د. جابر قميحة

 

أجدني مشدودًا إلى كلمات رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "... حتى إذا رأيت شحًَّا مطاعًا، وهوًى متبعًا، ودنيا مؤثرةً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك...".

 

وأجدني مشدودًا إلى مشهد الإمام علي- كرَّم الله وجهه- كما قدَّمه للتاريخ (ضرار الصدائي)، وكان مما قاله عنه:

 

".... وأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه، وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه، قابضًا على لحيته يتململ (يتلوى) تململ السليم (الملدوغ)، ويبكي بكاء الحـزين، ويقول: يا دنيا غري غيري، أإليَّ تعرضتِ؟ أم إلي تشوقتِ؟؟ هيهات هيهات!! قد باينتك ثلاثًا لا رجعةَ فيها؛ فعمرك قصير، وخطرك حقير، آهٍ من قلة الزاد، وبعد السفر، ووحشة الطريق".

 

****

ولا عجبَ أن يعود الإنسان إلى الماضي الريان الوضيء ملتمسًا قطرة ماء، أو شعاعًا من ضياء، في عهد ساقط اختلت فيه القيم، وتمزقت فيه المبادئ، وأصبح الحاكم هو العقل والحكمة والسياسة والقانون والدستور والمرجع، الآمر فلا يرد له أمر، والناهي فلا يرد له نهي.

 

والله إني لأجد نفسي أصبحتْ أشتاتًا، تغزوها طوارق من الأسى، وأنا أستمع لخطيب الجمعة في المسجد المجاور لمنزلي في الدقي، إذ يتكرم فضيلته فلا يذكر كلمة واحدة عن القدس أو المسجد الأقصى، ونسأل ونستقصي، فيقال لنا: إنها أوامر سيادية من فوق... من فوق.

 

وأجول ببصري في الصحف القومية- كما يدعونها- فأجدني أمام طبقتين في مصر؛ وطننا المكروب:

 

1- طبقة طاحنة لا تُسأل عما تفعل، وتستشعر الغرور والاستعلاء والخيلاء، ويهيمن عليها التسلط، والنفعية، وتوثين الذات، وكل هذه المشاعر والسلوكيات مُـطـعَّـمـة بالغباء والاندفاع والمنطق الفرعوني ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (الزخرف: من الآية 51).

 

2- وطبقة مطحونة: لا تملك إلا الصمت والاستسلام، ومحاولة البحث عن رغيف الخبز، الذي يتقاتل من أجله الناس، ويسقط من أجله قتلى، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

والاختلاف الداخلي بين أفراد كل طبقة على حدة إنما هو خلاف دَرَجِي، وليس خلافًا نوعيًّا. وإن كان بين الطبقتين ككل خلافٍ نوعي يصل إلى درجة التناقض.

 

ولنفزع إلى ما يؤيدني فيما ذهبت إليه، بادئًا بصغائر الأخبار، ونقرأ الخبر التالي:

 

رئيس المدينة يقطع أشجار الأزهر

تسبب ثعبان في وقوع أزمة بين الأزهر ورئيس مدينة سمالوط بالمنيا؛ حيث قام رئيس المدينة بقطع ‏14‏ شجرةً بالمعهد الابتدائي الأزهري بعد ظهور ثعبان بين الأشجار التي تطل على استراحة رئيس المدينة‏،  وعلى الفور أبلغ مدير المنطقة الأزهرية بالمنيا فضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر بالوقعة التي تمثل انتهاكًا للمعهد الأزهري‏,‏ وأجرى اتصالاً تليفونيًّا بالدكتور أحمد ضياء الدين محافظ المنيا لحسم الأزمة، ولكن محافظ المنيا وجَّه اللوم لكلٍّ من رئيس المدينة ومدير المنطقة الأزهرية لعدم إبلاغه بالوقعة قبل عرضها على فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر‏.‏ ("الأهرام" صـ2 الجمعة 16/10/2009).

 

أربع عشرة شجرة تُجتث من أصلها بأمرٍ من رئيس المدينة بسبب ثعبان، ولو أخذ الناس في كل مكان من الكرة الأرضية بقياس هذا العبقري، وسلكوا مسلكه لما بقي في كل أنحاء العالم عود أخضر، والأغرب من هذا أن السيد المبجل المحافظ لم يغضب لهذه الجريمة، ولكنه غضب حرصًا على وجاهة منصبه. ولكِ الله يا مصر.

