حتى الساعة السابعة من مساء يوم السبت الموافق 24/10/2009م لم يكن كثير من المصريين يعرفون أي شيء عن قرية "جِرزَة"، التي تقع جنوب مدينة العياط التابعة لمحافظة 6 أكتوبر، والتي أصبحت فجأة تحت السمع والبصر، والسبب بالتأكيد هو كارثة قطاري العياط الذي راح ضحيتهما عشرات القتلى ومئات المصابين.

 

الحادث ليس جديدًا على المصريين الذين تعودوا على كوارث من هذا الحجم الكبير، في ظل حكومة لا يهمها إلا العمولات والرشاوى وخدمة رجال الأعمال على حساب المواطن البسيط.

 

القرية الهادئة قطع سكونها صوت قوي على شريط السكة الحديد الذي يقع بمحاذاتها؛ ليهرع إليه الجميع ويفَاجَأوا بكارثة تصادم قطاري سكة حديد أحدهما متجه من القاهرة للفيوم والآخر من الجيزة إلى الصعيد.

 

وأمام تناثر الجثث وتأوهات المصابين وتأخر وصول أجهزة الحكومة المختلفة، لم يجد أهالي القرية مفرًا من اختراق صاج القطارين في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولأن ترعة الإبراهيمية تفصل بين جسر القرية وشريط السكة الحديد فقد أقام الأهالي جسرًا من الخوص والخشب ليعبروا عليه وينتشلوا الجثث والمصابين.

 الصورة غير متاحة

الجاموسة التي تسببت في تعطيل أحد قطاري العياط

 

(إخوان أون لاين) كان شاهدًا على غياب أجهزة الدولة المعنية، كما كان شاهدًا على خداع الحكومة وكذبها على الشعب، وتشدقها بتحسين خدمة السكة الحديد، وخاصة عربات الدرجة الثالثة التي ملأت الدنيا ضجيجًا بأنها أصبحت غير موجودة في مصر؛ ليأتي حادث العياط فاضحًا وكاشفًا لخداع حكومة نظيف.

 

المشهد كان كئيبًا، إلا أن أفضل ما فيه هو عودة روح المبادرة والإيجابية والمساعدة للمصريين الذين طوقتهم الحكومة بالفقر والجوع والبحث عن المصلحة، والعمل على ترسيخ شعار "خليك في حالك"، وشعار آخر من نوعية "وأنا مالي".

 

سبب الحادث كما قال شهود العيان والحكومة على السواء هو جاموسة قطعت طريق القطار رقم 152 المتجه من القاهرة إلى الفيوم، والتي اصطدم بها القطار ليتوقف عن الحركة؛ حيث أدى الارتطام إلى تعطل جرار القطار وتوقفه تمامًا، وما هي إلا سبع دقائق حتى حدثت الكارثة؛ فعلى نفس السكة كان القطار 188 المتجه من الجيزة إلى أسيوط يسير بسرعة قال البعض إنها كانت قوية، بينما أكد آخرون أنها كانت عادية إلا أن السائق في النهاية فشل في إيقاف القطار ليصطدم بمؤخرة قطار الفيوم، والسؤال هنا أين إشارات السكة الحديد التي لم تعط أي مؤشر على وجود قطار آخر أمامه؟!!.

 

وما هي إلا لحظات حتى تحولت المنطقة المواجهة لقرية "جِرزَة" إلى ما يشبه ساحة الحرب؛ فبسبب الارتطام القوي بين مقدمة القطار 188 ومؤخرة القطار 152 انسحقت عربتا ركاب كانتا تقعان في مؤخرة القطار 152؛ ليلقي عشرات الركاب مصرعهم قدرهم البعض بأنهم 40 أو أكثر، بينما قالت وزارة الصحة إنهم 15 فقط!!.

 

تأخر الإنقاذ

 الصورة غير متاحة

 أهالي العياط يشاركون في عمليات الإنقاذ

   شهود العيان اختلفوا في سرعة استجابة سيارات الإسعاف؛ حيث قال البعض إنها هرعت إلى مكان الحادث بشكل سريع من مختلف محافظات القاهرة وحلوان والجيزة وبني سويف والفيوم و6 أكتوبر، بينما أكد آخرون أن سيارات الإسعاف جاءت متأخرة نوعًا ما، في حين اتفق الجميع أن باقي أجهزة الدفاع المدني وصلت إلى مكان الحادث متأخرة لمدة تصل إلى ساعتين.

