نحتاج لبيان بعض المفاهيم الأساسية في النظام السياسي؛ لنعرف معناها ودلالتها في الدولة الحضارية المستندة للقيم، حتى يمكن تمييزها عن أي نموذج آخر، خاصة نموذج الدولة القومية المستندة للعرق أو القومية أو الجنس، فبعض المفاهيم تبدو واحدة، وهي كذلك في جانب منها، ولكن كل مفهوم يكون له تميزه حسب النظام السياسي الذي ينتمي له.

 

عن المواطنة

يثار مفهوم المواطنة بوصفه مرتبطًا بالدولة القومية الحديثة؛ حتى يقال إن الحركة الإسلامية لا تعرف فكرة المواطنة في مشروعها الإسلامي، والمواطنة هي مفهوم يشرح العلاقة بين الفرد والدولة، ويحدد حقوق وواجبات الفرد تجاه الدولة، وكذلك واجبات الدولة تجاه الفرد.

 

والمواطنة تقوم على المساواة بين كل الأفراد من قبل الدولة، وينتج من تطبيق مفهوم المواطنة حصول الفرد على جنسية الدولة؛ ما يجعله من مواطنيها، وبهذا يمنح كل الحقوق مثل أي مواطن، ويلتزم بكل الواجبات مثل أي مواطن أيضًا.

 

والدولة الحضارية الإسلامية تستند إلى منظومة قيم مستمدة من المرجعية الحضارية الإسلامية، وهذه القيم تمثل النظام الأعلى الحاكم للدولة والمجتمع وفي الدولة الحضارية القطرية، فإن كل من ينتمي لهذه الدولة يفترض ضمنًا أنه ينتمي للقيم العليا المنظمة للدولة والمجتمع، ومعنى هذا أنه ينتمي أساسًا للمجتمع، ومن ثم للأمة، وهو بانتمائه للمجتمع أصبح عضوًا فيه، ولأن الدولة هي وكيل عن المجتمع، فإن كل من ينتمي للمجتمع يصبح عضوًا أصيلاً في الدولة، وبالتالي يصبح مواطنًا في الدولة له كل الحقوق وعليه كل الواجبات، ويحظى بعلاقة المساواة من قبل الدولة مثل غيره من أعضاء المجتمع.

 

وهنا نؤكد فكرةً محوريةً في الدولة الحضارية، وهي أن المجتمع سابق على الدولة، وأن الأمة سابقة على الدولة؛ لأن الدولة الحضارية تقوم هويتها على قيم؛ لذا فإن تلك القيم توجد أولاً في المجتمع أو الأمة، وتصبح سائدة وغالبة، ومن ثم تقوم الدولة على تلك القيم، وتستمد شرعيتها من حفاظها على القيم التي أمن بها المجتمع وأمنت بها الأمة؛ لأن الدولة التي تستند لقيم لا توجد في المجتمع وتفرض قيمها على المجتمع؛ ليست دولةً حضاريةً، بل هي شكل من أشكال الدول المستبدة التي تقوم على الحكم بالحق الإلهي.

 

يضاف لهذا مسألة مهمة في التفرقة بين الدول.. ففي الدولة الحضارية يقوم المجتمع على قيم، وكل من ينتمي لتلك القيم يصبح عضوًا في المجتمع، وبالتالي يصبح عضوًا في الدولة، وهو بهذا يكون مثله مثل غيره، لا فارق بينهما؛ لأن كل أعضاء المجتمع تقوم عضويتهم على إيمانهم بقيم المجتمع، وهذا الأمر لا يتحقق في المجتمعات التي تقوم فيها الدولة مستندة على القومية، ففي فرنسا مثلاً تقوم الدولة مستندة على القومية الفرنسية، ومن يحصل على جنسية الدولة الفرنسية من غير المنتمين للقومية الفرنسية، يصبح مواطنًا في الدولة، ولكنه لا يصبح منتميًا للقومية الفرنسية؛ لأن الفرد لا يمكن تحويل قوميته؛ لأنها عرق ولها أساس بيولوجي، ففي فرنسا تحدد المواطنة علاقة المساواة بين كل حاملي جنسية الدولة، ولكن يظل أصحاب القومية الفرنسية هم أصل الدولة، ولا يمكن أن ينتمي لقوميتهم أحد من خارجها.

