"لا أحد من الرؤساء الأمريكيين السابقين الذين لا يزالون على قيد الحياة- ومعهم الرئيس جورج بوش- وموظفي الإدارة الأمريكية، يستطيع أن ينكر تأثير اللوبي الصهيوني على سياسته، وتوجيه اللوبي السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية؛ فقد استطاعت الصهيونية العالمية أن تتوغل في البيت الأبيض ووزارة الدفاع (البنتاجون)، كما سيطرت على أكثر مقاعد مجلس الشيوخ الأمريكي (الكونجرس)، ووزارة الخارجية، وتوجيه السياسة الأمريكية منذ انتصار الحلفاء على دول المحور في الحرب العالمية الثانية، وقادت الولايات المتحدة الأمريكية المطالبة بإقامة دولة لليهود على تراب فلسطين، وبالرغم من أن الاتحاد السوفيتي السابق كان أول من اعترف بذلك الكيان إلا أن تأثير الصهيونية على سياسة الاتحاد السوفيتي تكاد لا تذكر بالرغم من أن اليهود كانوا وراء الشيوعية العالمية".

 

هذا خلاصة ما توصل إليه كل من شتيفان ولت، وجون ميرسهايمر أستاذي العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعتي هارفارد وشيكاغو في كتابيهما "تأثير اللوبي الإسرائيلي- الصهيوني على السياسة الأمريكية" الصادر في عام 2007م، والمدقق في الأمر لا يرى تأثير الصهيونية يقف عند هؤلاء الذين ذكروا فيما توصل إليه شتيفان ولت وجون ميرسهايمر، وإنما يمتد على نطاق واسع؛ حيث يشمل أغلب المجتمع الغربي في الماضي والحاضر.

 

يؤكد ذلك أن نقف عند "المصطلح السياسي الغربي"؛ لنرى مدى التأثيرات الصهيونية في تكوينه وإعطائه مدلولاته التي تخدم مصالحهم، وتدفع به في اتجاه يخدم أهداف هذا الكيان الذي بات شوكة في ظهر الإسلام والعروبة.

 

الليبرالية السياسية

من المصطلحات التي كان للصهيونية تأثير في شيوعها مصطلح "الليبرالية السياسية" الذي حقق شيوعًا كبيرًا على مستوى الخطاب السياسي الغربي، وطبقًا لقواميس ومعاجم المصطلحات الغربية يشير هذا المصطلح إلى نظام سياسي يقوم على ثلاثة أسس، هي: العلمانية، والديمقراطية، والحرية الفردية، على أساس فصل الدين عن الدولة (علمانية)، وعلى أساس التعددية والحزبية والنقابية والانتخابية، من خلال النظام البرلماني (ديمقراطية)، وعلى أساس كفل حرية الأفراد (حرية فردية)، وقد جاء تعريفه في موسوعة لالاند بأنه: "مذهب سياسي يرى أن المستحسن أن تزداد إلى أبعد حد ممكن استقلالية السلطة التشريعية والسلطة القضائية، بالنسبة إلى السلطة الإجرائية (التنفيذية)، وأن يعطي للمواطنين أكبر قدر من الضمانات في مواجهة تعسف الحكم.. الليبرالية تتعارض مع الاستبدادية".

 

وقد لعب الصهاينة الدور الأكبر في ترسيخ الفكرة الليبرالية في المجالات الغربية: السياسة والاقتصاد والفكر؛ قد لا يكونون هم من ابتدعها، فالأقرب أنها ابتدعت تلبية لحاجة نفسية، وثورة على كبت مطلق؛ لكن الصهاينة أحسنوا استغلال هذه الحاجة والثورة، بما يحقق أهدافهم، على حين غفلة، يقول كتيبهم المشهور بالبروتكولات "إن هتافنا بكلمات: الحرية، والمساواة، والإخاء؛ مع جهود دعاتنا المسخرين اجتذب في كل أنحاء العالم جيوشًا جرارة من البشر، حملت أعلامنا بكل فخر وحماسة، في حين أن هذه الكلمات الساحرة كانت سوسًا ينخر في كيان المسيحيين (الجوييم) ومعول هدم للأمن والسلام والوحدة لديهم، وأداة تدمير أسس دولهم، وكان هذا من أسباب نصرنا، كما سترون، ومن هذا النصر وصول الورقة الرابحة إلى أيدينا، ويسرت لنا القضاء على طبقة الأشراف المسيحيين، ونسف ما كان لهم من شرف احتكروه لأنفسهم، وبذلك تم سحق أرستقراطية الجوييم التي منحتهم الرفعة والحصانة والامتياز على الطبقات الأخرى، كما كانت هذه الأرستقراطية سند الشعوب الوحيد الذي يقف في وجهنا".