 

ولكي نفهم فداحة هذا الجرم بقطع 14 شجرة نستأنس برأي العلماء المتخصصين بما نُشر في صحيفة (الأهرام) نفسها:

"زراعة متر مربع من النبات الأخضر يُسهم في التخلص من ‏100‏ حجم من الملوثات العالقة بالهواء سنويًّا، ويكفي لسد الاحتياجات التنفسية لشخص بالغ لمدة عام كامل، وتلطيف الجو بخروج بخار الماء عبر ثغور الأوراق الخضراء‏.

 

ومن هذا المنطلق أكد الدكتور أيمن فريد أبو حديد رئيس مركز البحوث الزراعية أهمية مشروع زراعة الأسطح المنزلية بالمدن الكبرى لحل مشكلتي التلوث، وارتفاع الحرارة‏....".‏ (الأهرام السبت 17/10/2009م).

 

*****

وتظهر ملامح "عبقرية الكبار" على محافظ الغربية الذي قرر إقامة مولد "السيد أحمد البدوي"، وذيّل قراره بقوله: ولكننا سنفتح أعيننا بالملاحظة الجادة والرعاية الصحية".

 

يا سيدي العبقري، إن في القاهرة والجيزة فصولاً دراسية، ومدارس أغلقت أبوابها بسبب إنفلونزا الخنازير، فهل ستضمن سلامة ثلاثة ملايين مواطن يحضرون مولد السيد أحمد البدوي كل عام؟.. عجبي... بل أساي وحزني!!!.

 

والمصريون جميعًا يعلمون أن المواطنين يعيشون بلا أمن، حتى الذين يسكنون وسط القاهرة والجيزة، فتعددت جرائم القتل، والنهب، والسرقة وخطف الأطفال والنساء، مع أن في مصر مليونًا ونصف المليون من جنود الأمن المركزي، ولكنهم موجهون لحماية "العرش"، وضرب المظاهرات، واقتحام بيوت الأبرياء في الفجر، وملاحقة أعضاء "المحظورة"، وإعداد الساحة لاستقبال الوريث المقبل.

 

أما تزوير الانتخابات المقبلة فأصبح حقيقةً لا مجال لمناقشتها.


وفي الحوار الذي نُُشر أخيرًا مع وزير الداخلية المصرية وجه إليه الصحفي الأهرامي الأمني أحمد موسى السؤال التالي: "المحظورة" بدأت الإعداد للانتخابات وتتحرك على الساحة‏، هل المواجهة مستمرة لهذا الكيان؟‏!‏

 

فكان جواب الوزير: أجهزة الأمن تتابع هذا النشاط غير الشرعي‏,‏ وما يتم ضبطه من عناصر في اجتماعاتهم التنظيمية السرية يعلن عنه في حينه، وكذلك النشرات والمضبوطات الخاصة بهم‏، وهذا امتداد لدور الأمن في مواجهة حركة هذا الكيان غير الشرعي‏,‏ ويتحركون في إطار غير شرعي‏,‏ ومسألة الانتخابات المقبلة فلديهم نواب في البرلمان‏,‏ فماذا فعلوا؟‏!,‏ الناس فهمت الوضع والمواطن أصبح لديه وضوح كامل، فلا أحد يمكنه السيطرة على الناس بالباطل‏,‏ فكل واحد من الجماعات المنحرفة كان يزعم أن الدولة ضد الإسلام وأن هذه الجماعات تعمل للدين، لكن الناس تغيرت ولديها قراءة جيدة للحقيقة والفهم الصحيح‏....." (الأهرام- الجمعة 16/10/2009).

 

وقبل حديث وزير الداخلية كان تصريح "الأمّور" أحمد عز، الذي دأب على إعلانه الذي يكرره دائمًا هو وحواريوه، وخلاصته: أن الإخوان لم ينجح في مجلس الشعب منهم هذا العدد وهو 88 نائبًا إلا بسبب تقصير وأخطاء وقع فيها الحزب الوطني، ولن يتكرر هذا التقصير وهذا الخطأ مرةً ثانية.

 

وهذا يعني أن الحزب الحاكم قد أعلن نتيجة الانتخابات القادمة قبل إجرائها؛ مما يفهم منه أن التزوير سيتم بطريقة أكثر إتقانًا وإنتاجًا.