 

لكنَّ الدولة الحضارية تقوم أساسًا على القيم، وهي دولة عابرة للقومية؛ مما يجعل تعدد القوميات والأعراق فيها جزءًا من تعدد مكوناتها داخل الهوية الواحدة، ولأن الهوية تقوم على القيم، فإن كل من ينتمي لتلك القيم يصبح جزءًا من هوية المجتمع والدولة، ويصبح مواطنًا كاملاً في الدولة، وعضوًا كاملاً في المجتمع، حتى وإن اختلفت أصوله العرقية.

 

فالمواطنة تتحقق في الدولة الحضارية؛ نتيجة أن الفرد ينتمي انتماءً كاملاً غير منقوص للمجتمع، وبالتالي تصبح مواطنته مفروضةً على الدولة؛ لأن الدولة وكيل عن المجتمع وتتبع هوية المجتمع، وعليه نقول إن الدولة الحضارية تتميز بأن الانتماء لها مفتوح، فجنسيتها تعطى لمن يؤمن بالقيم المؤسسة لها.

 

لا توجد أقلية

في الدولة القومية توجد أقليات، وهي كل الفئات التي لا تنتمي للقومية المؤسسة للدولة القومية، وهي فئات تحصل على الجنسية، ولكن جنسيتها لا تحولها إلى القومية المؤسسة للدولة، فتظل تلك الأقليات تمثل قوميات مختلفة عن القومية المؤسسة للدولة، ولكنها تحصل على جنسية الدولة؛ مما يستلزم وضع قواعد تحمي تلك القوميات من التمييز ضدها بسبب أنها بالفعل مختلفة عن القومية السائدة والمؤسسة للدولة.

 

ولكن في الدولة الحضارية لا توجد أقليات؛ لأن الدولة الحضارية تقوم على القيم، وكل من ينتمي لتلك القيم يحصل على هوية المجتمع أو الأمة، ويصبح عضوًا في المجتمع والأمة، وبالتالي يحصل على جنسية الدولة، ولا يمكن التمييز بين القوميات داخل الدولة الحضارية؛ لأن الفروق بين القوميات تعد فروقًا فرعيةً، مثل كل أنواع التنوع الداخلي، ولأن الدولة لا تقوم على القومية، بل على القيم؛ لذا تصبح الفروق القومية ثانويةً.

 

أما من يوجد داخل الدولة الحضارية ولا ينتمي لقيمها، فهو في الغالب أجنبي؛ أي ينتمي للجاليات الأجنبية، والتي توجد داخل الدولة الحضارية بصورة مؤقتة أو حتى دائمة، وهم ليسوا أعضاء في المجتمع، ولا أعضاء في الدولة، فالجالية الأجنبية لها وضع خاص، مثل أي أجنبي في أي دولة، وفي الدولة الحضارية يكون على الجاليات الأجنبية أن تحافظ على النظام العام، وتحتفظ لنفسها بكل خصوصيتها. كما كان حال الأجانب في الدولة الإسلامية عبر التاريخ.

 

ولكنَّ البعض قد يتصور وجود أفراد داخل المجتمع ومن السكان الأصليين، ولا ينتمون للقيم المؤسسة للمجتمع، وبالتالي تصبح عضويته للمجتمع غير كاملة، وبالتالي تصبح جنسيتهم في الدولة غير قائمة على الإيمان بالقيم المؤسسة للدولة، وتلك الحالة لا توجد في الواقع؛ لأن المجتمع يقوم على وجود قيم مشتركة تمثل هويته ونظامه الاجتماعي وتوحد بينه، وتمكنه من تحقيق الاجتماع البشري، والقيم المؤسسة للمجتمعات العربية والإسلامية هي قيم حضارية؛ بمعنى أنها تمثل إفراز التجربة الحضارية الإنسانية في المنطقة، وهي قيم كل الناس وكل المجتمعات وكل الأمة، وهذا ينطبق على القيم العليا المؤسسة للأمة، وليس على القيم الفرعية، أو العادات والتقاليد الفرعية، والتي تميز مكونات المجتمع الواحد، أو تميز مكونات الأمة.

 

نقصد من هذا، أنه لا يمكن أن يوجد مصري يعيش في المجتمع المصري، ولا ينتمي للثقافة السائدة في المجتمع، وكل من ينتمي للثقافة السائدة، ويعرف عادات وتقاليد المجتمع المصري، ينتمي أيضًا للقيم العليا المؤسسة للمجتمع المصري، والتي يفترض أن تكون هي القيم المؤسسة للدولة الحضارية في مصر.