 

وهذا يؤكد أن الصهيونية انطلقت في ترسيخ الفكرة الليبرالية من فهم نفسيات الشعوب، من حيث سيطرة العاطفية والسطحية على شعورها، وضعف إدراكها لخفايا الأمور، واغترارها بالظاهر، وعدم البحث فيما وراءه، ولأجله فهم مهيئون لتقبل كل فكرة ظاهرها الرحمة، وإن كان باطنها العذاب؛ لكنهم لا يفقهون ذلك الباطن، وليس لهم إلا الوقوف على الظاهر!!.
وقد اتخذوا هذه الفكرة وسيلة لهدم كل الحكومات الأرستقراطية الملكية القائمة الثابتة الحاكمة حكمًا مطلقًا، واستبدالها بحكومات غير ثابتة متغيرة على الدوام، ذات سلطة محدودة، بدعوى تحقيق الليبرالية، التي يدركون يقينًا أنها لن تكون خيرًا من الملكيات والحكومات ذات السلطات المطلقة، إن لم تكن شرًّا منها؛ لكن كان لا بد من الترويج لها من أجل هذا الهدف، وهو إزالة الأنظمة التي تعوق خطط الصهيونية اليهودية الماسونية في الوصول إلى الحكم.

 

عصر الاكتشافات- الرواد

إن المصطلحات الغربية- وضمنها المصطلح السياسي- تنبع- كما يقول د. عبد الوهاب المسيري (رحمه الله) في كتابه في الخطاب والمصطلح الصهيوني دراسة نظرية وتطبيقية ص 26- من المركزية الغربية، فالإنسان الغربي يتحدث على سبيل المثال عن "عصر الاكتشافات"؛ وهو مصطلح يعني أن العالم كله كان في حالة غياب ينتظر الإنسان الأبيض لاكتشافه، وفي هذا الإطار يشير الصهاينة إلى أنفسهم على أنهم "رواد"، من ذلك مثلاً ما نجده مبثوثًا في تقاريرهم الصحفية عن المؤتمرات اليهودية والمتحدثين فيها، فشرجي وهو أحد الصحفيين الصهاينة وخلال تقريره عن مؤتمر قام بتنظيمه المجموعات اليهودية الفاعلة لبناء الهيكل الثالث، يوم الأربعاء (21/12/2004م) يصف الحاخام مردخاي الياهو حاخام (إسرائيل) الأكبر بأنه "أول الرواد الصهاينة"، وكذلك وصف ماغنوس هيرشفيلد وهو أحد علماء الجنس من اليهود الألمان الذين زاروا فلسطين (في ثلاثينيات القرن العشرين) تحركات الشبان الصهاينة، وفي وصفه لهم نعتهم بأنهم "من الرواد الصهاينة"، وقد نقل ذلك دايفيد بيال، وهو مؤلف أمريكي يهودي معني بالتاريخ السياسي والاجتماعي للصهيونية واليهود في كتاب له بعنوان "الحب الجـنسي واليهود: من زمن "إسرائيل" التوراة إلى أمريكا المعاصرة" (1992م).

 

وإذا تأملنا في معنى "الرائد" نجد أنه يحمل دلالة على من يرتاد مناطق مجهولة، فيستكشفها بنفسه، ويفتحها لينشر الحضارة والاستنارة فيها بين شعوبها البدائية، ومن ثم يصبح اليهود بناء على الربط بين هذين المصطلحين سادة العالم إذ إن "عصر الاكتشافات" يتطلب "روادًا" يقودون زمامه ويسيرون بشعوبه.

