أحمد حامد قرقر

ميت أبو خالد- ميت غمر- دقهلية

شهيد مذبحة ليمان طرة

 

بعد تمثيلية المنشية الهزلية حوصرت الجامعات حصارًا رهيبًا؛ فكانت جامعة القاهرة تبدو وكأنها ثكنة عسكرية سُدَّت الطرق المؤدية إليها من شارع بين السرايات حتى كلية الفنون التطبيقية، ومن شارع الجامعة عند تمثال نهضة مصر، ومن ناحية ميدان الجيزة بعد المدرسة السعيدية.. فكان لا يُسمح بالمرور إلا بكارنيه الجامعة.

 

وكانت أسماء المطلوبين موزعةً على تلك الكمائن، فكان طريقنا إلى الجامعة هو الدخول إلى المدرسة السعيدية (الملاصقة لسور الجامعة)، ثم القفز عبر السور لإنهاء بعض الأعمال الخاصة بنا، وبدأنا في جمع الشمل ولمِّ الشتات؛ فجاءني أحد الإخوة ليخبرني بأن اتصل بالأخ (أحمد حامد قرقر) قرب ميدان الجيزة.

 

لم أكن أعرفه من قبل، وفي الموعد المحدد التقينا فكأننا تعارفنا من سنين، كان طالبًا في نهائي تجارة وموظفًا في مصلحة التليفونات رقيق الحس هادئ الطباع، وتعاونَّا سويًّا في لمِّ الشتات وتنظيم الصفوف رغم المراقبة والمتابعة، حتى تم القبض علينا، كان رغم هدوئه الشديد صلبًا في تحمل إيذاء تلك العصابة الغاشمة التي لم ترقب في أحد منَّا إلاًّ ولا ذمة.

 

ومرت أيام التحقيقات في السجن الحربي تحمل في طياتها أسوأ ما سجلته الإنسانية في تاريخها، وتعبر عن خسة العداوة ودناءة النفس، وتذكرنا بصفة المنافق.. إذا خاصم فَجَر.

 

واقتربت أيام المحاكم الهزلية، وبدأت مراسم التعذيب من جديد في إيعاز ألا تتغير الأقوال في المحكمة، وتظل ملحمة التعذيب أسبوعًا كاملاً دون نوم أو راحة، وجاء يوم المحكمة وتم ترحيلنا في حراسة البوليس الحربي إلى مبنى المحكمة (كانت سينما للقوات المسلحة)، وبدأ فاصل جديد من التعذيب قبل حضور الهيئة (في بدروم المحكمة).

 

وحضرت الهيئة (غير الموقرة)، وكان ينادَى على كل فرد ليمثل أمامها يحوطه من أمام ومن خلف ومن الجانبين ثلة من العساكر والضباط المدججين بالسلاح ويطرح رئيس المحكمة السؤال التقليدي: هل كنت من الإخوان؟ وكان البعض ينكر ذلك خوفًا من هول وبشاعة التعذيب.

 

لكن يرد الأخ أحمد حامد قرقر.. نعم (لقد كنت من الإخوان ولا زلت من الإخوان، وسأظل من الإخوان، وستظل آخر قطرة من دمي تهتف وتقول "الله أكبر ولله الحمد"). وأسقط في يد الجميع وتكهرب الجو، وأعيدت هذه المجموعة "كانت 19 فردًا".

 

ولذا سميت مجموعة (الـ19) إلى السجن الحربي لتُقابل بأبشع وأعنف صور التعذيب (من ضرب الكرابيج إلى التعليق في سقف حجرة البئر)، وهي حجرة مليئة بالماء القذر يترك فيها الفرد والماء يغمره حتى قرب صدره) ثم الكي بالنار وترك الكلاب تنهش الأجساد.

 

وفي كل يوم مزيدٍ من التعذيب والقهر حتى تعفنت الجروح ونتنت ريحها. وفي أحد الأيام استطاع أحد الأخوة أن يهرب لنا كمية من الفحم المطحون ضمدنا بها الجروح فكان فيه الشفاء، وحكم على أحمد حامد بالأشغال الشاقة عشر سنوات، ورحل إلى ليمان طرة.

 

وفي طرة حدث ذلك الحادث المشئوم بعد أن افتعل الضابط عبد الله ماهر رشدي متعمدًا مشكلة مع إحدى الزائرات وتطاول عليها وكان هذا بترتيب مسبق مع القيادة السياسية (كما أشرت في الحلقة السابقة).

 

وتمت مهاجمة الإخوان العزل داخل الزنازين بالسلاح وبمباركة (صلاح الدسوقي أحد رجال الثورة) تم اغتيال 21 من الإخوان وإصابة 28.. كان الأخ أحمد حامد قرقر يسكن في زنزانة كبيرة تسمى المخزن فيها 7 من الإخوان، ولما توجهت القوة عامدة إليها (تصدى الأخ أحمد لهم ليتلقى عن إخوانه الرصاص وتمزق صدره ويراق دمه الشريف الطاهر ليسجل بكل العار مؤامرات الخزي التي حاكها عبد الناصر بليل ضد العزل الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم)، ولم يكتفِ المجرمون بهذا بل تولت مجموعة من الضباط على رأسهم النقيب (عبد اللطيف رشدي)، وبصحبته العسكري المسيحي (متى) الإجهاز على بعض الجرحى.. سالت الدماء تشكو إلى البارئ هذا الظلم والبغي والطغيان الذي أكل الأخضر واليابس وأورثنا في كل معاركنا التي قادها أولئك الأشرار مرارة الذل والهوان.

 

كان أحمد يحكي عن الجنين الذي تركه في بطن أمه يوم اعتقل، وكان يتمنى أن يسميه مورو تيمنًا باسم ذلك الرجل الشجاع الذي كان يقود جامعة القاهرة، والذي رصد كل ميزانية الجامعة لمعسكر الجهاد عام 1951م.

 

وها هو ذا الدكتور محمد مورو رئيس تحرير (المختار الإسلامي).. ذلك الجنين الذي تركه أحمد حامد قرقر، ليكمل مسيرة العمل من أجل رفعة دينه ووطنه.

 

ويبقى اسم أحمد حامد قرقر معبرًا عن أسمى معاني التضحية والشجاعة والفداء وليظل علمًا على مر الأجيال وشاهدًا على هذه الحقبة التاريخية التي يحاول هؤلاء طمس معالمها وتزييفها، ولكن هيهات.

 

رحمك الله يا أحمد، وأسكنك فسيح جناته، وألحقنا بك في الصالحين.

----------------

* عضو مكتب الإرشاد