 

ولكن يمكن أن نتصور أن مع بداية تأسيس الدولة الإسلامية الكبرى وتوسعها في العديد من المناطق، وانضمام العديد من القوميات لها؛ كان هناك اختلافات حضارية ما أو كان هناك قدر من عدم التجانس، وهو ما تم تحويله إلى حالة تجانس عام، من خلال تجمع كل الأمة على القيم العليا، ولأن القيم العليا دينية الأساس، وهي مطلقة ولكنها محددة، لهذا أصبحت القيم العليا إطارًا جامعًا، سمح بمساحة للفروق الثقافية داخلها، فحافظت المجتمعات على تميزها، وفي نفس الوقت اشتركت في الإطار الحضاري العام فصارت بهذا أمة واحدة.

 

التنوع والوحدة

هنا تبرز خاصية مهمة في الحضارة الإسلامية؛ أنها حضارة التنوع في إطار الوحدة، فهي أكثر الحضارات التي تشمل تنوعًا داخليًّا، ومع هذا فهي أكثر الحضارات التي تتميز بإطار عام حاكم ومحكم، وتلك هي خاصة الدين، فمنظومة القيم المستمدة من الدين تقوم على قيم محددة ومطلقة، أي تقوم على عدد محدد من المبادئ العامة، وداخل هذه المبادئ يمكن أن يختلف الناس، ولكن إيمانهم بهذه المبادئ يوحدهم مهما اختلفوا داخلها، ولهذا يتمدد التنوع داخل إطار الأمة الإسلامية إلى أقصى مدى ممكن داخل إطار القيم الحاكمة التي تحول هذا التنوع إلى وحدة. 

 

الفتح الإسلامي

هذا يدفعنا لتحديد معنى الفتح الإسلامي، ولماذا لم يسمَّ غزوًا، ولماذا أعتبر الفتح العربي فتحًا وليس استعمارًا عربيًّا، فالاستعمار هو سيطرة دولة على دولة أخرى، وهو استعباد قومية لقومية أخرى، ويفترض في الاستعمار أن تبقى الحدود واضحةً وفاصلةً بين دولة الاستعمار وبين الدولة المستعمرة، بل ويفترض أن يمنع أي اندماج بين الطرفين؛ لأن فكرة الاستعمار تقوم على استغلال طرف لآخر، ولهذا يلزم بقاء كل طرف مميزًا عن الآخر.

 

أما في الفتح العربي فالأمر كان مختلفًا، فقد كانت قوات الفتح تنشر قيمًا ودينًا، وكان كل من ينتمي لهذه القيم أو هذا الدين، يتحول تدريجيًّا إلى جزء من القوى الفاتحة نفسها، ولأن الفتح لم يكن استعمارًا من دولة لأخرى، بل هو نشر لقيم بين الناس، لهذا اندمجت القوة الفاتحة مع السكان الأصليين، ولم يعد هناك طرفين، بل طرف واحد، أي أمة تؤمن بمرجعيتها الإسلامية.

 

وهنا تأسست المواطنة في صورتها الأعمق، فقد أصبحت القيم الحضارية هي الأساس المشكل للأمة، ومنها يصبح كل من ينتمي لتلك القيم جزءًا من الأمة، وبالتالي يصبح فردًا ضمن الجماعة التي توكل الدولة عنها؛ أي يصبح ضمن مؤسسي الدولة، فكل من ينتمي لمرجعية الأمة يصبح من مؤسسي الدولة، ولهذا تتحقق له المواطنة كحق مطلق له ولكل الأمة؛ لأن الدولة وكيل عن الأمة، وليست مُؤَسسة لها؛ أي لأن الأمة هي التي تؤسس الدولة، وهكذا أصبح الفتح العربي فتحًا؛ لأنه جعل العربي جزءًا من الأمة مثل غيره، فلم يعد لأحد فضلاً على أحد، أو تمييزًا على أحد، وأصبحت أمة واحدة ودولة واحدة.

 

غير المسلم

أما عن وضع غير المسلم في الدولة الحضارية الإسلامية، فهو يتأسس أيضًا على المرجعية الحضارية التي تقوم عليها الدولة؛ فمع قيام الأمة الإسلامية والدولة الإسلامية أصبحت الأمة الإسلامية متعددة القوميات، والمذاهب والأديان، وهذا التعدد ظل في إطار الوحدة الحضارية للأمة، فالأمة الإسلامية هي التعبير الحضاري عن المجتمعات الشرقية المحافظة، وهي التعبير الحضاري أيضًا عن المجتمعات المتدينة التي دخلت في إطار تلك الأمة.