 

معاداة السامية

ومن أهم المصطلحات السياسية التي أحرزت شيوعًا في العالم الغربي مصطلح "معاداة السامية"؛ وهو مصطلح يعكس التحيزات العرقية والمركزية الغربية التي ترجمت نفسها إلى نظام تصنيفي (آري/ سامي) والسامي بالنسبة للغرب هو اليهودي، وهو ما لا يمكن لأي دارس للتشكيل الحضاري أن يقبله، ومع هذا شاع المصطلح وسبب الخلل، وقد أصبح المجال الدلالي لمصطلح "معاداة السامية" يشير إلى أي شيء ابتداء من محاولة إبادة اليهود، وانتهاء بالوقوف ضد الكيان "الإسرائيلي"؛ بسبب سياسته القمعية ضد العرب مرورًا بإنكار الإبادة.

 

وقد عملت الصهيونية على نشر هذا المصطلح على نطاق واسع في العالم الغربي، ويكفي هنا أن نذكر أنه في شهر أبريل من عام 2005م انشغلت أكثر الدول الأوروبية بظاهرة تنامي "معاداة السامية" على جدران شوارعها وصفحات جرائدها ذات التوجه الليبرالي، ففي هذا الشهر عُقد ما لا يقل عن ثلاثة مؤتمرات وصدر تقريران؛ كلها تتعرض لظاهرة "معاداة السامية"، وأتاحت هذه الفعاليات مجالاً للمنظمات اليهودية في أوروبا ولساسة "إسرائيل" ومن والاهم من الأوروبيين؛ لإعادة التذكير بمأساة المحرقة، ودق طبول التحذير مما هو آتٍ.

 

أحد هذه المؤتمرات عقدته في برلين "منظمة الأمن والتعاون الأوروبي"، والتي تعد أكبر تجمع إقليمي يعنى بالشئون الأمنية، وتضم في عضويتها حوالي 55 دولةً من أوروبا وآسيا الوسطى وأمريكا الشمالية، وتربطها شراكة متوسطية بعدد من الدول العربية؛ مثل مصر وتونس والأردن، بالإضافة إلى "إسرائيل"، وقد شهد المؤتمر حضورًا عالميًّا، وأصدر وثيقته التي صدرت تحت اسم "بيان برلين"، والتي تحذِّر من أن "معاداة السامية قد بدأت تأخذ أشكالاً جديدةً تشكل تهديدًا للديمقراطية وقيم الحضارة، وبالتالي لأمن دول الاتحاد".

 

وبناءً على ذلك حدَّد بيان برلين ما يجب عمله لمواجهة هذه الظاهرة:

- العمل على التأكد من أن النظم القانونية في أوروبا؛ سوف تدعم وتوفر بيئة لا تحرِّض على معاداة السامية أو العنف أو التفرقة العنصرية في كل مناحي الحياة.

 

- العمل على ترويج برامج تعليمية لمكافحة معاداة السامية، والعمل على الترويج لعملية التذكر، وتدارس تراجيديا المحرقة، ومكافحة جرائم الكراهية التي تغذيها الدعاية التي تحرِّض على معاداة السامية.

 

- العمل على جمع معلومات حول جرائم معاداة السامية التي تقع على الأراضي الأوروبية وتوثيقها ونشرها للجمهور العام.

 

ليس هذا فحسب، بل سعى البيان أيضًا إلى حشد كل المنظمات التابعة للأمم المتحدة؛ مثل لجنة الأمم المتحدة لمكافحة التفرقة العنصرية، واللجنة الأوروبية ضد العنصرية، والتعصب، وكذا المركز الأوروبي لرصد اتجاهات العنصرية ومعاداة الأجانب، وغيرها من المنظمات غير الحكومية فقط؛ من أجل رصد الحوادث ذات الطبيعة المعادية للسامية.

