كلما اقترب موعد بدء العام الدراسي الجديد، تضاعفت مشاعر الذعر والقلق لدى الأسرة المصرية خوفًا على أبنائها من انتشار وباء إنفلونزا الخنازير، إلى الحد الذي جعل كثيرًا من الآباء يفكرون- وبجدية- في عدم إلحاق أبنائهم في الدراسة هذا العام، خاصةً الأعمار السنية الصغيرة، وقد ساهم في ذلك غياب خطة إرشادية تمكِّن الآباء والأبناء من تفهُّم حقيقة الوباء وطرق الوقاية منه، واستبدال جرعة إعلامية مكثفة ساهمت وبشكل مباشر في تأصيل مشاعر الذعر والهلع؛ الأمر الذي جعل العام الدراسي هذا العام يصطبغ بصبغة جديدة لم نعهدها من قبل؛ حيث اعتبر البعض أن الالتحاق بالمدارس أصبح مغامرةً غير مؤمونة العواقب.
ولكن إذا كان الأطفال في الأعمار السنية المتقدمة يدفعهم الحرص والرغبة في السلامة إلى الالتزام بما يقدم لهم من نصائح؛ فإن الخطر الحقيقي يكمن في من هم أصغر سنًّا؛ حيث تصعب السيطرة عليهم كما أن استجاباتهم للإرشادات لا تجني ثمارها إلا بصعوبة، ولعل معدل الخطر يزداد داخل دور الحضانات التمهيدية العشوائية، والتي غالبًا لا تخضع لأي رقابة صحية أو تربوية فضلاً عن الكثافة العددية والأماكن غير المؤهلة، ومن ثم هناك العديد من علامات الاستفهام التي تطرح نفسها بإلحاح؛ منها ما هي أفضل الوسائل التربوية في مناصحة الصغار وتوعيتهم بخطورة الوباء.. هل هو الترهيب والتخويف أم التهوين؟!
وعلى من تقع مسئولية التقصير على الأطفال أم الكبار؟! ثم ما هي الروشتة الوقائية الأقرب والأحب إلى الأطفال؟! هذا ما حاولنا أن نجيب عنه في السطور التالية:
في البداية توجَّهنا للأطفال وأولياء أمورهم؛ لنعرف رأيهم عن قرب؛ حيث قالت سارة (6 سنوات) إنها لن ترغب في الذهاب للمدرسة هذا العام، بالرغم من أنه العام الأول لها، وكانت سعيدة بالملابس الجديدة، ولكنها الآن فقدت الرغبة في الذهاب إليها؛ لأنها خائفة من الموت، كما أنها تحذر كل أصدقائها بقولها إن كل من سيذهب إلى المدرسة سوف يموت.
أما عمر (7 سنوات) فهو قد حفظ الوصايا العشر التي يتلقَّاها من والدته كل يوم للوقاية من العدوى، والتي منها غسل اليدين بالماء والصابون ما بين الحصص، وكذلك الابتعاد عن أي شخص مصاب بالبرد، وعدم استعمال أدوات الآخرين.
أما مريم (10 سنوات) فقد بالغت في احتياطاتها الوقائية؛ حيث قالت إنها سوف تصطحب القناع في المدرسة، وكذلك سوف تقوم بتنظيف الديسك الخاص بها يوميًّا بقطعة قماش مبللة بسائل قاتل للميكروبات.
أم أحمد (8 سنوات) فهو رافض لرغبة والدته في تأجيل الذهاب للمدرسة هذا العام، ولكنه في الوقت نفسه خائف بشدة من العدوى، ويطالب بضرورة توفير التطعيمات اللازمة في المدارس حتى يطمئن الجميع.
أسلوب الحوار
د. صفية عفت

في هذا الإطار ترى د. صفية عفت أستاذ الطب النفسي أن توعية الأطفال بالتعليمات والاحتياطات أمرٌ يحتاج في البداية إلى وعي وفطنة من الآباء في استخدام الأسلوب الأمثل في المناصحة، والذي يعتمد على عدة ركائز؛ منها أن يتحقق فيه التوازن، فلا داعي للتخويف المستمر أو التهوين من الأمر، فالوسطية هي أفضل الأمور؛ بمعنى أن تستخدم الأم مع الأبناء أسلوب الحوار المتبادل لمعرفة مدى إدراكهم بالأمر، ثم مناصحتهم بأسلوب لين، مع الحرص على تأصيل بعض المفاهيم الإيمانية المهمة؛ منها الأخذ بالأسباب والرضا بما بقدر الله ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (التوبة: من الآية 51).
وأضافت د. صفية أنه لكي يتحقق الأسلوب المثالي في مناصحة الأبناء بشكل يضمن سرعة الاستجابة منهم؛ لا بد في البداية أن يتجرد الآباء من شعور القلق، والذعر الذي يسيطر عليهم، والذي ينتقل بالتبعية إلى الطفل؛ مما يؤثر فيهم بشكل سلبي، فقد يتسبَّب في عزلتهم عن الآخرين؛ مما يؤثر في نموهم الإدراكي والمعرفي، كما أن ذلك يهيئ المناخ لظهور بعض الأمراض النفسية مثل الوساوس، ومن ثم فالأمر يحتاج إلى الوعي من قبل أي جهة مسئولة عن الإرشاد والتوجيه.
وأشارت إلى أن وسائل الإعلام لعبت دورًا فعالاً في إيجاد هذه الحالة من الفزع لدى الكبار والصغار، ومن ثم تطالب بضرورة أن تقلل وسائل الإعلام من هذه الجرعات المكثفة لتخويف المواطنين؛ لأنها لا تؤتي إلا بثمار عكسية.
التعليم بالقدوة
د. شعبان الأزهري

ويتفق مع الرأي السابق د. شعبان الأزهري الأستاذ بكلية الطب جامعة الأزهر، مضيفًا أنه من أفضل السبل في توجيه الأبناء، خاصةً الأعمار السنية الصغيرة، التعليم بالقدوة؛ بمعنى أن تدرِّب الأم طفلها بشكل عملي، فهو أسلوب أكثر تأثيرًا في الأطفال، مثل تعويده غسل اليدين بالماء والصابون في فترات ليست متباعدةً، وكذلك الحرص على النظافة الشخصية بعد استخدام دورة المياه، وخاصةً عند استخدام الدورات المشتركة، بالإضافة إلى تأكيد عدم مخالطة المصابين وعدم استخدام أدوات الآخرين كالأطباق والفوط والملاعق، وكذلك فرش الأسنان.
وأضاف د. شعبان أن هناك أمرًا لا يقل أهميةً عن هذه الاحتياطات، وهو الاهتمام بالجانب الغذائي للطفل؛ حيث يجب تقديم أغذية صحية للطفل من شأنها تقوية جهازه المناعي؛ مما يقلل من فرص الإصابة مثل الخضراوات والفواكه بأنواعها، وكذلك الأغذية التي تحتوي على مضادات حيوية طبيعية مثل البصل والثوم، وكذلك العصائر بأنواعها، فعلى سبيل المثال كوب ليمون بالعسل يوميًّا من المشروبات التي لها بالغ الأثر في تقوية الجهاز المناعي لدى الأطفال.