- الشعب المصري صامت لكنه مشحون والانفجار قادم

- لا بد من حدث قوي وتغيير جذري يُخرج الشعوب عن هدوئها

- الاستبداد والقمع الأمني أصاب الشعوب بالتبلد لأقصى الدرجات!

- الإعلام يمارس دورًا سلبيًّا مع القضية ويُسيطر عليه أصحاب النفوذ

- حماس نجحت في إدارة الصراع مع الصهاينة ودمرتهم نفسيًّا

 

حوار- شيماء جلال والزهراء عامر:

يشهد الشارع العربي والإسلامي- على غير المعتاد- حالةً من الصمت والسكون الغريب، تجاه ما تمارسه قوات الاحتلال الصهيوني من اعتداءاتٍ وانتهاكاتٍ ضد المسجد الأقصى المبارك؛ حيث قامت قوات الاحتلال الصهيوني بإغلاق بوابات المسجد الأقصى على المصلين الفلسطينيين؛ ومنع دخول المصلين سوى كبار السن فقط، فضلاً عن توافد أعداد كبيرة من الصهاينة نحو حائط البراق لأداء طقوس ما يعرف بصلاة الغفران.

 

ومع تزايد اعتداءات الصهاينة ضد المسجد الأقصى، هناك صمت مخز من الدول العربية والإسلامية سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي؛ مما يطرح العديد من التساؤلات حول أسباب تبلد مشاعر العرب والمسلمين، تجاه المسجد الأقصى المبارك؟ وما الأسباب التي دفعت بالشعوب لتلك الحالة من الصمت الرهيب تجاه نصرة الأقصى؟ وما الحل للخروج من تلك الحالة غير المعتادة؟

 

(إخوان أون لاين) طرح هذه التساؤلات وغيرها على الدكتور يحيى الرخاوي أستاذ الطب النفسي المعروف من أجل التوصل لتحليل دقيق عن أسباب سكون الشعوب العربية والإسلامية تجاه نداءات المسجد الأقصى:

* بدايةً.. كيف تحلل حالة الصمت التي تُخيم على الشارع المصري خاصة، والعربي عامة، تجاه تلك الانتهاكات التي يتعرَّض لها المسجد الأقصى على يد الصهاينة؟

**  في البداية وقبل كل شىء لا بد أن نُفرِّق بين كل شعبٍ وآخر؛ فلا يمكننا أن نحكم على الشعوب جميعها بشكلٍ واحد، ولا يمكننا أن نحلل أسباب صمت الشعوب جميعها، خاصةً أن لكل شعبٍ من الشعوب ثقافته وفكره، فضلاً عن النظم السياسية التي تربي عليها ونشأ في ظلها؛ لتجتمع كل العوامل تلك في النهاية لتشكل وعي كل شعبٍ تجاه القضية المختلفة، وبالأخص قضية فلسطين والمسجد الأقصى.

 

وإذا ما توجهنا لتحليل صمت الشعب المصري فسنجد أن صمته نابع من نظام وسلطات حاكمة؛ فكيف يمكن لشعب أن يثور ويخرج من صمته ويحكمه نظام وسلطة لا تحرك ساكنًا؛ ولكن الشعب يظل محتفظًا بكافة المشاعر بداخله إلى أن يأتي الوقت الذي تفرغ كافة الطاقات والشحنات التي بداخله.

 

* ولِمَ هذا الهدوء في المشاعر العربية؟

 الصورة غير متاحة

أحد المصابين المدافعين عن الأقصى خلال الاشتباكات مع شرطة الاحتلال

** في أكثر الأحيان لا توجد مشاعر هادئة؛ لأن الهدوء ليس من طبيعتها، ولكن يكون في بعض الأحيان هناك كمون؛ استعدادًا لانطلاقٍ حقيقي هادئ ليبدأ الإيقاع الحقيقي، وكل شيء يُعبِّر عن تجميع واستيعاب.

 

* ولكن متى تنطلق هذه المشاعر من حالة الصمت والكمون إلى مرحلة الحركة والانطلاق؟

** حالة الصمت التي تحياها بعض الشعوب تجاه نصرة المسجد الأقصى تنتقل لمرحلة كلام وفعل- قد تقصر وقد تطول- ولكن العامل المؤثر في حسم مسألة الصمت هو وقوع حدث أو فعل قوي؛ مما يترتب عليه خروج كافة الطاقات والمشاعر المحفوظة معًا؛ ويفضل أن تكون الشعوب التي كانت قابعة في حالة من الصمت صاحبة وعي وإرادة وفعل؛ لكي تكون أفعالها حقيقية وليست مزيفة بعد مرحلة صمت كبيرة، وهنا يحضرني مشهد خروج المصريين في جنازة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر فلم تكن جموع المواطنين المتجهة في الجنازة محبة له، ولكنها كانت ترى أنها فقدت مصدرًا اعتماديًّا بالنسبة لهم فخرجت من صمتها بشكلٍ مزيف وغير حقيقي، وهذا الذي أريد أن أشير إليه "مبدأ الواقعية والمصداقية في الفعل".