 

ومن الضروري هنا لبيان مدى ما يمثله مصطلح معاداة السامية الذي هو "صناعة صهيونية" من انتشار في العالم الغربي أن مؤتمر برلين المشار إليه سابقًا أتى بعد أيام قلائل من صدور تقريرين للمركز الأوروبي لرصد الاتجاهات العنصرية، ومعاداة الأجانب حول معاداة السامية، وأن هذه التقارير وصفت من قبل "بات كوكس" رئيس الاتحاد الأوروبي بأنها "أعمال عظيمة تدفع باتجاه التفكير في تخصيص مزيد من الموارد لدراسة هذا الموضوع".

 

الغريب في الأمر أن هذه التقارير والفعاليات التي ركزت جل اهتمامها على المعاناة التي يتعرض لها يهود أوروبا، تلمح أحيانًا، وتصرح أحيانًا أخرى بأن السبب الرئيس في هذه المعاناة هم أفراد من الجاليات الإسلامية المقيمة بأوروبا، بل إن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد؛ حيث كان لا بد من تحقيق أقصى استفادة ممكنة من بعض حوادث منعزلة وقعت في فرنسا وإنجلترا، واستهدفت منشآت يهودية لتقوم جوقة "إسرائيل" بتمرير فكرة أن "معاداة السامية الجديدة" يمارسها شباب مسلم، وأن أحد أسباب معاداة السامية في أوروبا هو انتقاد "إسرائيل" وسياساتها تجاه الفلسطينيين.

 

ومعنى ذلك أن الربط بين الإسلام من جهة ومعاداة السامية، يراد منه أمور:

الأول: تقديمه على أنه المحرض لارتكاب هذه الجرائم.

ثانيًا: إعطاء شرعية لمقولة أن انتقاد "إسرائيل" هو السبب الرئيس في تنامي العداء لليهود في أوروبا.

 

وثالثًا: يظل بالإمكان التلويح بالمحرقة، والتذكير بذنوب ارتكبت في حق يهود أوروبا.

 

الهولوكست- العالياه

ومما يؤكد تأثير الصهيونية في تكوين المصطلح السياسي الغربي أن كثيرًا من المصطلحات التي صيغت عن اليهود في الخطاب السياسي الغربي تُستقى من التراث الديني اليهودي (بعضها بالعبرية أو الآرامية)، أو من تراث إحدى الجماعات اليهودية (عادة يهود اليديشية)، أو من الأدبيات الصهيونية لوصف الظواهر اليهودية والصهيونية، وكأن هذه الظواهر من الاستقلالية والتفرد؛ بحيث لا يمكن أن تصفها مفردات في أي لغة أخرى.

 

ومن المصطلحات التي يظهر فيها هذا الانغلاق الجيتوي- كما يقول المسيري (السابق: 30) مصطلحا "الهولوكوست" و"العالياه"؛ وهما من الاصطلاحات التي وجدت طريقها أيضًا إلى اللغة العربية، و"العالياه" اصطلاح ديني يعني: العلو والصعود إلى أرض الميعاد، ولا علاقة له بأي ظاهرة اجتماعية، ومع هذا يستخدم الصهاينة الكلمة للإشارة إلى الاستيطانية، أي أنها ظاهرة لها سبب ونتيجة أصبحت شيئًا فريدًا، وظاهرة ذاتية لا تخضع للتقنين والمناقشة، و"الهولوكوست" هو تقديم قربان للرب في الهيكل، يُحرق كله ولا يبقى منه شيء للكهنة، ومع هذا يستخدم الصهاينة هذه الكلمة للإشارة إلى الإبادة النازية لليهود، والغرض من استخدام كل هذه المصطلحات الدينية العبرية هو إزالة الحدود والفوارق بين الظواهر المختلفة؛ بحيث تصبح "عالياه" هي الهجرة الصهيونية الاستيطانية، وتصبح الهجرة الصهيونية هي العلو والصعود إلى أرض الميعاد، أما الهجرة منها، فهي "يريداه" أي هبوط ونكوص وردة، ولعل مما له دلالته هنا أن العبرية توجد فيها كلمة محايدة تصف الهجرة وحسب (هجيراه)، ولكن الصهاينة استبعدوها، وهو ما يؤكد المضمون الأيديولوجي لهذا المصطلح.