*****

وأستسمح القارئ أن أصحبه لنلقي نظرات سريعة على عناوين الحوادث المنشورة بالصحف المسماة بالقومية، حتى نرى طبيعة الأمن في عهد الحكم المباركي:

* نجاة صحفية بالجمهورية من محاولة اختطافها.

* إعدام لشاب حاول اغتصاب ربة منزل وأحرق جثتها.

* يتخلص من رجولته بنفسه لشعوره بأنه أنثى.

* مدير مخازن اختلس أدوية بقيمة مليون ومائة واثنين وثمانين ألف جنيه.

* طفلة اختطفتها سيدة من دار لرعاية الأيتام بالدقي.

* القبض على 10 أشخاص يبيعون الكلى بمستشفيين بالمهندسين.

* طفل يقتل شقيقته الصغرى بغرس "سرنجة" في قلبها.

* محامٍ يقتل زوجته بمسدس أمام أبنائهما ببولاق الدكرور.

* سائق يقتل ابن زوجته المريض نفسيًّا لعدم انتظامه في العمل.

* تزوير 43 حكمًا من الحبس إلى البراءة.

* مأذون يزوج أكثر من 400 فتاة بعقود مزورة.

* أم تقتل نفسها بعد أن قتلت أبناءها.

* طالبة تلقي بنفسها من الطابق الخامس بعد مشاجرة مع شقيقها.

* ضبط شركتين لاستصلاح الأراضي استولتا على 9150 فدانًا بطريق الواحات قيمتها 100 مليون جنيه.

* 9 تلاميذ ابتدائي يقتحمون حجرة المدرسين، ويمزقون الدفاتر الخاصة بالمدرسة لرفضهم الفترة المسائية.

 

هذا، ولم أشأ أن أنشر خبرًا واحدًا من صحف المعارضة؛ لأنها كاذبة مُكَذّبة في نظر النظام، كالخبر التالي الذي يؤمن المطلعون على بواطن الأمور بمصداقيته:

"رشاوى نواب الوطني تكلف الموازنة 750 مليون جنيه سنويًّا"

 

وخلاصة الخبر: أن الحكومة تمنح كل نائب من الحزب الوطني 100 ألف جنيه في السنة الأولى، و50 ألفًا في العامين الثاني والثالث. ويمنح النائب 250 ألفًا (ربع مليون) جنيه في عامه الرابع. (الوطني- صحيفة الحزب الناصري- الأحد 18/10/2009).

 

*****

وما ذكرته آنفًا- نقلاً عن الصحف الحكومية- ليس جديدًا على وطننا المطحون، فقد قرأنا في صحف الحكومة مثله- أو أمثاله- خلال شهر رمضان الماضي، بل قبله، وما قرأته الآن يذكرني بما رأيته من قبل، ففي نهاية رمضان يغلبني الشوق إلى رؤية أحبابي، وصلة رحمي في "المنزلة" مسقط رأسي بشمال دلتا النيل، وينير بصري وبصيرتي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلة الرحم، ومنها "لا يدخل الجنة قطاع" أي قاطع رحمه.

 

انطلقت بنا السيارة أنا وأسرتي من القاهرة أواخر رمضان، ورأى سائق السيارة أن الأسهل أن نسلك طريق "ترعة السلام"؛ فالطريق يكون أقل ازدحامًا من الطريق الزراعي، وكان علينا أن نقطع 200 كيلو متر حتى نصل إلى بلدتي المنزلة.

 

وننظر إلى ترعة السلام، بطولها الفائق، ويقال إن عمقها 16 مترًا، وعلى شاطئ الترعة من النادر أن ترى دورية، للحراسة، أو الصيانة، أو الإنقاذ، وسمعنا بحوادث متعددة عن غرق سيارات بركابها، ولا منقذ ولا معين، ثم نمر بمصرف كبير هو مصرف "بحر البقر".

 

والمؤسف القاتل أنه يبعث رائحة نتنة لا يستطيع بشر أو حيوان أن يتحملها.. إنها رائحة تزكم الأنوف، وتكتم الأنفاس، وتغلق الصدور، وتُدمع العيون، ومع ذلك رأينا هناك بيوتًا ومحلات فيها بشر، ولا يستطيع بياني أن يصف هذه الرائحة، مع أن معالجة مثل هذه المياه، والقضاء على الرائحة المنبعثة منها عملية علمية في متناول اليد، وتستعملها دول كثيرة، منها دول في العالم الثالث.