 

تسكين الشعوب

* هل مارس الإعلام دورًا سلبيًّا لتسكين الشعوب وعدم تحريكها في نصرة المسجد الأقصى مما كان له هذا المردود النفسي؟

** بلا شك يعد الإعلام أداة مهمة للغاية، ويمثل محورًا ارتكازيًّا في تكوين خلفيات الأفراد النفسية والعاطفية، وهناك نوعان من الإعلام "إعلام الإعداد وإعلام الإيثار"، فما يفعله الإعلام اليوم من التعتيم على القضية الفلسطينية هو نفس الإعلام الذي أعطى حرب 73 قيمتها وعمل على كسب ود وتعاطف الشعوب معنا، وهو نفس الإعلام الذي خدع المواطنين في نكسة 5 يونيو.

 

لذا لا بد أن يوجه الإعلام توجيهًا سليمًا يضمن معه تحريك الشعوب بشكلٍ إيجابي ينبني عليه عمل واقعي وحقيقي فعَّال، ولعل مشهد استشهاد الطفل محمد الدرة في عام 2000م، الذي تناقلته كافة وسائل الإعلام، وركَّزت عليه بشكلٍ كبيرٍ كان له أكبر الأثر في تحريك كافة الشعوب التي هبَّت جميعها، ووقفت وقفةَ رجل واحد، وأعلنت خروجها ورفضها المعلن لأعمال الاحتلال البغيض.

 

* إذن هناك سيطرة وهيمنة على الإعلام، وبالأخص فيما يتعلق بتناول القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى.

** بالفعل هناك سيطرة لأصحاب الأموال والسلطة على الإعلام؛ ويعتمد ذلك النوع من الإعلام على إذلال الآخرين وممارسة المركزية.

 

تبلد المشاعر

* كخبير وعالم نفسي هل تكرار مشاهد الدماء وتعدد الانتهاكات التي تجري على أرض فلسطين وللمسجد الأقصى تُسبب في تبلد مشاعر المسلمين حتى باتت لا تحركهم أو تؤثر فيهم؟

 الصورة غير متاحة

 مسيرة احتجاجية لنساء فلسطينيات ضد الاعتداء على المسجد الأقصى

**
هناك نظرية علمية تفسر ذلك؛ وتوضح تلك النظرية أن تكرار مشاهد معينة لدى الأفراد تؤدي لتعودهم عليها، ومن ثَمَّ تتبلد المشاعر والأحاسيس أو تكسر الإرادة وتذل؛ ولعل تلك الحالة تنطبق الآن على أغلب الشعوب العربية التي اعتادت على تشغيل محطات التلفاز الإخبارية التي تنقل مشاهد القتل والدماء، وبمجرد تغيير مؤشر التلفاز يعودون لحالة الكمون التي كانوا عليها، وقد تصل درجة التبلد في مشاعرهم لأقصى درجاتها فلا يشاهدون أو يتابعون القضية الفلسطينية أو الأقصى من الأساس، وهذا الموقف يعد أكثر تعقيدًا.

 

* أمام ذلك المشهد.. ما المخرج والعلاج من عباءة الصمت التي ارتدتها الشعوب تجاه نصرة المسجد الأقصى الذي يتعرَّض الآن لأبشع اعتداء من قبل الجيش الصهيوني؟

** العلاج لتلك الحالة يكمن في إحداث تغيير جذري على مستوى الشعوب، بل وعلى مستوى العالم من أجل زيادة وعي كافة المواطنين بمختلف البلدان مع توجيه الإعلام المتزن بشكلٍ يومي للأفراد بدون طلب من حكومات أو هيئات، فلا بد أن نتحرك كأفراد ونرفع وعي بعضنا البعض تجاه القضية الفلسطينية، وبالأخص المسجد الأقصى والعمل على البعد عن السيطرة والهيمنة الغربية التي تحكم كل شيء بالمال، بجانب وجود الوعي الداخلي، وألا نأخذ بالظاهر، ونحكم بالفعل الحقيقي، كذلك لا بد أن يربي الجيل والنشء تربية وطنية سليمة تربطهم بعالمهم العربي، فيشعرون بأوجاع أمتهم العربية، وألا يتكرر ما فعلته السلطات، ونظام الحكم بعد حرب أكتوبر بتربية الجيل على أنها آخر الحروب، فلماذا لا يوجد حرب أخرى؟ وعلى أي أساس تكون أكتوبر آخر الحروب؟.

 

ثبات وقوة

* كيف تقرأ إعلان "رون شلايفر" خبير الحرب النفسية في جامعة "أرئيل" الصهيونية بأن حماس نجحت في جني ثمار حربها النفسية التي تديرها ضد الاحتلال في قضية الجندي الأسير جلعاد شاليط حيث جعلتهم- حسب قوله- طوال أسبوع كامل رهائن توتر فظيع ينتظرون فيه مقطعًا مصورًا لشاليط لا يتعدى ستين ثانية يطمئنهم على حياته؟.

** أرى أن نجاح حركة المقاومة الإسلامية حماس ثبت وتبين تبعًا للمقاييس النفسية من خلال ثباتها وقوة تحملها وجأشها طوال المعارك الطاحنة التي دارت بينها وبين جيش الاحتلال، ولعل ما اعترف وأقرَّ به الجيش الصهيوني دليل واضح على نجاح سياسة التدمير النفسي الذي ألحقته حماس بالشعب الصهيوني.