أين تجد نفسك؟!

الأخ الحبيب..

أحييكم بتحية الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد،

ففي السفر كما يقولون فوائد، وفي القصص عظات كثيرة وعبر، وفي التجارب دروس تحتاج منا أن نتوقف عندها ونتأملها ونستخلص منها ما يناسب الظرف ويلائم الحال، والأمم الحية عادةً ما تكون حريصةً على تاريخها واستحضار تجاربها كلما ألمت بها أزمة أو واجهتها مشكلة.

 

من هنا كانت الذاكرة الواعية للأمم والأفراد أحد أهم المقومات الضرورية لوصل الماضي بالحاضر، والحاضر بالمستقبل، بل إننا كلما أوغلنا في الماضي كان ذلك أعون لنا على استشراف المستقبل، ولعل هذا بعض ما عناه المولى عز وجل من وراء القصص في القرآن الكريم.

 

في أواخر السبعينيات من القرن الماضي حصلت على منحة دراسية من مصر للسفر للولايات المتحدة الأمريكية لمدة عام؛ وذلك لتعلم بعض التقنيات الحديثة الضرورية واللازمة لإجراء بحوث ودراسات متقدمة في مجال الصخور النارية، وبعد مراسلات مع الكثير من الجامعات الأمريكية استقر الرأي على جامعة ميسوري، والتي تقع بمدينة صغيرة اسمها "رولا" تبعد 170 كيلو مترًا عن المدينة الكبيرة "سانت لويس" بولاية ميسوري، ولم أنم ليلة السفر، كنت كالمسافر إلى المجهول، لا خبرة ولا تجربة ولا أحد ينتظرني، لم أكن بفردي، ولكن كان يصاحبني في سفري زوجي وأربع بنيات صغيرات، وكان هذا مصدر قلقي.

 

وعبر رحلة طويلة ومرهقة وشاقة لم أنَم فيها ليلتين كاملتين وصلنا هناك، وبدأنا رحلة البحث عن سكن، ولم نجد سوى بيت في قرية تبعد 25 كيلو مترًا عن مدينة "رولا"؛ مما يعني مشقة يومية، خاصة في ظل أجواء طقس صعبة وقاسية، فضلاً عن أن القرية لم تكن كقرانا التي نعرفها ولكن كانت أشبه بالبراري من حيث السكون والوحشة وعدم الأمان.

 

ومع اقتراب نهاية الشهر الأول من المنحة ارتأى أساتذة القسم بهذه الجامعة أن أقوم طيلة فترة إقامتي بإجراء دراسات حقلية ومعملية على منطقة بها مجموعة من الصخور البركانية تقع على بعد 200 كيلو متر من سكني، وهو ما يكلفني مالاً وغيابًا عن أهلي وبنياتي، ربما لأيام كل أسبوع، خاصة في الفترة الأولى، ولم يكن واضحًا لي يومئذٍ أن المستفيد الحقيقي والأكبر من هذا هو الطرف الأمريكي، ولست أنا- رغم أن المنحة على حساب مصر- وأن ما سأخرج به من خبرة وتجربة لا يتناسب مع ما جئت من أجله.

 

وساق الله تعالى إليَّ واحدًا من هؤلاء الأساتذة (من أصل مجري) ممن يعرفون طبيعة القوم في هذا المكان، وقد ساءه ما يجري ورأى فيه إجحافًا، فأراد أن يتدارك الأمر.. جاءني الرجل، ولم يكن جرى حديث بيننا من قبل، جلسنا وتعارفنا، وإذا به يسألني فجأةً: محمد.. لماذا أتيت إلى هنا واخترت هذا المكان بالذات؟ قلت جئت لأتعلم بعض التقنيات الحديثة في التحليل الكيميائي للصخور كما كان الاتفاق معهم قبل مجيئي من مصر.

 

قال: خدعوك يا صاحبي، لقد أخطأت الطريق.. قلت: وماذا عليَّ أن أفعل الآن؟ قال: إن كنت تريد تحقيق إنجاز في هذا المجال فليس هنا مكانه، ولا أساتذته رجاله، ثم أردف بحسم: أرى أن تجمع حاجياتك وتأخذ زوجك وبناتك وتذهب إلى مدينة دنفر بولاية كلورادو، وهناك سوف تجد بغيتك، وأسقط في يدي، وحينما رأى الرجل دهشتي وحيرتي، قال: محمد، لا بد أن تسأل نفسك، أولاً: لماذا أتيت إلى أمريكا بالذات ولم تذهب إلى أي بلد أوروبي قريب من مصر؟! إنه من غير المعقول أن تقطع هذه المسافة الطويلة ومعك هذه الأسرة الكبيرة لتقوم بعمل دراسات تستطيع أن تجريها في أي مكان آخر غير أمريكا.. ثم قال: لا بد أن تتعلم شيئًا ليس موجودًا سوى في أمريكا، أو على الأقل تتميز به أمريكا على غيرها.

