غزوة أحد وقعت في يوم السبت، السابع من شوال في السنة الثالثة للهجرة والتي توافق 23 مارس 625 م، واستشهد من المسلمين يوم أحد سبعون رجلاً، ستة منهم من المهاجرين والباقون من الأنصار، فمن استشهد من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد الله بن جحش، ومن الأنصار سعد بن الربيع وأنس بن النضر وحنظلة بن أبي عامر وعمرو بن الجموح وعبد الله بن حرام.. وغيرهم ممن لا تزال قصص استشهادهم تثير الحماسة في نفوس المسلمين، وترسم ملامح الاقتداء والتأسي لكل من تاقت نفسه إلى الجنة، واستمسك بالعزة الإسلامية والاستعلاء الإيماني.
فقد استشهد حمزة، ومثَّل المشركون بجسده، فمرّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قد مُثل به، قال: لولا أن تجد صفية في نفسها، تركْتُه حتى تأكله العافية- أي السباع والطير- حتى يحشره الله من بطون الطيور والسباع، فكفنه في نمرة- أي ثوب- وكانت إذا خمرت رأسه مدت رجلاه، وإذا خمّرت رجلاه بدت رأسه، فخمّر رأسه، ولم يصلّ على أحد من الشهداء غيره (1).
وأمر الصلاة على الشهداء متنازع فيه بين العلماء؛ فبعضهم ينفيه، وبعضهم يثبته (2).
أما مصعب بن عمير؛ فقد ترك متاع الدنيا منذ أسلم، وأبت أمه أن تعطيه من حقه شيئًا، فآثر ما عند الله تعالى، وكان له فضل فتح المدينة المنورة بالقرآن، فقد كلفه النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة أهلها وتعليم المسلمين بها، فلما جاء يوم أحد، كان مصعب يحمل راية المسلمين، فقطعت يمينه، فحملها بشماله، فقطعت، فحملها بين عضديه، حتى خرّ شهيدًا، فأثار استشهاده مشاعر إخوانه من المؤمنين الأولين؛ قال خباب بن الأرت: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى بسبيله لم يأكل من أجره شيئًا، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة- يعني ثوبًا- كنا إذا غطينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الأذخر"، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهديها (3)، وأتى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بطعام- وكان صائمًا- فقال: قتل مصعب بن عمير، وهو خير مني، كفن في بردة إذا غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه، وقتل حمزة، وهو خير مني، ثم بسط لنا من الدنيا، أو قال: أعطينا من الدنيا ما أعطينا، وقد خشينا أن تكون حسناتنا عُجِّلت لنا، ثم جعل يبكي حتى ترك الطعام (4).
واستشهد عبد الله بن عمرو بن حرام، والد جابر بن عبد الله، ويحكي جابر حلم أبيه بالشهادة في سبيل الله، وصدقه مع الله، حيث قال له أبوه: "أرجو أن أكون في أول مَن يُصاب غدًا، فأوصيك ببناتي خيرًا، فأصيب، يقول جابر: فدفنته مع آخر، فلم تدعني نفسي حتى استخرجته، ودفنته وحده بعد ستة أشهر، فإذا الأرض لم تأكل منه شيئًا إلا بعض شحمة أذنه" (5)؛ وذلك لأن الله تعالى قد حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء والشهداء، ولما قُتل، جعل جابر يكشف عن وجهه ويبكي، وجعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهونه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينهاه، وجعلت أخت الشهيد تبكيه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "تبكيه أو لا تبكيه، ما زالت الملائكة تظلله بأجنحتها حتى رفعتموه"(6)، وقال صلى الله عليه وسلم لجابر: "ألا أخبرك أن الله كلَّم أباك كفاحًا، فقال: يا عبدي سلني أعطك، قال: أسألك أن تردني إلى الدنيا فأُقتل فيك ثانيًا، فقال: إنه قد سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: يا رب فأبلغ من ورائي، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾"(7).
