تزامن ولأول مرة من مرات اقتحام العصابات اليهودية لساحات المسجد الأقصى؛ أن تثير مصر وخاصةً من أكبر شخصية دينية قضية من القضايا التي يهدف من ورائها صرف نظر الناس عن قضية أهم وأعظم، فقد أثار شيخ الأزهر قضيةً فقهيةً، فيها أقوال كثيرة، أقل ما فيها- إن لم تدخل في نطاق الدين- أنها ليست ضد قانون الدولة أو على الأقل تدخل تحت قانون الحرية الشخصية التي يكفلها القانون وهي قضية النقاب.

 

فقد فوجئنا بهجوم شيخ الأزهر على فتاة صغيرة في المرحلة الإعدادية، وهو مكفهر الوجه؛ لينزع عنها نقابها، بالرغم من توضيح مدرِّستها له موقفها، وغضب غضبةً لم يغضبها للأقصى الأسير، لا الآن ولا من قبل، حينما سُئل عن الحفريات التي تتم أسفل المسجد، فما كان من رده على مذيعة قناة (الجزيرة) إلا بقوله: "حفريات إيه؟" أنا غير متابع للأحداث، فلم يكن على دراية بهذه الحفريات، بالرغم من أنها ظاهرة للعيان.

 

وليس ذلك فحسب، ففي نفس التوقيت ومع بداية الدراسة في الجامعة، فوجئنا بقرار وزير التعليم العالي بمنع دخول المنتقبات المدينة الجامعة، والذي تزامن مع قرار شيخ الأزهر، وكان هؤلاء الطالبات أول مرة يرتدين النقاب، وكأننا أول مرة نرى منتقبة في مصر أو في الجامعة أو في غيرها من الأماكن.

 

ولا أرى من وراء هذا القرار في هذا التوقيت المتزامن، إلا أن وزير التعليم يريد أن يشغل الطلبة والعالم في أول العام عن التفكير في التظاهر أو التعبير عن غضبهم، ضد ما يفعله اليهود نحو المسجد الأقصى، بالإضافة إلى أنه يريد أن يشغل الطلبة بقضايا فرعية عن القضية الجوهرية للأمة، وهي قضية الحفاظ على القدس إسلامية، والأقصى ثالث الحرمين، وكأننا هنا في مصر أصبحنا نتعاون مع سياسة "إسرائيل" التي تريد تطبيقها في فلسطين من خلال مصر ونظامها.

 

يا شيخ الأزهر.. ويا وزير تعليمنا.. فالقول بأن النقاب بدعة سيئة؛ فيه غلو، وتجاهل لأحكام الشرع؛ القولية والعملية على حد سواء- كما يقول العلماء-، وكذلك القول بأن النقاب فرض واجب؛ فيه تجاوز وتحميل للنصوص غير ما تحتمل.

 

فقد اتفق العلماء على فرضية الخمار؛ وهو كل ما يستر جسد المرأة عدا الوجه والكفين، ولا يصف ولا يشف عما تحته، ولا يكون فيه تشبه بالرجال، واختلفوا حول النقاب؛ وهو ما يستر كل المرأة سوى عينها أو عينيها، فقال بعضهم: هو واجب أو فرض، وقال بعضهم: هو مباح أو مندوب في بعض الحالات، ولكن لم يقل أحد من أهل العلم الراسخين إنه بدعة أو محرم.

 

والأولى ترك الناس وما يريدون، فمن اكتفت بالخمار فلا إثم عليها، ومن أرادت النقاب فلا اعتراض عليها، فالنقاب موجود بصرف النظر عن كونه فرضًا أو مباحًا، فالنقاب مباح في الأمور العادية، ومندوب إذا خشيت الفتنة.

 

فلا أرى من وراء هذا القرار من هنا من في هذا التوقيت إلا التغطية على ما يحدث للمسجد الأقصى من انتهاكات لليهود الذين يقومون بين الحين والآخر بعمل شيء، يستطلعون به رد فعل العالم الإسلامي؛ حتى يصلوا لغرضهم المزعوم، وهو نقض المسجد الأقصى، وبناء هيكلهم المزعوم، وبالفعل رأينا بعض الجمعيات اليهودية تطالب بنقض أحجار المسجد الأقصى، ونقلها إلى مكة المكرمة.

 

وليس ذلك فحسب أيضًا؛ سيكون لقرارك يا شيخ الأزهر أثره البعيد، وسيكون ذريعة لباقي الدول العربية والغربية من اضطهاد المحجبات والملتزمات في بلدهم؛ بحجة أن أكبر مرجع ديني أفتى بذلك.

 

ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ فقد أصبحت المصالح الشخصية هي التي تتحكم في مصير الشعوب الآن، فلم يتحرك شيخ الأزهر أو وزير التعليم إلا بناءً عن خطة موضوعة للتصدي لكل مظاهر الحياة الإسلامية.

----------

* Abdodsoky1975@hotmail.com