أعتقد أنه ليس فينا إلا مَن تعامل، أو تحدَّث، أو التقى- ذات يوم- بشخصيةٍ غير سوية، أي خارجة على منطق العقل، وقيم الدين، وأعراف المجتمع.
فمن هذه الشخصيات: شخصية المهمل اللااكتراثي الذي يستثقل العمل، ويؤثر الكسل والاسترخاء، ولا يُقدِّر العواقب، أو يعمل للنتائج أي حساب.
ومن هؤلاء: شخصية المنافق الوصولي الذي يستمرئ الكذب والمجاملة في سبيل نفع دنيوي مادي على حساب عزة النفس، ونقاء الضمير.
ومن هؤلاء: شخصية لا تخفى على أحد، وهي المغرور، وقد جعلناها موضوع مقالنا هذا.
*****
والغرور- في إيجازٍ شديد- آفة نفسية تعتمد على سوء التقدير في النظر إلى الذات، من ناحية، والنظر إلى الآخرين من ناحية أخرى، فالمغرور يرى في ذاته أبعادًا، وإمكانات، وقدرات لا تملكها نفسه، أو تفوق بكثير ما تملكه نفسه في واقعه.
وعلى سبيل التمثيل: يرى المغرور في نفسه ذكيًّا ألمعيًّا، مع أنه لا يملك أي قدرٍ من الذكاء، أو الألمعية، وإن كان يملك حظًّا من ذلك فهو يرى في نفسه أذكى الأذكياء، وعبقري العباقرة.
وهذه النظرة "التضخيمية" لواقع الذات يترتب عليها بالتبعية أن ينظر المغرور إلى الآخرين نظرة مناقضة: فهم في نظره أقل مستوى، وأضعف قدرةً حتى لو كانوا يتفوقون عليه في مجالاتهم، ومجالاته أضعافًا مضاعفة.
وقد يتضخم هذا الشعور بالغرور فيصل إلى درجة "التورم الخبيث"، أو ما اصطلح علماء النفس على تسميته "بالنرجسية" أو "توثين الذات"، ولهذا المرض الخبيث أعراض نفسية متعددة لا يتسع مقامنا هنا لذكرها وتعدادها.
*****
وإذا نظرنا إلى معاجم اللغة قرأنا فيها الاستعمالات الآتية:
غرَّته الدنيا غرورًا: أي خدعته بزينتها. واغترَّ الرجل بالشيء أي خُدِعَ به. والغَرور (بفتح الغين) هو الشيطان. والغُرور (بضم الغين): ما اغترَّ به الشخص من متاع الدنيا. وغُر الرجل غرةً، فهو غِر: أي جهل الأمور وغفل عنها. ويقال: ما غرَّك بكذا؟ أي ما جرَّأك عليه. وفي القرآن الكريم ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6)﴾ (الانفطار).
فهذه المادة اللغوية المعجمية تعطينا "الخامة الأصلية" التي صُنع منها نسيج التعريف الاصطلاحي: أليس الغرور انخداعًا عن حقيقة الذات، وغفلة عن واقعها، وجهلاً بمكانة الآخرين، وجرأة على مقامهم، وعلى أعراف المجتمع وقيمه الخلقية؟.
وقد يستخدم الغرور مرادفًا للكِبْر، وقد يرى بعض العلماء أن الفارق بينهما فارق في الدرجة لا في النوع، وإن كنا نرى أن الرأي الأول هو الأصح، ولو في عرفنا اللغوي الاستعمالي الحاضر على الأقل.
*****
بقي أن نقول للمتكبر المغرور- وقد أعطى نفسه وقدراته أكثر بكثير من واقعها- انظر إلى مخلوقٍ واحدٍ من مخلوقات الله.. من أضعفها وأصغرها وهو النملة: إنها تملك من القدرات أضعاف أضعاف ما تملك، وحتى تصل أنت إلى مستواها في "التدبير" فعليك أن تدخر في بيتك من الطعام والشراب ما يكفيك، ويكفي أسرتك لثلاثة أشهر على الأقل كل عام، وهو ما تفعله النملة كل سنةٍ في بياتها الشتوي.
وحتى تصل أنت إلى قدرتها في الحمل ورفع الأثقال فعليك أن ترفع بيديك إلى أعلى مائة ألف كيلو جرام؛ لأن النملة تستطيع أن ترفع بمفردها حبة قمح إلى جحرها في أعلى الحائط.
وحتى تصل إلى قدراتها في الجر أي السحب فعليك أن تجر أي تسحب مركبة بلا عجل زنتها مليون كيلو جرام؛ لأن النملة تستطيع أن تجر بمفردها نواة بلح كاملة.
وما رأينا نملة تتمرد على بني جنسها، أو تتعالى على أترابها، فهل يتدبر المغرورون المتكبرون هذا الدرس من دابة تعد من أصغر وأضعف مخلوقات الله؟ وهل من حقنا أن نذكرهم بقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)﴾ (القصص).
--------------
*
gkomeha@gmail.com