 

النزاع "الإسرائيلي"- الفلسطيني

كذلك من المصطلحات السياسية في الخطاب السياسي الغربي مصطلح "النزاع "الإسرائيلي"- الفلسطيني"، وهذا المصطلح يهدف إلى إقرار حق الطرفين، فالنزاع ينشأ غالبًا بين طرفين لكل منهما حق، والمصطلح بهذا المعنى يقلب الحقائق التاريخية، إذ يقر للصهاينة بحقهم في أرض فلسطين، ويجعل المسألة الفلسطينية تبدو وكأنها مجرد تنازع على ملكية أرض لطرفي القضية حق فيها، والغاية الرئيسية لهذا المصطلح السياسي السائد في الصحافة الأمريكية، هي دفع القراء والجمهور الأمريكي لقبول كل ما يصدر عن "إسرائيل"، والموافقة الآلية على ما قد يرفضه الجمهور نفسه فيما لو كان يتعلق بطرف آخر غير "إسرائيل"، وهو ما يفسر لدينا إعلان البيت الأبيض ترحيبه بخطاب بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيوني الأخير في شهر يونيو الماضي، معلنًا أنه "خطوة كبيرة للأمام".

 

اللافت للنظر أن هذا المصطلح تم تطويره في الإعلام الأمريكي الخاص بتغطية القضية الفلسطينية؛ حتى باتت السمة الرئيسية لهذا المصطلح أن يهيكل ويمنهج الطريقة التي تقرأ بها هذه القصص والتغطيات الإخبارية الخاطئة على نحو يجعل من الصعب على القارئ إدراك كنه هذه القصص ومدى صحتها من عدمه، بل تحجب تلك الطريقة عن الساسة الغربيين أنفسهم فرصة النظر الناقد إلى ما يكتبونه عن القضية الفلسطينية.

 

يؤكد ذلك لدينا أن أوصاف الساسة الفلسطينيين والحركات السياسية الممثلة لهم، في الإعلام الغربي غالبًا ما تعتمد أوصاف تتراوح بين "المتطرفين" و"المعتدلين"، وعادة ما يبدو صوت الفئة الفلسطينية "المعتدلة" مقبولاً، بينما ينظر نظرة سلبية إلى مواقف وآراء "المتطرفين".

 

وترى الجميع يستخدم هذه المصطلحات ويقرر مواقفه وآراءه بناء عليها، دون أن يكلف نفسه مشقة تأمل ما تعنيه على وجه التحديد. كما لا يكلف أحد من هؤلاء نفسه إثارة السؤال عن المعايير الذاتية والموضوعية التي أطلقت على أساسها هذه "الوصفات" الجاهزة لأطراف الحوار.

 

في مقابل ذلك يلاحظ صبغ الساسة "الإسرائيليين" بصبغة مختلفة عن تلك التي يصبغ بها الساسة والمتحاورون الفلسطينيون؛ فالساسة "الإسرائيليون" يقسمون في الإعلام الأمريكي مثلاً على أساس "صقور" و"حمائم"، وخلافاً لنظرائهم الفلسطينيين، فليست ثمة صفة سلبية تلحق بأي من هذين الوصفين للساسة "الإسرائيليين"، المستعارين من عالم الطيور.

 

وهنا يجب علينا أن نثير السؤال: لماذا لا يوصف أي سياسي فلسطيني في المصطلح السياسي الغربي بأنه ينتمي إلى فئة "الصقور"، كما لا يوصف سلبًا أي سياسي "إسرائيلي" بأنه "متطرف"؟.