ومن الشهداء عبد الله بن جحش، وقد قال لسعد بن أبي وقاص- وهو مستجاب الدعاء- يوم أحد: ألا تدعو الله؟ فخلوا في ناحية، فدعا سعد ربه فقال: يا رب إذا لقيت العدو فلقني رجلاً شديدًا باسه، شديدًا حرده، أقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني الظفر عليه حتى أقتله، وآخذ سلبه، فأمَّن عبد الله بن جحش، ثم قال عبد الله: اللهم ارزقني رجلاً شديدًا حرده، شديدًا بأسه، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يأخذني فيجدع أنفي وأذني، فإذا لقيتك غدًا قلت: من جدع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيك وفي رسولك، فتقول: صدقت، فقال سعد لابنه فيما بعد، يا بني، كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرًا من دعوتي؛ لقد رأيته آخر النهار، وإن أنفه وأذنه لمعلقتان في خيط (8).
أما عمرو بن الجموح؛ فقد ذكر ابن إسحاق أنه كان رجلاًَ أعرج شديد العرج، وكان له بنون أربعة مثل الأُسْد، يشهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه، وقالوا: "إن الله عز وجل قد عذرك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن بَنِيّ يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه، والخروج معك فيه، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما أنت فقد عذرك الله، فلا جهاد عليك"، وقال لبنيه: "ما عليكم أن لا تمنعوه، لعل الله أن يرزقه الشهادة"، فخرج معه، فقتل يوم أحد، وفي رواية الإمام أحمد: أنه قتل هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم فقال: "كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة"، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاثتهم فجعلوا في قبر واحد (9).
وبينما كان أبو عامر الراهب يشارك مع المشركين في حربهم ضد المسلمين، كان ابنه حنظلة من خيار المؤمنين، وقد قاتل يومئذٍ حتى استشهد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن حوله: "إن صاحبكم تغسله الملائكة، فاسألوا صاحبته"، يعني زوجته، فسألوها، فقالت: إنه خرج لما سمع الهائعة(10)، وهو جنب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لذلك غسلته الملائكة"(11).
وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت؛ ليتفقد سعد بن الربيع، وقال له: "إن رأيته فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف تجدك؟" فجعل زيد يطوف بين القتلى حتى وجده، وهو في آخر رمق، وبه سبعون ضربة، ما بين طعنة برمح، وضربة بسيف، ورمية بسهم، فقال: يا سعد؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ عليك السلام، ويقول لك: كيف تجدك؟ قال: على رسول الله وعليك السلام، قل له: يا رسول الله أجد ريح الجنة، وقل لقومي الأنصار: لا عذر لكم عند الله، إن خُلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيكم شفر- أي جفن- يطرف، وفاضت نفسه رحمه الله (12).
أما المرأة المسلمة فقد شاركت في غزوة أحد ومحنتها، تسقي الجرحى، وتداوي الزمنى، ومنهن أم سليط الأنصارية، وقد ظل عمر بن الخطاب يذكر صنيعها في خلافته، فقد جاءته مروط (13)، فقسمها بين نساء من أهل المدينة، فبقي منها مرط جديد، فقالوا: يا أمير المؤمنين، اعط هذا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك- يريدون أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب زوجته- فقال عمر: أم سليط أحق منها؛ كانت تزفر لنا القرب يوم أحد (14).
وكانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها تشارك في هذا الجهد الحربي المساعد، أما أم عمارة نسيبة بنت كعب، فقد مر بنا قتالها؛ دفاعًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أحاط به المشركون، وإصابتها بجرح غائر في كتفها آنذاك، أما أم أيمن فإنها لما رأت فرار المسلمين من ساحة القتال يريدون الدخول إلى المدينة، أخذت تحثو التراب في وجوههم، وتقول لبعضهم: هاك المغزل، وهلم سيفك، ثم مضت إلى ساحة القتال تسقي الجرحى (15).