 

ثانيًا: هل لديك قدرات وإمكانات للقيام بهذا العمل تحديدًا أم لا؟ فقد يرغب الإنسان أن يقوم بعمل لا يتناسب مع إمكاناته ولا تؤهله له قدراته فيضيع الوقت والجهد والمال في غير طائل.

 

ثالثًا: هل ستتمكن حين عودتك إلى بلدك من ممارسة هذا العمل؟ أو هل يمكنك استثمار ما تعلمته هنا والاستفادة به في بلدك أم لا؟

 

يا محمد، إن كان صعبًا عليك الرحيل في هذا التوقيت، ابحث عن شيء هنا ذي قيمة وتستطيع أن تنجزه في المدة الباقية.

قلت: هذا يتطلب أن تحيطني علمًا بالمجالات المختلفة الموجودة هنا.

 

وانطلق الرجل يستعرض بعضًا من هذه المجالات، واستفاض في شرح وأهمية كل منها، ولما استشعر مني ميلاً إلى أحدها، قال: لا تستعجل، أعط نفسك فرصة تفكر فيها، اذهب إلى بيتك الآن وعد بعد أسبوع وقد استقر رأيك على ما ترغب في عمله، وقد كان.

 

الأخ الحبيب..

مما تقدم يجب أن تسأل نفسك، ما هو مشروعك الذي تود القيام به في حياتك، أو في هذه المرحلة من حياتك، كي تخدم به عقيدتك وأمتك ووطنك؟ ما هو المشروع الذي تستطيع أن تبدع وأن تتألق فيه.

 

إن الكثير منا- للأسف- يترك نفسه هائمًا غير مدرك أن الوقت يمضي يومًا بعد يوم، وساعةً بعد ساعة، إلى أن ينتهي العمر، لا يكلف نفسه عناء التفكير، حسبه أن ينتمي لهذه الجماعة وكفى، وأن يقوم بإنجاز ما يطلب منه فقط ويعتبر ذلك غاية المراد من رب العباد.. هو لا يريد أن يبادر فيقتحم مجالاً- أي مجال- يتناسب مع مؤهلاته وإمكاناته.. هو لا يبحث داخل نفسه عن نقاط تميزه، أو الأشياء التي يمكن أن يبدع فيها.. لا يريد أن يكتشف ذاته، ويريد من الآخرين أن يكتشفوه.

 

نعم إن جزءًا لا بأس به من هذه المسألة يقع على عاتق قيادات الجماعة، بل إن القيادات الواعية هي التي تبحث بجد وتنقِّب بصدق عن أصحاب الملكات والمواهب والإبداع في كل مجال وميدان، وأن تقوم بتوظيف هذه الطاقات المكتشفة فيما يناسبها من أعمال، لكن يجب على الفرد ألا يركن إلى هذا.. هو عليه مسئولية لا تقل عن مسئولية القيادات وفي إطار المشروع العام للجماعة.

 

إن عالم اليوم هو عالم التخصص والعلم والمعرفة، ولا يمكن أن تقوم نهضة أو تقدم على خلاف ذلك.. هناك مجالات العلوم الشرعية، والعلوم الأساسية، والسياسة، والإدارة، والتخطيط، والاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، والآداب، والفنون، والتعليم، والرياضة، والإعلام، والفقه، والتربية، والدعوة وما إلى غير ذلك، والمطلوب منك يا صاحبي أن تنظر إلى نفسك وتحدد.. أين أنت من أي من هذه المجالات؟ هل تجد نفسك في مجال السياسة؟ أو مجال الإدارة، أو مجال التخطيط، أو مجال التربية؟ مثلاً إن كنت تجد نفسك أقرب إلى مجال السياسة، فأي فرع فيها؟ وهل لديك رغبة في الاهتمام بقضية ما دون غيرها؟ وما هي؟ وهل هي قضية محلية أم إقليمية أم دولية؟

 

إن الجماعة تحتاج إلى كل هذه المجالات.. هي في حاجة إلى جهود وابتكارات وإبداعات الجميع في كل القضايا، ولا يتصور أن تنهض الجماعة أو تحلق عن طريق الابتكار أو الإبداع في مجال واحد، بل في كل المجالات، والفرد مهما كان عبقريًّا في مجال ما لا يمكن أن يكون عبقريًّا في كل المجالات. ومن هنا كان الفرد في حاجة إلى إخوانه، وإخوانه في حاجة إليه.

 

الأخ الحبيب..

نحن في حاجة أن نستحضر دائمًا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كل ميسر لما خلق له" وأن نتدبر جيدًا قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا وسد الأمر إلى غير أهله فقد ضيعت الأمانة".

 

أسأل الله تعالى أن يشرح صدورنا، ويبارك أخوتنا، ويحقق آمالنا، وينصر دعوتنا، ويُعلي رايتنا، ويثبت على طريق الحق أقدامنا..

 

والله من وراء القصد..

---------

* النائب الأول للمرشد العام للإخوان المسلمين.