 

إن الإجابة عن هذا السؤال تتضح إذا بحثنا عن دور الصهاينة ودعاياتهم في التأثير على الخطاب السياسي الغربي، فمتابعة الدعاية الصهيونية وآثارها في الإعلام الغربي، تكشف أن "إسرائيل" تضخ مئات الملايين من الدولارات على ما يطلق عليه بالعبرية (هاسبارا)، أو المعلومات الموجهة إلى العالم الخارجي، وتُضاف إليها الخدمات الإعلامية والمتمثلة في الرحلات المجانية للصحافيين النافذين والولائم والهدايا، بالإضافة إلى إمطار أعضاء الكونجرس الأمريكي بدعوات لزيارة "إسرائيل"، فضلاً عن غزارة المطبوعات والندوات والمؤتمرات، وتدريب المذيعين وتلقينهم للإشارة دائمًا إلى المحرقة ومحنة "إسرائيل"، وتشويه صورة الانتفاضة ومماهاتها بالإرهاب، والهدف دائمًا هو إظهار "إسرائيل" بأنها ضحية بريئة للعنف والإرهاب، وأن العرب لا سبب لديهم للنزاع معها سوى الكراهية اللاعقلانية المستحكمة لليهود؛ يحدث هذا للأسف بالرغم من أنها تحتل الأراضي الفلسطينية وخاصة في الضفة والقطاع، وتمارس القتل اليومي ضدهم بنسبة واحد إلى خمسة، وتجرف وتدمر الأراضي والمنازل، وتحاصر القرى والبلدات، ومع ذلك تظهر نفسها بمظهر الضحية!! 

 

عرب "إسرائيل"- مستوطنات

ومن المصطلحات الشائعة التي يجري استعمالها في الخطاب السياسي الغربي "عرب إسرائيل" أو "الوسط العربي"، ويعنون بهم العرب أو أنسال العرب الذين بقوا في قراهم وبلداتهم بعد حرب 1948م وإنشاء دولة "إسرائيل"، أو عادوا إلى بيوتهم قبل إغلاق الحدود، على رغم وعي هؤلاء وتسميتهم لأنفسهم بأنهم فلسطينيون، وذلك لترسيخ الوجود "الإسرائيلي" في الدولة الفلسطينية، وإقناع الآخر بأن "إسرائيل"- كدولة موجودة- وضمن مواطنيها "عرب إسرائيل" أو "الوسط العربي" بل إن الصهاينة لم يكتفوا بذلك، فابتدعوا مصطلحًا جديدًا بدأ تداوله في الصحافة "الإسرائيلية" وهو مصطلح "أبناء الأقليات" (خاصة في الإعلانات الرسمية)، ويرمون به إلى ترسيخ الفكرة التي أرادوها عن إقناع الآخر بأن "إسرائيل" دولة ذات أقليات، وأن العرب أقلية ضمن هذه الأقليات.

 

وبالمثل توصف الوحدات السكنية "الإسرائيلية" التي أقيمت في الأراضي الفلسطينية المحتلة- في انتهاك صارخ للقانون الدولي- بأنها "مستوطنات" أو "مناطق الجوار"، بدلاً من تسميتها على حقيقتها، ووصفها كما هي أي كونها "مستعمرات استيطانية" أو "مغتصبات" كما تسمى من قِبل الفصائل الفلسطينية مثل حركة حماس، وربما يبدو وقع هذه الكلمة الأخيرة قاسيًا على الأذن، إلا أنها التوصيف الأكثر دقة لواقع الاستعمار، بمعنى استيطان مجموعة سكانية ما، وتشكيلها لمجتمع مجاور أو خاضع لـ"دولته الأم".

 

والحقيقة أن هذه التمايزات اللغوية الطفيفة في وصف الواقع، تحدث فارقًا كبيرًا جدًّا في الفهم، ذلك أن هضمها واستيعابها في لا وعي الجمهور، يسهمان كثيرًا في تشكيل الطريقة التي ينظر بها إلى الأحداث والأشخاص المرتبطين بها.