 

وأمام هذا التأخر حاول الأهالي سد النقص وانتشال الجثث والمصابين من بين حطام القطارين، إلا أن التشوه الشديد الذي أصاب العربتين المدمرتين حال دون تمكن الأهالي من الوصول إلى أغلب المصابين، وخاصة مع ضعف إمكانياتهم.

 

تضاريس المكان هي الأخرى لعبت دورًا في تأخر المساعدة؛ فسكة القطار يفصلها عن الطريق العام ترعه الإبراهيمية؛ ولذلك كان لا بد من إقامة جسر على الترعة حتى يتمكن المسعفون ورجال الإنقاذ من الوصول إلى الحطام؛ وهو الأمر الذي استغرق وقتًا طويلاً، وأضاع دقائق ثمينة.

 

كما كان ملاحظًا أيضًا الفوضى وعدم النظام؛ فالتخبط كان سيد الموقف، خاصة مع تأخر وصول رجال الإسعاف والدفاع المدني؛ مما دفع الأهالي إلى محاولة تنظيم الموضوع قدر الامكان إلا أن الحادث كان أكبر من إمكانياتهم، إضافةً إلى تأخر وصول معدات الإنقاذ الثقيلة والتي كانت ضرورية لرفع العربات الثقيلة؛ مما أدى إلى زيادة عدد الضحايا.

 

محمد غالب- أحد شهود العيان- قال لـ(إخوان أون لاين): فور سماع صوت الارتطام هرولت أنا ومجموعة من شباب القرية إلى مكان الحادث، وفوجئنا بالمنظر وحاولنا تقديم يد العون للمصابين، إلا أن الأمر كان صعبًا، فعلى سبيل المثال لم يستطع أكثر من 50 رجلاً تحريك إحدى الكتل الحديدية والتي كان أسفلها سيدة مسنَّة مصابة، وانتهى الأمر بوفاتها ونحن نحاول تحريك الكتلة العملاقة.

 الصورة غير متاحة

حذاء إحدى ضحايا الحادث

 

ويكمل محمد: المشهد كان صعبًا فالأشلاء كانت في كل مكان وأصوات الصرخات تتعالى من بين الحطام، وسط الظلام الدامس الذي لفَّ المكان، إلا أن تكاتف الأهالي كان السبب- بعد فضل الله سبحانه وتعالى- في إنقاذ أكثر من 60 شخصًا تم نقلهم إلى المستشفيات.

 

ويضيف محمد: إنه بالإضافة إلى الخسائر البشرية والخسائر في القطارين فإن الحادث أدى إلى تحطم جزء كبير من السكة وصل طوله لنحو 10 أمتار؛ حيث انتزع القضبان من مكانها، وتحطمت فلنكات القضبان بشكل شبه كامل.

 

عبد الحميد عبد الله أحد أبناء القرية الذين هرعوا لنجدة المصابين قال لنا: إن نقل المصابين والقتلى من موقع الحادث استغرق أكثر من 5 ساعات، تم بعدها إزالة القطار 152 عن السكة ما عدا العربتين المحطمتين، كما تم إزالة عربات القطار 188 عن السكة بعد تأثر جراره بقوة من جراء التصادم؛ حيث بقي في موقع الحادث جرار القطار 188 بعد أن التصق به جزء من مؤخرة القطار الآخر نتيجة قوة الاصطدام والعربتان المحطمتان، وقد استغرق الأمر أكثر من سبع ساعات أخرى حتى تمكن عمال السكة الحديد من تنظيف أحد طريقي السكة الحديد ليمر أول قطار من موقع الحادث في تمام الساعة السابعة والنصف من صباح الأحد، بعد توقف حركة القطارات في المنطقة وعلى خط الصعيد لنحو 12 ساعة كاملة.

 

من جهتهم، رفض مسئولو السكة الحديد التحدث حول الحادث إلا بكلمات مقتضبة حمَّلوا فيها قائد القطار 188 الخطأ؛ لأنه لم يلتزم بإشارات السيمافور- حسب قولهم- كما حمَّلوا في الوقت ذاته "الجاموسة" المسئولية في الحادث!!.

شاهد صور الحادث