وكانت تُصبِّر النساء على مصابهم في أزواجهن من الشهداء. عجيبًا! فهذه امرأة من بني دينار، أصيب زوجها وأخوها وأبوها يوم أحد، فلما نعوا لها كانت تقول: ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا: خيرًا، يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه فأشاروا إليه، حتى رأته، فقالت: كل مصيبة بعدك جلل؛ تعني صغيرة(16).
اعتزازه صلى الله عليه وسلم بشهداء أحد:
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الاعتزاز بشهداء أحد، وفيهم جماعة من خاصة أصحابه وخلصائه الذين ثبتوا معه منذ أحداث الإسلام الأولى، مثل حمزة ومصعب، فكان يقول إذا ذكرهم: "والله لوددت أني غودرت مع أصحاب فحص الجبل"؛ يعني معهم(17)، بل كان صلى الله عليه وسلم إذا رأى جبل أحد، نظر إليه، وقال: "هذا جبل يحبنا ونحبه"(18).
-----------------
1- أخرجه أبو داود: السنن رقم 3137، أحمد: المسند 3/128، البيهقي: السنن 4/11،10.
2- روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا بالقرآن؟ فيقدمه في اللحد، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلِّ عليهم، ولم يغسلوا "البخاري: السابق كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهداء، كتاب المغازي، باب: من قتل من المسلمين يوم أحد، وانظر تفصيل الخلاف عند ابن حجر: فتح الباري 3/210،211.
3- أخرجه البخاري، السابق كتاب الجنائز، باب إذا لم يجد كفنًا إلا ما يواري رأسه أو قدميه، كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، كتاب المغازي، باب غزوة أحد، مسلم: السابق كتاب الجنائز، باب كفن الميت.
4- البخاري: السابق كتاب الجنائز باب: الكفن من جميع المال، كتاب المغازي، باب غزوة أحد.
5- البخاري: السابق كتاب الجنائز، باب هل يخرج الميت من القبر أو اللحد لعلة؟.
6- البخاري: السابق كتاب الجنائز، باب الدخول على الميت بعد الموت، كتاب المغازي باب من قتل من المسلمين يوم أحد، مسلم: السابق كتاب الفضائل، باب من فضائل عبد الله بن عمرو بن حرام.
7- سورة آل عمران الآية 169، والحديث أخرجه الترمذي: السنن كتاب التفسير باب ومن سورة آل عمران، وقال: حديث حسن، ورواه ابن ماجة: السنن، باب فضل الشهادة في سبيل الله، رقم 2800 وانظر في تفسير الآية، مسلم: السابق كتاب الإمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة، وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، أحمد: المسند 1/265.
8- البيهقي: السنن 9/24، الدلائل 3/250، أبو نعيم: الحلية 1/109.
9- ابن هشام: السابق 2/90،91، أحمد: المسند 5/299، ابن حجر: الفتح 3/257.
10- الهائعة: الصيحة بالحرب.
11- رواه الحاكم في المستدرك 3/204،205، الهيثمي: مجمع الزوائد 3/23.
12- الحاكم: السابق 3/201، البيهقي الدلائل 3/248.
13- جمع مرط، وهي الأثواب.
14- البخاري: السابق كتاب المغازي باب ذكر أم سليط.
15- الحلبي: السيرة الحلبية 2/22.
16- البيهقي: دلائل النبوة 3/302، ابن هشام 2/99.
17- رواه أحمد في المسند 2/375، الهيثمي: مجمع الزوائد 1/123، ومعنى فحص الجبل: أسفله.
18- البخاري: السابق كتاب المغازي، باب أحد جبل يحبنا ونحبه، مسلم: السابق: كتاب الحج: باب فضل المدينة، ودعاء النبي فيها بالبركة.
-------------------
* أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية دار العلوم- جامعة القاهرة