 

وبالنتيجة لقد نجحت الصهيونية في التأثير على الخطاب السياسي الغربي وتكوين مصطلحاته، فبات هؤلاء "الجوبيم"- كما تصفهم "البروتكولات"- مقتنعين بأن ما يفعله العرب بحق "الإسرائيليين" مدمر، متعصب، عنيف، يستهدف إبادتهم ورميهم بالبحر، مناهض للسامية، وإنها- أي "إسرائيل"- الحليف الصادق الوحيدة، وهكذا تدفقت عليها المساعدات، ويكفي هنا أن نذكر أن حجم المساعدات التي تلقتها "إسرائيل" بين عامي (1967- 1985م) بلغ 92 بليون دولار، بمعدل 5 بلايين دولار سنويًّا، مع أن مصلحة الأمريكان هي مع العرب والنفط من الناحية الإستراتيجية والاقتصادية، وبالرغم من هذا تتدفق أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، دون اعتراض جوهري، لتمويل حروب "إسرائيل" ومستوطناتها واحتلالها اللاشرعي.

 

وهذا هو بالضبط ما يفسر تهنئة الصحافة الأمريكية لنتنياهو على موافقته على قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في خطابه الأخير في يونيو الماضي، رغم صحة أن الدولة الفلسطينية التي صوَّرها الخطاب أو حدد شروطها، بالكاد ينطبق عليها وصف الدولة أصلاً؛ فلننظر إلى كلمة "الدولة" في المعجم اللغوي، ولسوف نجد أن معانيها تشير إلى وحدة التراب والحدود، وإلى السلطة والسيادة، وبالمقارنة فإن كيان الدولة الذي تحدث عنه نتنياهو في خطابه المذكور، يفتقر إلى أي من هذه السمات الأساسية للدولة، إذا ما لاحظنا أنه تحدث عن دولة لا حدود جغرافية سياسية واضحة لها، وعن دولة محرومة من فرض سيطرتها على حدودها أو أجوائها، كما لا يحق لها إبرام أي اتفاقيات أو معاهدات مع بقية الدول الأخرى. فلن تكون هذه دولة بأي حال، إلا إذا كان للتفاح أن يصبح برتقالاً أو أن تصير السيارة طائرة! فكيف إذن تسنى لكبريات الصحف الأمريكية أن تسوّد صفحاتها الأولى عنوان عريض يقول: "رئيس الوزراء "الإسرائيلي" يدعم قيام دولة مستقلة للفلسطينيين"، كما فعلت صحيفة (نيويورك تايمز) مثلاً؟ أو أن تنشر (لوس أنجلوس تايمز) خبرًا يقول: نتنياهو يتمسك بحل الدولتين؟ أو أن يصف الناطق الرسمي باسم الرئيس أوباما إعلان نتنياهو بأنه يمثل "خطوة كبيرة" باتجاه الحل السلمي للنزاع؟ الإجابة عن كل هذه الأسئلة: إنه تأثير الصهيونية على الخطاب السياسي الغربي وتكوين مصطلحاته.

 

نخلص إلى القول إننا مع الصهاينة أمام "حرب من نوع جديد" "وهي حرب- كما يقول محمد حسنين هيكل- لا تدور اليوم على الجبهات العسكرية، ولا تقتصر على استخدام السلاح وقوة النيران، وليس لها مسرح عمليات محدد، له تخومه وتضاريسه، والخسائر فيها ليست بعدد القتلى والجرحى والآليات؛ إن في هذه الحرب ساحة كبيرة غير مرئية، تشتعل وتحتدم في عقول الناس وفي وعيهم وفي ضمائرهم، وأهم من ذلك في ذاكرتهم؛ وهكذا فإن الإصابة فيها بصعق البرق وليست بطعن الجرح، والنـزف فيها ليس دمًا يسيل، بل إدراكًا يتسرب، ثم إن المنتصر فيها لا يستولي عليها جغرافيًّا، وإنما يستولي على تاريخ وإرادة، ولا يكتفي بحصار الواقع وإنما يحصر الخيال".

 

وهنا يبقى السؤال: أين العرب والمسلمون من كل هذا؟ إنه سؤال ما زال على مائدة البحث ينتظر إجابة.

----------

* باحث دكتوراه بدار العلوم- القاهرة