 

نقصد من هذا أن تاريخ التشكل الحضاري الإسلامي، قام على توحيد الحضارات التي كانت سائدة في المنطقة، داخل إطار حضاري واحد، حافظ على الطابع العام لها، وحافظ على تميز مكوناتها، ووحدها داخل إطار القيم العليا المؤسسة للحضارة الإسلامية، ومع مرور التاريخ، وتعمِّق تجربة العيش المشترك، تبلورت الحضارة الواحدة الجامعة، دون أن تجور على التميز الداخلي، وبهذا أصبح غير المسلم جزءًا من الحضارة الإسلامية، مع حفاظه على تميزه الديني بالنسبة للمسيحي واليهودي، وأصبح الانتماء الحضاري لغير المسلم قائمًا على إيمانه بالقيم المؤسسة للحضارة التي ينتمي لها، وهي الحضارة الإسلامية، رغم عدم إيمانه بالعقيدة الإسلامية، وهنا نشأت علاقة أخوة الحضارة، بجانب أخوة الدين، فأصبح المسلم ينتمي لأخوة الدين والحضارة، وغير المسلم ينتمي لأخوة الحضارة، وأصبحت القيم المؤسسة للدولة الحضارية الإسلامية هي القيم السائدة داخل المجتمعات العربية والإسلامية، وهي أساسًا القيم المؤسسة للأمة الإسلامية، ولأن القيم تمثل قاعدة صلبة، ولكنها تسمح بالتنوع، لهذا تأسست وحدة الحضارة مع كل هذا التنوع الداخلي.

 

ولكن غير المسلم المسيحي واليهودي، انتمى انتماءً أكبر من غيره للحضارة الإسلامية؛ لأن الحضارة الإسلامية مؤسسة على القيم الدينية، والقيم الدينية التطبيقية والحياتية تمثل مساحة مشتركة واضحة بين الإسلام والمسيحية واليهودية، كما أن المسيحي واليهودي يؤمن بأن القيم مطلقة لأنها إلهية، وهذا الإيمان في حد ذاته، يجعله يتعايش ويتجانس مع فكرة قيام حضارة على القيم المطلقة الإلهية.

 

لكل هذا يصبح غير المسلم عضوًا في الأمة، مما يعطيه الحق في المواطنة والمساواة؛ لأنه عضو أصيل في الأمة بانتمائه لحضارتها ومرجعيتها ولقيمها المؤسسة، فغير المسلم لا يمثل أقلية ثقافية أو حضارية، بل هو جزء من تنوع الأمة الداخلي، وجزء من انتمائها الحضاري.

 

والقواعد المؤسسة للحضارة الإسلامية تسمح لغير المسلم بالحفاظ على تميزه الديني، وخصوصيته الاجتماعية، ضمن نظامها القائم على الحفاظ على التنوع في إطار الوحدة.

 

في الدولة القطرية

ينطبق ما سبق على حالة قيام دول حضارية قطرية في البلاد العربية والإسلامية، وقبل تحقق أي شكل من أشكال الوحدة بينها؛ كما ينطبق أيضا في حالة قيام الوحدة السياسية للأمة، أيًّا كانت صورتها، فالمصري هو عضو في المجتمع المصري، ينتمي للحضارة الإسلامية، وله خصوصيته المصرية، كما له خصوصيته العربية، أي أنه مصري عربي إسلامي، وهو عضو في المجتمع وعضو في الأمة، وعندما تقوم دولة حضارية إسلامية في مصر، سيكون كل مصري مواطنًا فيها، لأنه أساسًا عضو في المجتمع الذي سيقيم تلك الدولة وفي هذه الحالة أيضًا يظل كل مصري عضوًا في الأمة الإسلامية، حتى قبل قيام وحدتها السياسية. وعندما تقوم وحدة سياسية للأمة، في صورة اتحاد للدول الإسلامية مثلاً، فإن المصري يظل عضوا في المجتمع المصري، ومواطنًا في الدولة التي تحكم مصر، ويظل عضوًا في الأمة، ويصبح أيضًا مواطنًا من مواطني الاتحاد الإسلامي.

 

قصدنا من ذلك القول، أن العضوية في الأمة هي التي تحقق المساواة الأصلية، وتجعل كل عضو في الأمة متساويًا مع الآخر، ومنتميًا للقيم المؤسسة للأمة. وكل دولة عليها أن تلتزم بتلك العلاقة العضوية بين أبناء الأمة الواحدة، بأن تحقق بينهم العدل والمساواة والمواطنة.