 

ويمتد بنا المسار، وأرى أرضًا زراعيةً خضراء تنبعث منها رائحة كرائحة مصرف بحر البقر، وأسأل السائق عن سر هذه الرائحة وقد ابتعدنا عن المصرف بكثير، فيخبرني أن هذه أرض تروى بماء المجاري، وإنتاجها يطرح على الشعب المطحون ليأكلوه!!.

 

وهتفت بيني وبين نفسي: أين أنت... يا سيد... يا كبير... يا جمال حسني مبارك؟.. يا صاحب مشروع الارتقاء بألف قرية هي أكثر القرى فقرًا، وإن كنت أهمس في أذن رجل السياسات الأعظم "يا سيد يا عظيم... إن في مصر عشرات الآلاف من القرى الفقيرة المعدمة". ولماذا عدد الألف بالذات؟، ولماذا لا توضع خطة شاملة للنهوض بمصر المطحونة؟!. ونحن... لا ننسى أنك صاحب شعار "مصر بتتقدم بينا".

 

وأخيرًا نصل إلى مسقط رأسي، ونعيش مع أهلنا وأرحامنا، واعتقدت أن الأمن يهيمن على هذا البلد المسالم في أقصى شمال الدلتا: ولكني صدمت حينما تكشفت أن المنزلة بلا أمن وبلا سلام، شأنها شأن القاهرة والبلاد الأخرى، ومما رأيت، ومما حكي لي: أن اللصوص نزعوا غطيان المجاري- وعددها قرابة عشرين- وباعوها لتجار الحرام، وأن السرقات أصبحت "على ودنه" ، ومنها سرقة بنات وأطفال.

 

وسمعت من أحد أقاربي الشباب أن دكانه كسر، وسرق منه "موتوسيكل" ثمنه قرابة خمسة آلاف جنيه، فاتبع الطريقة الرسمية في تبليغ الشرطة، ومرت ساعات ولم يظهر للموتوسيكل أي أثر، فهمس أحد "العقلاء" في أذنه: حتى تجد ما تطلب اذهب إلى قرية (.....) المجاورة للمنزلة، وقابلْ فلانًا رئيس العصابة، وادفع له 800 جنيه.

 

وعمل قريبي الشاب بالنصيحة، فرد عليه رئيس العصابة بقوله: لقد تأخرت كثيرًا مما جعلنا نتصرف التصرف المعقول، وصدَّرْنا الموتوسيكل إلى (فلان) رئيس مجموعة بورسعيد، وهو رجل طيب، سيحقق لك ما تطلب، بعد أن تدفع له 1000 لحلوح، وعمل قريبي الشاب بنصيحته، والتقى بـ(فلان) رئيس مجموعة بورسعيد، فكان جوابه: لقد تأخرت كثيرًا.

 

- طيب... لكن كيف أحصل على الموتوسيكل؟! أنا مستعد أدفع 1500 جنيه.

 

- مش ممكن... أنا كان بودي أخدمك... لكن موتوسيكلك بيع بـ(2000) جنيه كقطع غيار لمحلات متعددة.. إحنا الحمد لله.. منحبش الحرام!.

 

وقلت في نفسي رحم الله أيام الشاويش منصور الذي كنت أشاهده من سبعين عامًا وأنا بصحبة والدي، متجهين إلى المسجد لصلاة الفجر... فيجلجل صوته من بعيد في الظلمة الحالكة: مين هناك؟!... شاويش واحد كان له الهيبة، لأنه كان نظيف اليد، مخلصًا في عمله.

 

****

وتبقى الحقيقة الدامغة وهي: أن مصر المنكوبة التي يزعم حكامها وقادتها أنها تعيش أزهى عصور الحرية والديمقراطية والأمن والأمان، مصر- يا قادة- بكل مدنها وقراها؛ من الصعيد إلى المنزلة، تعيش محرومة من كل هذه الحقوق، حتى لو كانت في حدها الأدنى. لكني أجد من حقي أن أقول:

ويحَ قلبي لم تعد مصرُ مصرا = فهْيَ تحيا في ظل شرِّ العهــودِ

منسرٌ يحكمونها بسجون = عـاتياتٍ تزاحمتْ وقيودِ

وابنُ مصرٍ في أرض مصرَ غريبٌ = تائهُ الخَطو في ظلام مَريدِ

عاد فرعونُ والجنودُ ليَطغَوْا = بالسجون السوداءِ والتهديدِ

------------

*

gkomeha@gmail.com