وما زالت الدروس تتوالى علينا من أهل غزة الشموخ والعزة، وما زالت فصول الحياة في سبيل الله تعالى تتضح ملامحها يومًا بعد يوم من هؤلاء القوم الذين يمثلون الأمل الباقي والجيل المرجو والمنتظر لخلاص هذه الأمة وانتشالها من كبوتها بعد أن تكالب عليها العدو وتخلى عنها الصديق وتآمر عليها الرفيق.
لقد تواردت الكثير من المعاني على ذهني وأنا أشاهد حفل تخريج عشرة آلاف من حفظة كتاب الله تعالى في غزة مع انقضاء شهر رمضان المعظم شهر الصوم والقرآن.. ففي اليوم نفسه الذي كان يأتمر فيه محمود عباس مع أوباما ونتنياهو كان رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية في غزة يأتمر مع حفظة كتاب الله تعالى محتفلاً بتخرج هذه الكتيبة الربانية التي وصلت عشرة آلاف حافظ وحافظة لكتاب الله تعالى، وشتان بين المؤتمرَيْنِ والمؤتِمِرين.
وربما تنتابك بعض التساؤلات-أخي القارئ- كما انتابتني مثل: هل هؤلاء القوم لديهم من الإمكانيات ما يعينهم على تحفيظ هذا العدد الكبير (بالنسبة لعدد سكان القطاع)؟ وهل تحفيظ القرآن الكريم- مع اعترافنا بفضله وقدسيته- أولوية الآن في وقت الحصار والجوع الخانق؟ فهل الأولى التفرغ للحفظ أم صرف الجهود إلى تحصيل ما يحفظ الحياة ويقيم الأود ويعين على مقارعة عدو غاشم في ظل تخلي القريب والبعيد؟
وربما تختلف الإجابات عن هذه التساؤلات بين القول بأن فترة الحصار فرصة للتقرب لله تعالى والتماس البركة والنصرة في القرآن، والقول بأن القوم ليس لديهم الآن في ظل الحصار ما يفعلونه فيصرفون وقتهم في حفظ القرآن، والقول بأنه في وقت الضيق والشدة يكون العبد أقرب لربه تعالى.
لكن لرئيس الحكومة هنية رأيًّا آخر استوقفني كثيرًا وبهرني وأخذ بشغاف عقلي وقلبي من نظرات هذا الرجل- الذي سبق هؤلاء الحفظة بحصوله هو على إجازة في ختم القرآن بروايات ثلاث-؛ حيث أكد على أن حفل تخريج الحفظة هذا إنما هو جزء من برنامج المقاومة!! وربما تختلف التفسيرات أيضًا لهذه المقولة؛ فربما يرى البعض أن ذلك تأكيد للتفسير السابق وهو التماس البركة والنصرة في القرآن، وربما يذهب البعض إلى أن هذه الروح وهذا الحشد يُعد من وسائل الترهيب النفسي والمعنوي للعدو، وقد تكون هذه التفسيرات منطقية ومقبولة في أي حرب ومع أي عدو، لكن لهذه الحرب ولهذا العدو خصيصة أخرى تنضاف لما سبق، تتضح من قول هنية: إن هذا الحفل جزء من برنامج المقاومة وذلك مصداق لقول الله تعالى: ﴿... بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً (5)﴾ (الإسراء)؛ فهو يؤمن من خلال هذه الآية الكريمة أن أول صفات القوم الذي يحررون القدس الأسير هي العبودية لله تعالى ﴿عَلَيْكُمْ عِبَادًا﴾ ثم القوة والبأس الشديد، ولا تتحقق الصفة الأولى إلا من خلال القرآن الكريم كتاب الله عز وجل الذي يحوي من صفات ومظاهر ومقومات وخصائص العبودية لله تعالى ما لا يحويه كتاب آخر.
هذا هو التفسير الأول الذي ذكره هنية لاهتمامهم بالقرآن، وأضاف إليها ملمحًا آخر جعلني أزداد انبهارًا بهذا الرجل الذي لم تشغله الدنيا عن الدين ولم تبعده السياسة عن العيش مع كتاب الله تعالى والخروج بنظرات ومعانٍ تزيد الهمة وتجعل من القرآن كتاب حياة في سبيل الله تعالى؛ إذ أكد أيضًا على القرآن الكريم هو سبب من أسباب الأمن والأمان في الدنيا، وهنا أيضًا ربما يتبادر إلى الذهن المعنى القريب لهذه المقولة وهو أن القرآن مصدر أمن وطمأنينة وراحة نفسية، ولكن إسماعيل هنية كان يقصد الأمن بمعناه المادي المحسوس وهو الأمن من "الزنانات" والأباتشي وغيرها من وسائل خسيسة يستخدمها العدو الغاشم في اصطياد فرائسه من المجاهدين، ودليله على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45)﴾ (الإسراء)؛ فالقرآن سبب لتحقق الستر عن الأعداء وحرز منهم حتى إذا جاء وعد الله تعالى لعبده شرفه بالشهادة في سبيله.
والملاحظ أن الآيتين اللتين استشهد بهما أبو العبد من سورة الإسراء التي حددت الملامح العامة لسلسلة حروب تحرير الأقصى من دنس اليهود، والتي تخللها في بعض آياتها الحديث عن القرآن؛ وهو ما له دلالة واضحة على ما أكد عليه من أهمية القرآن في تحقيق صفات العبودية لله تعالى التي هي أول صفات القوم الذي سيشرفهم الله تعالى بتحرير مسرى النبي صلى الله عليه وسلم. حينما سمعت هذا الكلام العظيم من هذا الجبل الشامخ قلت: سبحان الله.. كم هم عظماء هؤلاء القوم، وكم يعرفون كيف يحيون في سبيل الله تعالى كما يحسنون أن يموتوا في سبيل الله تعالى؛ فالقرآن بالنسبة لهم هو منهج حياة كما هو طريق لصناعة جيل الجهاد والاستشهاد والنصر على الأعداء.
لقد استطاع هؤلاء القوم تطبيق مقولة ابن تيمية الرائعة التي وضع فيها منهجًا إيمانيًّا لكل مظلوم في سبيل دينه ودعوته؛ إذ يقول رحمه الله تعالى: "ما يفعل بي أعدائي.. إن سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة"، وأهل غزة- بل وأهل فلسطين جميعًا- المحاصرون والمسجونون في سجن جماعي يحرسه أعداؤهم من ناحية وبنو جلدتهم من ناحية أخرى، يتقلَّب حالهم بين الشهادة والسياحة والخلوة في أرض الوطن التي استطاعوا أن يجعلوها خلوةً في سبيل الله؛ القرآن فيها سميرهم، وذكر الله تعالى أنيسهم، وتحرير الأرض المقدسة مقصدهم، ورضوان الله غايتهم، والنصر بمشيئة الله تعالى موعدهم.. ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ (الحج: من الآية 40).
وتساءلت وأنا أسمع لأبي العبد: لو أن كل قوم منا عاشوا مع القرآن بهذا الفهم العميق وأخذوا من معانيه الوفيرة وظلاله الوارفة ما يحقق لهم العبودية لله تعالى لبرز كل منا في تخصصه ولتغير حالنا كثيرًا بالقرآن كما تغير حال أسلافنا فسادوا العالم وقادوا الأمم؛ ذلك لأنهم فهموا جيدًا قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)﴾ (الأنعام).
--------------