةً: "أنا بعمل تحاليل أسبوعيًّا بـ90 جنيهًا على حسابي، ده غير أني باخد 20 حقنة في السنة، سعر الحقنة أكثر من 200 جنيه، وبعد كل ده مفيش تحسن، والدكتور قال لي لأني بشرب مياه غير نظيفة، فالنسبة بتزيد، بس أنا هعمل إيه في الميه، أنا اللي هنظفها ولا المسئولين؟!!".
معارك عنيفة
ولفت أنظارنا شجار عنيف دار على شباك الخزينة بين أحد الموظفين وأحد المرضى، فاقتربنا أكثر فوجدنا كمال عبد الله (أحد المرضى) يصيح وفي انهيار تام يقول: "أنا اسمي كمال عبد الله وجاي أعمل وصل تحليل عينة من الكبد على نفقتي الخاصة، مش على نفقة الدولة يعني دافع 90 جنيهًا ونصف، وبقالي شهور بلف علشان أعمله، وبعد كل ده ألاقي الموظف بيقولي لأه الوصل اللي عندنا باسم شعبان محمد، وهو ده الوصل الموجود واثبت إني أخذت منك حاجة!".
وأثناء ذلك لاحظ موظفو المستشفى حواراتنا مع المرضى/ فقاموا بالصراخ في وجهنا ثم اصطحبونا إلى مكتب مدير العيادات الخارجية الدكتور باسم السيد، وتمَّ احتجازنا لمدة ثلث ساعة، وتم سحب تحقيق الشخصية دون إبداء أي تفسير.
وأثناء فترة الاحتجاز دخلت مريضة لغرفة المدير ولم تجده، وأخذت تصرخ قائلةً: "أنا واقفة في الطابور بقالي أكثر من ساعة علشان أدفع فلوس تحليل عينة الكبد، ولما جه دوري دفعت 90 جنيهًا، والموظفة قالت لي "لأ" لأن الفلوس ناقصة "ده ناقص 50 قرش، فبقولها مش معايا خدي دول وهفك وأجبهملك، مرضتش وشتمتني، وقالت لي ارجعي آخر الطابور!!.. حسبي الله ونعم الوكيل".
وعند مجيء المدير لم يجبْنا عن تساؤلاتنا حول الوضع المتدهور في المستشفى أو عن سوء حالة المرضى وتفشي الإهمال، مكتفيًا بتوجيه الاتهامات بأننا مخطئون لأننا لم نستأذن في الحديث مع المرضى، وعندما قلنا له إن المستشفى لا يوجد بها أمن خارجي يدلنا على أي شيء ولا توجد أية إرشادات، فسكت، وأنهى المقابلة.
تلوث بيئي
يؤكد الدكتور عبد الرءوف أبو العزم رئيس قسم الكبد والحميات بجامعة طنطا أن 90% من أمراض الكبد في مصر ناتجة من حزمةٍ من تلوثات بيئية، وأفعال سلوكية سيئة حتى أصبحت مشكلة الكبد، بالإضافة لأبعاد اقتصادية واجتماعية.
ويضيف الدكتور محمد شرف الدين أستاذ الكبد والجهاز الهضمي بكلية طب طنطا أنَّ مصرَ هي الأولى في فيروسات الكبد على مستوى العالم والمنطقة العربية، مشيرًا إلى أن تلوث مياه الشرب سبب رئيسي للإصابة بأمراض الكبد، موضحًا- بصفته مشرفًا جامعيًّا للمشروع القومي لعلاج فيروس (C) بمركز الكبد بكفر الشيخ- أن المشروع كان يستقبل من 100 إلى 200 مريض تأمين صحي شهريًّا، وانخفض ليصل إلى نحو 10 مرضى حاليًّا؛ نظرًا للتعقيدات الموجودة في التأمين الصحي.
حرب الدواء
وقال: "لقد اشتعلت مؤخرًا في مصر ما تسمى حرب شركات الدواء على عقار "الإنترفيرون"، وهو العلاج الوحيد المعترف به عالميًّا لمرضى الالتهاب الكبدي الفيروس "سي"، مشيرًا إلى أنه يتوافر منه في الأسواق حاليًّا، عدة أنواع تُنتجها شركات الدواء العالمية تحت أسماء تجارية مختلفة، مثل شركة "روش" الأمريكية التي تنتج "بيجاسس"، وشركة "شيرينج" الألمانية وتنتج "فجلاتيد"، ويتراوح سعر هذه الأنواع بين ١٢٠٠ و١٤٠٠ جنيه للعبوة الواحدة.
إهمال حكومي
د. محمد فضل
ويضيف الدكتور محمد فضل من الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين عضو لجنة الصحة أن مرض الكبد مشكلة مزمنة تعاني منها مصر منذ سنوات طويلة؛ بسبب وجود آثار قديمة لمرض البلهارسيا المنتشر في مناطق الأرياف، بجانب بعض أساليب العلاج العقيمة والتقليدية، وتفشي المشكلات المتلعقة بالتلوث في مياه الشرب واختلاطها بمياه الصرف الصحي وتناول الأطعمة الملوثة، وضعف التعامل الحكومي والإهمال المتعمَّد في التعامل مع تلك الكارثة الطبية والإنسانية.

وأكد د. فضل أن المرض وصل إلى أشدِّ مراحل الخطر؛ حيث وصل الأمر إلى إحداث تليف وسرطان في الكبد بناءً على آخر الإحصائيات التي تؤكد أن زيادة نسبة الوفيات لمرض الكبد نتيجة إصابتهم بالسرطان في الكبد فاقت آلاف الحالات، مضيفًا أنه في حالة تزايد معدلات المرض أكثر؛ فإن هذا سيؤدي إلى كارثة بكافة المقاييس وإحداث خسارة قومية؛ لأن المواطن يعتبر ثروة قومية؛ الأمر الذي يضعف مناعةَ المواطنين، ويؤدي إلى كارثة إنسانية.